يمثل ملف الكرد الفيليين واحدًا من أبرز ملفات العدالة الانتقالية في العراق، بعدما تعرض هذا المكون خلال عقود سابقة لانتهاكات واسعة شملت إسقاط الجنسية، والتهجير القسري، ومصادرة الممتلكات، والاعتقال، والاختفاء القسري لآلاف الأشخاص.
وتشير بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق “يونامي” إلى أن قضية إعادة الجنسية للكرد الفيليين ظلت مطروحة ضمن التزامات العراق بموجب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، خاصة بعد فقدان عدد منهم جنسيتهم خلال ثمانينيات القرن الماضي.
بدأت واحدة من أقسى مراحل معاناة الفيليين مع قرارات النظام العراقي السابق التي جردت أعدادًا كبيرة منهم من الجنسية، ودفعت بمئات الآلاف إلى التهجير القسري نحو إيران، مع مصادرة الممتلكات وفصل عائلات كاملة عن أبنائها.
وتذكر حكومة إقليم كردستان في عرضها التوثيقي لذكرى الانتهاكات الفيلية أن ما بين 300 ألف و500 ألف من الكرد الفيليين تعرضوا للطرد القسري، وأن ما لا يقل عن 25 ألفًا لا يزال مصيرهم مجهولًا.
جنسية مسلوبة
ترتبط مأساة الكرد الفيليين بشكل خاص بقرار إسقاط الجنسية، الذي حول آلاف العائلات من مواطنين عراقيين إلى أشخاص بلا حماية قانونية كاملة، وهو ما انعكس على حقهم في الإقامة، والعمل، والتملك، والتعليم، والوثائق الرسمية.
ونشرت منظمة اللاجئين الدولية تقريرًا بعنوان “الكرد الفيليون في العراق: ثلاثون عامًا بلا جنسية”، أوضحت فيه أن القرار رقم 666 لعام 1980 جرد الفيليين من الجنسية العراقية، وترافق مع مصادرة ممتلكاتهم من قبل السلطات.
ويبقى ملف المفقودين من أكثر القضايا الإنسانية إيلامًا، إذ لا تزال عائلات كثيرة تبحث عن مصير أبنائها الذين اختفوا خلال حملات الاعتقال والترحيل، خصوصًا الشباب الذين فصلوا عن أسرهم ولم يعودوا حتى اليوم.
وتؤكد اللجنة الدولية لشؤون المفقودين ICMP، في تقاريرها عن العراق، أن ملف المفقودين في البلاد تحكمه شبكة معقدة من القوانين والمؤسسات، وأن العائلات تحتاج إلى مسار واضح يضمن حقها في معرفة الحقيقة والإنصاف.
اعتراف رسمي
بعد عام 2003، بدأت خطوات رسمية للاعتراف بالمظلومية التاريخية للكرد الفيليين، وجرى التعامل مع قضيتهم ضمن ملفات ضحايا النظام السابق والعدالة الانتقالية، خاصة فيما يتعلق بالجنسية والممتلكات والمفقودين.
كما تؤكد مصادر توثيقية كردية وعراقية أن البرلمان العراقي اعترف بما تعرض له الفيليون باعتباره إبادة جماعية، وهو اعتراف مهم لكنه لا يكفي وحده ما لم يتبعه تنفيذ عملي لملفات الحقوق والتعويضات وكشف المصير.
رغم الاعتراف الرسمي، لا تزال عائلات فيلية تواجه صعوبات إدارية وقانونية عند محاولة استعادة الوثائق أو تثبيت الجنسية أو استرداد الممتلكات، خصوصًا بالنسبة للعائدين من التهجير أو أبناء العائلات التي فقدت أوراقها خلال الترحيل.
وتشير يونامي إلى أهمية تسريع إعادة الجنسية لمن فقدوها، باعتبار ذلك خطوة أساسية لمعالجة آثار التمييز التاريخي وضمان المساواة في الحقوق المدنية والقانونية.
حقوق وممتلكات
لا تقتصر مطالب الكرد الفيليين على استعادة الجنسية فقط، بل تشمل إعادة الممتلكات المصادرة أو تعويض أصحابها، والكشف عن مصير المختفين، وجبر الضرر المادي والمعنوي للعائلات التي عانت من التهجير والحرمان.
وتوضح منظمة اللاجئين الدولية أن مصادرة الممتلكات كانت جزءًا من سياسة أوسع هدفت إلى تجريد الفيليين من وسائل الحماية والاستقرار، ما جعل آثار التهجير تمتد إلى الأجيال اللاحقة.
وإلى جانب الأبعاد القانونية والإنسانية، يواجه الكرد الفيليون تحديًا ثقافيًا يتعلق بالحفاظ على اللغة والذاكرة والتراث، بعد عقود من التهجير والتشتت ومحاولات الإقصاء.
فالحفاظ على اللهجة الفيلية والتراث الشعبي والعادات الاجتماعية لا يمثل مجرد شأن ثقافي، بل جزءًا من الحق في الهوية والذاكرة الجماعية، خصوصًا لمكون تعرض لمحاولات محو وانقطاع قسري عن أرضه وبيئته الاجتماعية.
عدالة مؤجلة
تؤكد منظمات مثل يونامي واللجنة الدولية لشؤون المفقودين ومنظمة اللاجئين الدولية أن معالجة آثار الانتهاكات لا يمكن أن تكتمل من دون مسار شامل يشمل إعادة الحقوق القانونية، وكشف مصير المفقودين، وتعويض الضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.
وبذلك تبقى قضية الكرد الفيليين اختبارًا مهمًا لمسار العدالة الانتقالية في العراق؛ فالإقرار بالمظلومية خطوة ضرورية، لكنه لا يتحول إلى إنصاف حقيقي إلا حين تشعر العائلات بأن الجنسية عادت، والممتلكات عولجت، والمفقودين كُشف مصيرهم، والذاكرة أُدرجت في التاريخ الرسمي للبلاد.
