منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

قاعدة أممية تكشف ارتباط 214 مؤسسة بأنشطة المستوطنات الإسرائيلية في فلسطين

29 سبتمبر 2026
جانب من جلسة عرض تقرير حقوق الإنسان بشأن آثار المستوطنات الإسرائيلية على حقوق الفلسطينيين.
جانب من جلسة عرض تقرير حقوق الإنسان بشأن آثار المستوطنات الإسرائيلية على حقوق الفلسطينيين.

كشفت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عن تحديث جديد لقاعدة بيانات مؤسسات الأعمال المشاركة في أنشطة مرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، مشيرة إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن 61 مؤسسة أعمال إضافية شاركت في واحد أو أكثر من الأنشطة التي حددتها الولاية الأممية، ليرتفع العدد الإجمالي للمؤسسات المدرجة إلى 214 مؤسسة في 11 دولة.

وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الاجتماع الحادي والثلاثين للمجلس، في إطار عرض تقرير المفوض السامي لحقوق الإنسان بشأن تحديث قاعدة بيانات جميع مؤسسات الأعمال المشاركة في الأنشطة الواردة في الفقرة 96 من تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن آثار المستوطنات الإسرائيلية على الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للشعب الفلسطيني في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.

وقدّمت آوا دابو، خبيرة حقوق الإنسان من غامبيا ونائبة مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، تفاصيل التحديث الجديد، موضحة أن مجلس حقوق الإنسان كلّف المفوض السامي بإنشاء وتحديث قاعدة بيانات للمؤسسات التي تشارك في نشاط واحد أو أكثر من الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية، على أن يتم تنفيذ هذه المهمة بالتشاور مع الفريق العامل المعني بحقوق الإنسان والشركات عبر الوطنية وغيرها من مؤسسات الأعمال. وأشارت إلى أن تاريخ القطع للفترة التي يغطيها التحديث الحالي هو 15 أبريل 2026.

وقالت دابو إن المفوضية واصلت تنفيذ ولايتها وفقا لمبادئ الاستقلال والحياد والموضوعية والمصداقية والمهنية، مستندة إلى المبادئ التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان. وأوضحت أن قاعدة البيانات تمثل تقييما واقعيا لمشاركة مؤسسات الأعمال في التأثير السلبي على الحق في تقرير المصير، استنادا إلى مجمل الأدلة المتاحة لدى مكتب المفوض السامي.

وبحسب العرض الأممي، تلقى مكتب المفوض السامي في مايو 2024 نحو 733 إفادة تتضمن ادعاءات بشأن احتمال مشاركة 596 مؤسسة أعمال في الأنشطة المدرجة، فيما شمل تحديث العام السابق تقييم 215 مؤسسة.. أما التحديث الحالي فتناول 126 مؤسسة إضافية، بينما ظلت 255 مؤسسة أخرى قيد التقييم.

ومن بين المؤسسات الـ126 التي جرى تقييمها، خلص المكتب إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن 61 منها شاركت في نشاط واحد أو أكثر من الأنشطة التي تدخل في نطاق الولاية، ليرتفع العدد الإجمالي للمؤسسات المدرجة إلى 214 مؤسسة في 11 دولة.

ولا تكتفي قاعدة البيانات بتسجيل أسماء المؤسسات، وإنما تحدد أيضا طبيعة مشاركتها، استنادا إلى إطار المشاركة الوارد في المبادئ التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان. ويشمل هذا الإطار حالات التسبب في التأثيرات السلبية على حقوق الإنسان، أو المساهمة فيها، أو وجود صلة مباشرة بها، بما يوفر، وفقا للمفوضية، أداة يمكن للشركات وأصحاب المصلحة استخدامها لفهم مسؤوليات المؤسسات والإجراءات المطلوبة منها بموجب المعايير الدولية.

وفي المقابل، أكدت المفوضية أن إدراج مؤسسة في قاعدة البيانات ليس قرارا غير قابل للمراجعة؛ إذ يمكن إزالة أي مؤسسة إذا ظهرت معلومات موثوقة تثبت أنها لم تعد تشارك في الأنشطة التي أدت إلى إدراجها. وخلال الفترة المشمولة بالتقرير، تلقى المكتب طلبات لإعادة تقييم وضع ثماني مؤسسات، وانتهى إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن خمس مؤسسات منها لم تعد تشارك في الأنشطة المدرجة، فتم حذفها من قاعدة البيانات، كما أعيد إدراج مؤسسة سبق أن أزيل اسمها في تحديث عام 2025 بعد ظهور معلومات جديدة بشأن مشاركتها.

وأكدت دابو أن مكتب المفوض السامي يواصل إتاحة قاعدة البيانات على موقعه الإلكتروني، إلى جانب نشر المراسلات الواردة من الشركات التي تطلب إتاحة ردودها على إدراجها للجمهور. كما أشارت إلى استمرار التواصل مع الدول ومؤسسات الأعمال وأصحاب المصلحة، موضحة أن المكتب تواصل منذ عرض التقرير السابق مع 14 دولة عضوا، وسلطتين دون وطنيتين، و43 مؤسسة أعمال، و27 من أصحاب المصلحة الآخرين.

جانب من جلسة عرض تقرير حقوق الإنسان بشأن آثار المستوطنات الإسرائيلية على حقوق الفلسطينيين.

فلسطين: قاعدة البيانات أداة للمساءلة

وخلال المناقشة، رحّبت فلسطين بتحديث قاعدة البيانات، معتبرة أن إضافة 61 مؤسسة أعمال جديدة تعكس أهمية تطبيق المبادئ التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان. ودعت المؤسسات التي لها علاقات مع شركات مدرجة إلى مراجعة طبيعة هذه العلاقات ومدى اتصالها بالأنشطة المرتبطة بالمستوطنات.

