منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الحق في البذور.. تحذير أممي من احتكار الموارد الزراعية وتهديد حقوق الفلاحين في مواجهة تغير المناخ

16 سبتمبر 2026
رئيسة الفريق العامل المعني بحقوق الفلاحين والعمل شالمالي غوتال
رئيسة الفريق العامل المعني بحقوق الفلاحين والعمل شالمالي غوتال

حذّر الفريق العامل المعني بحقوق الفلاحين والعمل الآخرين في المناطق الريفية من تنامي الضغوط التي تواجه أنظمة البذور التقليدية حول العالم، معتبرًا أن السيطرة المتزايدة على البذور وتحويلها من مورد مجتمعي متوارث إلى سلعة تجارية خاضعة للخصخصة والاحتكار، يهدد التنوع البيولوجي والأمن الغذائي وسبل عيش ملايين الفلاحين، ولا سيما صغار المزارعين والنساء الريفيات والمجتمعات التي تعتمد على المعارف التقليدية في إنتاج الغذاء.

وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الحوار التفاعلي مع الفريق العامل المعني بحقوق الفلاحين والعمل الآخرين في المناطق الريفية، حيث عرضت رئيسة الفريق العامل، شالمالي غوتال، التقرير المتعلق بالحق في البذور، إلى جانب نتائج زيارة الفريق إلى غانا في مايو 2026، وسط دعوات من دول ومنظمات دولية إلى حماية حق الفلاحين في حفظ البذور واستخدامها وتبادلها وبيعها، وضمان ألا تتحول قوانين الملكية الفكرية ومعايير اعتماد الأصناف الزراعية إلى أدوات لتقييد الممارسات التقليدية.

وقالت غوتال إن البذور ليست مجرد مدخل أساسي للعملية الزراعية، وإنما تمثل بداية كل وجبة، وذاكرة للحصاد، وأملًا للمستقبل، مشيرة إلى أنها إرث معيشي تطور عبر أجيال وتكيف مع التربة والنظم البيئية والمناخ. واستند التقرير إلى مساهمات قدمتها دول وفلاحون وشعوب أصلية وباحثون ومنظمات مجتمع مدني وخبراء من مناطق مختلفة من العالم، بهدف تقييم مدى كفاية الأطر القانونية الوطنية والدولية في حماية الحق في البذور.

وأوضحت رئيسة الفريق العامل أن إدارة البذور تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة، هي الوصاية، ومظاهر الاحتكار، وسبل المقاومة، مشيرة إلى أن النظم التقليدية لا تزال تؤدي دورًا واسعًا في حفظ الموارد الوراثية، إذ تصل مساهمتها في بعض مناطق إفريقيا وآسيا إلى نحو 90% من أنظمة البذور.

وترى غوتال أن هذه النظم تمثل قاعدة أساسية للتنوع الجيني وقدرة المجتمعات الزراعية على مواجهة تغير المناخ والأزمات الغذائية، إلا أن تنفيذ الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الفلاحين لا يزال متفاوتًا، بما في ذلك ما يرتبط بالوصول إلى الموارد والتمويل المنصوص عليهما في المعاهدة الدولية بشأن الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة.

وفي المقابل، رصد التقرير تنامي ما وصفه بمظاهر الاحتكار، مع الاتجاه المتزايد إلى التعامل مع البذور باعتبارها سلعة تجارية خاضعة للخصخصة وحقوق الملكية الفكرية، إلى جانب فرض قيود قانونية على ممارسات ظلت جزءًا من حياة المجتمعات الزراعية لقرون، بما في ذلك حفظ البذور وإعادة استخدامها وتبادلها.

وأشارت غوتال إلى أن بعض التشريعات تصل إلى تجريم هذه الممارسات وفرض عقوبات بالسجن، فيما تؤدي براءات الاختراع المرتبطة بالمتواليات الجينية إلى تعقيد المشهد بصورة أكبر، بما قد يضيّق نطاق التنوع البيولوجي ويزيد اعتماد الفلاحين على عدد محدود من الأصناف التجارية.

ولفتت إلى أن العالم فقد نحو ثلاثة أرباع تنوعه الجيني خلال القرن العشرين، بالتزامن مع تزايد الاعتماد على عدد محدود من الأصناف التجارية التي تسيطر عليها أربع شركات عالمية، بحسب ما عرضه التقرير، محذرة من أن هذا التركيز لا يرتبط فقط بمسألة اقتصادية، وإنما يمتد إلى الأمن الغذائي والاستقلال الزراعي وقدرة المجتمعات على التكيف مع التغيرات المناخية.

