منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الهجرة والكفاءات في أوروبا.. دراسة تكشف التحول الكبير في مستوى تعليم الوافدين

14 مايو 2026
مهاجرون في أحد القاعات الدراسية بأوروبا
مهاجرون في أحد القاعات الدراسية بأوروبا

كشفت دراسة حديثة عن تصاعد ملحوظ في مستويات التعليم بين المهاجرين المقيمين داخل دول الاتحاد الأوروبي، في وقت تواجه فيه القارة الأوروبية تحديات متزايدة تتعلق بالهجرة ونقص العمالة الماهرة والتغيرات الديموغرافية، ما أعاد النقاش داخل المؤسسات الأوروبية حول الدور الاقتصادي والاجتماعي للمهاجرين في أسواق العمل الأوروبية.

وبحسب دراسة نشرتها مؤسسة روك وول برلين الألمانية، ارتفعت نسبة البالغين من المهاجرين القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي والحاصلين على تعليم جامعي أو ما يعادله من 26 بالمئة عام 2017 إلى 32.6 بالمئة خلال عام 2025، في مؤشر يعكس تحسنا تدريجيا في المستوى التعليمي للمهاجرين داخل دول الاتحاد الأوروبي.

وأوضحت مؤسسة روك وول برلين أن هذه الزيادة جاءت بالتوازي مع ارتفاع مستويات التعليم العالي بين مواطني الاتحاد الأوروبي أنفسهم، حيث ارتفعت نسبة الحاصلين على شهادات جامعية من الأوروبيين من 30.3 بالمئة عام 2017 إلى 37.7 بالمئة خلال عام 2025.

فجوات بين الدول الأوروبية

وأظهرت الدراسة وجود تفاوتات واضحة بين الدول الأوروبية في مستويات تعليم المهاجرين وفرص اندماجهم داخل المجتمعات المحلية، وأشارت المؤسسة الألمانية إلى أن المهاجرين في دول مثل لوكسمبورج والدنمارك ولاتفيا وجمهورية التشيك يمتلكون فرصا أكبر للحصول على شهادات جامعية مقارنة بالمواطنين المحليين.

وفي المقابل، أكدت بيانات المفوضية الأوروبية أن عددا من الدول الأعضاء لا يزال يواجه تحديات تتعلق بدمج المهاجرين داخل أنظمة التعليم وسوق العمل، خاصة في ما يتعلق بالاعتراف بالشهادات الأجنبية وتعزيز فرص التدريب والتأهيل المهني.

الهجرة وسوق العمل

وتأتي هذه النتائج في وقت يواصل فيه الاتحاد الأوروبي تنفيذ إصلاحات جديدة تتعلق بسياسات الهجرة واللجوء، بهدف الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية وتشديد الرقابة على الحدود الخارجية للاتحاد.

وفي الوقت نفسه، أكدت المفوضية الأوروبية في تقارير سوق العمل لعام 2025 أن دولا أوروبية عدة تواجه نقصا متزايدا في العمالة الماهرة نتيجة انخفاض معدلات الولادة وارتفاع نسبة الشيخوخة، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والرعاية الصحية والهندسة والخدمات.

كما أوضح مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني أن ألمانيا تحتاج خلال السنوات المقبلة إلى مئات الآلاف من العمال المهرة سنويا للحفاظ على استقرار سوق العمل وتعويض النقص الناتج عن التغيرات الديموغرافية، وهو ما دفع الحكومة الألمانية إلى تسهيل قوانين استقدام العمالة الأجنبية المؤهلة.

تحديات الاعتراف بالمؤهلات

وأكدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن عددا كبيرا من المهاجرين الحاصلين على شهادات جامعية داخل أوروبا يعملون في وظائف تقل عن مستوياتهم التعليمية بسبب صعوبات الاعتراف بالمؤهلات الأجنبية أو تحديات اللغة ومتطلبات التوظيف المحلية.

وأشارت وكالة الاتحاد الأوروبي للحقوق الأساسية إلى أن المهاجرين يواجهون في بعض الدول الأوروبية عقبات مرتبطة بالاندماج المهني والاجتماعي، رغم ارتفاع مستويات التعليم بين فئات واسعة منهم.

كما شددت منظمة العمل الدولية على أن الاستثمار في تعليم المهاجرين والتدريب اللغوي والمهني يسهم في تعزيز الاندماج وتقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية داخل المجتمعات الأوروبية.

جدل سياسي متواصل

وتواصل قضية الهجرة فرض نفسها كواحدة من أكثر القضايا حساسية داخل المشهد السياسي الأوروبي، خاصة مع صعود أحزاب يمينية وشعبوية تتبنى مواقف متشددة تجاه الهجرة واللجوء.

وأكد البرلمان الأوروبي في تقارير سابقة أن التحدي الرئيسي أمام دول الاتحاد يتمثل في تحقيق توازن بين حماية الحدود الخارجية والاستجابة للاحتياجات الاقتصادية والديموغرافية المتزايدة داخل سوق العمل الأوروبي.

كما أوضح مركز السياسات الأوروبية في بروكسل أن الاقتصادات الأوروبية تواجه ضغوطا متزايدة بسبب تراجع أعداد السكان في سن العمل، ما يدفع العديد من الحكومات إلى إعادة تقييم سياسات الهجرة القانونية واستقطاب الكفاءات الأجنبية.

وتشهد أوروبا منذ سنوات تحولات ديموغرافية واقتصادية دفعت العديد من الحكومات إلى إعادة النظر في سياسات الهجرة والعمالة، ووفقا لبيانات المفوضية الأوروبية، تعاني عدة دول من تراجع أعداد السكان في سن العمل وارتفاع نسبة كبار السن، ما أدى إلى زيادة الطلب على العمالة الماهرة في قطاعات حيوية، وفي المقابل، تستمر الهجرة في إثارة جدل سياسي واسع داخل الاتحاد الأوروبي، بين اتجاه يدعو إلى تشديد الرقابة على الحدود وتقليص الهجرة غير النظامية، وآخر يركز على أهمية الهجرة القانونية في دعم الاقتصادات الأوروبية وتعويض النقص في سوق العمل، وخلال السنوات الأخيرة، اتجهت عدة دول أوروبية، من بينها ألمانيا، إلى تعديل قوانين الهجرة والعمل بهدف تسهيل استقطاب العمالة الأجنبية المؤهلة، بالتوازي مع تعزيز برامج الاندماج والتعليم والتدريب المهني للمهاجرين.