كما وثق التقرير حالات تلوث وراثي طالت أصنافًا من القطن والذرة نتيجة وجود مواد جينية غير مأذون بها، فضلًا عن وصول بعض النزاعات إلى المحاكم في قضايا واجه فيها مزارعون إجراءات قانونية بسبب وجود مواد وراثية لم يكونوا على علم بوجودها.

وفي مواجهة هذه الضغوط، رصد الفريق العامل أشكالًا متعددة من المقاومة المجتمعية، بينها إنشاء بنوك البذور المحلية والشبكات التشاركية، إلى جانب ظهور اتجاهات قضائية تعترف بحقوق الفلاحين في إدارة الموارد الزراعية وحماية ممارساتهم التقليدية.

وأشار التقرير إلى تجارب في عدد من الدول، من بينها القانون النموذجي الإفريقي الذي يجري تطبيقه من خلال بروتوكول أروشا، والقانون الهندي الخاص بحماية أصناف النباتات وحقوق الفلاحين، والذي يعترف بحقوقهم في حفظ البذور واستخدامها وبيعها وتبادلها.

كما استشهد الفريق العامل بحكم صادر عن المحكمة العليا في هندوراس عام 2021 اعتبر قانونًا لحماية الأصناف النباتية غير دستوري، مستندًا في ذلك إلى المادة التاسعة عشرة من إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الفلاحين، إلى جانب حكم قضائي في كينيا أكد أن بعض ممارسات الفلاحين تحظى بالحماية الدستورية.

ودعا الفريق العامل الدول إلى الاعتراف قانونيًا بحقوق الفلاحين في حفظ واستخدام وتبادل وبيع مواد نشر البذور، وضمان ألا تؤدي القوانين إلى تجريم النظم التقليدية، مع توفير حماية خاصة للنساء الريفيات من خلال ضمان حقوقهن في حيازة الأراضي والمشاركة المتساوية في القرارات المتعلقة بإدارة البذور.

كما أوصى باعتماد تشريعات لمكافحة القرصنة الإحيائية، بما في ذلك الكشف الإلزامي عن مصادر الموارد الجينية، لضمان عدم استخدام تلك الموارد للتحايل على الالتزامات القانونية، فضلًا عن إخضاع التقنيات الجينومية لإجراءات التقييم والتتبع ووضع العلامات.

وشملت التوصيات أيضًا دعم بنوك البذور، والاعتراف بأهمية بذور الفلاحين في أوقات النزاعات المسلحة والاحتلال والأزمات، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في بقاء السكان والحفاظ على قدرتهم على إنتاج الغذاء.

غانا.. فجوة بين التشريع والتنفيذ

وفي الجزء الخاص بزيارة غانا، قال الفريق العامل إن البلاد تمثل حالة يمكن الاستفادة منها في دراسة واقع حقوق السكان الريفيين، مشيرًا إلى تعاون الحكومة والمجتمعات المحلية والفلاحين والصيادين ومنظمات المجتمع المدني مع بعثة الفريق التي أجريت خلال الفترة من 5 إلى 10 مايو 2026.

ورصد التقرير تقدمًا على المستوى التشريعي والسياساتي، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى وجود فجوة في التنفيذ تؤثر بصورة مباشرة على صغار المزارعين والصيادين، الذين يسهمون في توفير نحو 80% من الإمداد الغذائي المحلي في غانا.

وحدد الفريق العامل ثلاث قضايا رئيسية، أولها نظام الأراضي، الذي قال إنه يترك بعض الفلاحين عرضة لخطر نزع الملكية، مع تأثير أكبر على النساء والشباب والمزارعين الأكثر هشاشة.

أما القضية الثانية فتتعلق بالتعدين غير القانوني للذهب، الذي وصفه الفريق العامل بأنه يمثل حالة طوارئ بيئية في البلاد، لما يتركه من آثار على الأراضي والمياه وسبل عيش المجتمعات الريفية.

وتتمثل القضية الثالثة في الضغوط التي تواجه أنظمة البذور في غانا نتيجة إجراءات اعتماد الأصناف والإصلاحات التي تميل إلى تفضيل الأصناف التجارية، حيث أبدى الفريق العامل قلقه من قانون صدر عام 2020، وكذلك من إطلاق سلع أساسية مرتبطة باللوبيا في عام 2024، في سياق قال إنه لم يشهد تشاورًا مجتمعيًا كافيًا.

في المقابل، أقرت الحكومة الغانية بأهمية الملاحظات الواردة في التقرير، وأكدت أن أصحاب الحيازات الصغيرة والرعاة والعاملين في الزراعة يمثلون عنصرًا أساسيًا في الأمن الغذائي والعمالة وسبل المعيشة والتنمية الوطنية.

وقالت غانا إن لديها إطارًا قانونيًا وسياسيًا شاملًا لحماية حقوق المجتمعات الريفية، لكنها أقرت بأن التحدي الرئيسي يتمثل في ضمان التنفيذ الفعال لهذه الأطر وترجمتها إلى نتائج ملموسة على مستوى المجتمعات.

وأكدت الحكومة أن أولوياتها التنموية تركز على تحسين سبل المعيشة الريفية وزيادة الإنتاج الزراعي والإنتاجية وتحقيق الأمن الغذائي، مع معالجة مشكلات إدارة المحاصيل والوصول إلى الأسواق.

وفي ملف الأراضي، أشارت إلى استمرار تنفيذ قانون الأراضي لعام 2020، إلى جانب إجراءات تهدف إلى تعزيز إدارة الأراضي العرفية وزيادة الشفافية والمساءلة، وضمان مراعاة مصالح صغار المزارعين وغيرهم من سكان المناطق الريفية.

كما أقرت غانا بالمخاطر التي يمثلها التعدين غير القانوني للذهب، موضحة أن الحكومة كثفت إجراءاتها لمواجهته وحماية المجاري المائية وإنفاذ القواعد البيئية وإعادة تأهيل الأراضي المتدهورة.

وأكدت أيضًا العمل على تعزيز مشاركة النساء الريفيات وتمثيلهن في الحياة الاقتصادية والعامة، إلى جانب جهود لإدارة التنافس على الأراضي والموارد الطبيعية، خصوصًا بين المجتمعات الزراعية والرعوية، بما يعزز التعايش السلمي والاستدامة.

الدول.. البذور بين الأمن الغذائي والسيادة

وخلال الحوار، أكد الاتحاد الأوروبي أن الفلاحين والعمال الريفيين ليسوا مجرد أطراف تتم استشارتها، بل أصحاب حقوق ينبغي أن تكون لهم مشاركة فعالة في صياغة أنظمة البذور والسياسات التي تحكمها، مع ضمان اليقين القانوني وإتاحة سبل الانتصاف عندما تتأثر حقوقهم.

وأشار إلى تعاون دولي بقيمة 335 مليون يهدف إلى دعم التنمية الزراعية الذكية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، بما يتضمن أبحاثًا مرتبطة بقوانين البذور ودعم حق المزارعين في حفظ البذور وإعادة استخدامها وتبادلها وبيعها.

ومن جانبها، أكدت المجموعة الإفريقية، التي تحدثت باسمها كينيا، أن البذور ترتبط بالأمن الغذائي والسيادة الغذائية والتنوع البيولوجي والمعرفة التقليدية وقدرة المجتمعات الريفية على مواجهة تغير المناخ.

وشددت المجموعة على ضرورة تحقيق توازن بين دعم الابتكار الزراعي والبحث العلمي من جهة، وحماية حقوق الفلاحين والمعرفة التقليدية ونظم البذور المحلية من جهة أخرى.

أما منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، فأكدت أن الموارد الوراثية النباتية للأغذية والزراعة تمثل أساسًا للأمن الغذائي والتغذية والقدرة على الصمود، وتدعم التقدم التدريجي نحو إعمال الحق في الغذاء الملائم.

وأوضحت المنظمة أنها تعمل مع الدول من خلال التوجيه الفني والبيانات وبناء القدرات والمساعدة في السياسات، بما يدعم الحفاظ على الموارد الوراثية النباتية واستخدامها المستدام، وتعزيز نظم بذور الفلاحين والزراعة القادرة على الصمود أمام تغير المناخ.

وأكدت الفاو أهمية دور النساء المزارعات والرعاة في حفظ المعرفة التقليدية وانتقاء البذور والحفاظ عليها وتبادلها، في سياق الاهتمام الدولي المتزايد بالزراعة الأسرية ودور المجتمعات الريفية.

وفي إفريقيا، عرضت دول عدة تجاربها الوطنية. فأشارت كوت ديفوار إلى أن أكثر من 70% من بذورها تأتي من أنظمة تقليدية، تلعب النساء دورًا محوريًا في الحفاظ عليها، محذرة من تأثير التسويق المتزايد وتركيز الأسواق وحقوق الملكية الفكرية على هذه الممارسات.

أما بوركينا فاسو، فأشارت إلى التحديات الناجمة عن النزوح والهجمات المسلحة وتغير المناخ، مؤكدة إنشاء بنك وطني للجينات منذ عام 2025 لحفظ البذور المحلية والأصناف التقليدية.

وفي غامبيا، ركزت الحكومة على إتاحة بذور متنوعة وذات جودة وبأسعار مناسبة، مشيرة إلى برامج وطنية لجمع البذور وتوزيعها وتعزيز سلاسل الإمداد.

بينما شددت بنين على أهمية الأمن العقاري الريفي لحماية المزارعين، خصوصًا النساء والشباب، من الاستحواذ على الأراضي، وربطت حماية حقوق الفلاحين بإعمال الحق في الغذاء والتنمية المستدامة.

وفي آسيا، عرضت تايلاند تجربتها في الحفاظ على الموارد الوراثية النباتية من خلال بنك وطني للجينات وبرامج بحثية، فيما طرحت سؤالًا حول الدور الذي يمكن أن يؤديه الذكاء الاصطناعي في تعزيز قدرة نظم البذور على الصمود، مع حماية المعرفة التقليدية وحقوق الفلاحين.

كما أكدت زامبيا أن تنوع مصادر البذور يمثل عنصرًا من عناصر الاستقلال الزراعي، خصوصًا في ظل تغير المناخ، داعية إلى التوفيق بين البحث العلمي والابتكار وحماية أصناف المزارعين.

حق الفلاحين.. في مواجهة تغير المناخ

وتقاطعت مداخلات الدول والمنظمات خلال الحوار حول حقيقة أساسية، وهي أن النقاش بشأن البذور يتجاوز حدود الزراعة والتجارة إلى قضايا الحق في الغذاء والتنوع البيولوجي والمعرفة التقليدية والسيادة الغذائية وسبل المعيشة.

وبالنسبة للفريق العامل، فإن حماية البذور المحلية لا تعني رفض البحث العلمي أو الابتكار أو حقوق الملكية الفكرية، وإنما تستلزم وضع هذه المنظومة ضمن إطار يضمن عدم إقصاء الفلاحين أو تجريم ممارساتهم التاريخية، وعدم تحويل الموارد التي طورتها المجتمعات عبر أجيال إلى أدوات تزيد تبعيتها للمنتجات التجارية.

وأكدت غوتال أن حماية حقوق الفلاحين تتطلب أيضًا إشراكهم بصورة حقيقية في القرارات المتعلقة بالتشريعات والسياسات والبحوث، مع ضمان مشاركة النساء الريفيات بصورة متساوية، وحماية المجتمعات المتضررة من النزاعات والأزمات البيئية والمناخية.

وبينما تتزايد الضغوط على الزراعة العالمية بسبب تغير المناخ وتدهور الأراضي وفقدان التنوع البيولوجي، يضع التقرير مسألة البذور في قلب النقاش حول مستقبل الأمن الغذائي، معتبرًا أن الحفاظ على التنوع لا يمثل فقط حماية لموروث زراعي، وإنما وسيلة للحفاظ على قدرة المجتمعات على إنتاج غذائها والتكيف مع الأزمات.

وفي ختام الحوار، أكدت مداخلات الدول والمنظمات أهمية استمرار التعاون الدولي، وتبادل الخبرات، ودعم الدول النامية في بناء أنظمة بذور عادلة ومستدامة، بما يضمن التوفيق بين الابتكار الزراعي وحماية حقوق الفلاحين والمعرفة التي راكمتها المجتمعات الريفية عبر أجيال.

ويبقى التحدي الأساسي، وفق ما عكسته المناقشات، في تحويل الاعتراف الدولي بحق الفلاحين في البذور من نصوص ومبادئ إلى حماية قانونية وممارسات فعلية، تضمن للمزارع القدرة على حفظ بذوره واستخدامها وتبادلها، وتحافظ في الوقت ذاته على التنوع البيولوجي والأمن الغذائي وحقوق الأجيال المقبلة.