وأشارت المداخلة الفلسطينية إلى أن العدد الإجمالي للمؤسسات المدرجة بلغ 214 مؤسسة، وأن عددا منها شركات إسرائيلية لها علاقات بمؤسسات في دول أخرى، معتبرة أن مسؤولية الشركات لا تقتصر على نشاطها المباشر، وإنما تمتد إلى تقييم علاقاتها التجارية عندما تكون مرتبطة بأنشطة تؤثر في حقوق الإنسان.

كما دعت فلسطين إلى استمرار تحديث قاعدة البيانات بصورة دورية، معتبرة أن نشرها يمثل إحدى أدوات الضغط لإنهاء الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات، وربطت ذلك بالحق في تقرير المصير وبالقانون الدولي وقرارات محكمة العدل الدولية.

وتناولت المداخلة الفلسطينية الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القيود على وصول المساعدات، وتدهور أوضاع السكن والإيواء، وعنف المستوطنين، والقيود المفروضة على الحركة، مشيرة إلى أن هذه الممارسات تؤثر بصورة مباشرة على حياة المدنيين وحقوقهم الأساسية.

مواقف عربية ودولية متقاطعة

وخلال النقاش، اتسعت دائرة المواقف التي ربطت بين أنشطة المستوطنات ومسؤولية الدول ومؤسسات الأعمال بموجب القانون الدولي. فقد رحبت حركة عدم الانحياز بتحديث قاعدة البيانات، ودعت الشركات إلى ضمان ألا تسهم علاقاتها التجارية في الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات أو تستفيد منها.

كما أعرب مجلس التعاون لدول الخليج العربية، في بيان ألقته البحرين، عن رفضه لتوسيع المستوطنات ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والاستيلاء على الممتلكات، ودعا إلى وقف إطلاق النار في غزة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ورفض أي محاولة لتهجير الفلسطينيين.

وأكدت المجموعة الإفريقية أن استمرار الاستيطان وعنف المستوطنين والتدابير الرامية إلى تغيير الطابع القانوني والديموغرافي للأراضي الفلسطينية يمثل مصدر قلق بالغ، داعية إلى حماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

أما المجموعة العربية، التي تحدث باسمها العراق، فرحّبت بتحديث قاعدة البيانات، وشددت على ضرورة توفير الموارد اللازمة لتنفيذ الولاية الأممية. وأكدت أن الدول مطالبة بعدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناجم عن الاحتلال أو الإسهام فيه، بما في ذلك من خلال العلاقات الاقتصادية والتجارية.

مصر: المستوطنات جزء من نمط أوسع

وفي مداخلتها، ربطت مصر بين الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة ولبنان وسوريا، معتبرة أنها ليست حوادث منفصلة، وإنما جزء من نهج قالت إنه يمثل انتهاكاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.

وأشارت مصر إلى استمرار حصار المساعدات في غزة، ومصادرة الأراضي وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض، معتبرة أن تقرير المفوض السامي بشأن مؤسسات الأعمال يكشف عن أوجه مرتبطة بتكريس الاحتلال. ودعت إلى اتخاذ تدابير ملموسة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية ودعم التعافي المبكر وإعادة الإعمار، مؤكدة رفض فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية ودعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.. كما أدانت الهجمات الإسرائيلية على لبنان وسوريا واحتلال الجولان السوري وأجزاء من لبنان.

وفي الاتجاه نفسه، دعت إندونيسيا الدول إلى عدم تقديم المساعدة أو العون في الحفاظ على الوضع الذي تعتبره غير قانوني، بما في ذلك من خلال التجارة والاستثمار، وربطت ذلك بمسؤولية الدول المضيفة عن ضمان عدم مشاركة الشركات الخاضعة لولايتها في انتهاكات حقوق الإنسان.

أما الصين فأعربت عن قلقها إزاء تدهور الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ودعت إلى تنفيذ وقف إطلاق النار وإحياء حل الدولتين، بينما أكدت الهند أهمية المساعدات الإنسانية وضرورة وصولها إلى غزة دون عوائق، مشيرة إلى مساهماتها في دعم الأونروا والمساعدات الطبية والتنموية للفلسطينيين.

المستوطنات ومسؤولية الشركات

ويكشف النقاش داخل مجلس حقوق الإنسان عن محور يتجاوز مسألة التوسع العمراني للمستوطنات إلى طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه الأنشطة الاقتصادية في استمرارها. فالمادة المعروضة أمام المجلس لا تنظر إلى المؤسسات باعتبارها كيانات منفصلة عن آثار أنشطتها، وإنما تبحث في ما إذا كانت مشاركتها تتسبب في آثار سلبية على حقوق الإنسان، أو تسهم فيها، أو ترتبط بها بصورة مباشرة.

وفي هذا السياق، أكدت البرازيل أهمية بذل الشركات العناية الواجبة لتجنب المساهمة في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بينما دعت جنوب إفريقيا إلى استخدام الأدوات القانونية المتاحة لتنفيذ الالتزامات الدولية، مؤكدة أن مسؤولية الشركات تشكل جزءا من النقاش حول إنهاء الاحتلال وضمان حق الفلسطينيين في تقرير المصير.

كما أكدت ماليزيا أن التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وعمليات الهدم وعنف المستوطنين تثير مخاوف متعلقة بالضم الفعلي للأراضي الفلسطينية، ودعت إلى إنهاء التوسع الاستيطاني وضمان المساءلة.

وفي السياق الأوروبي، أشارت فرنسا وإسبانيا وأيرلندا ولوكسمبورغ إلى المخاطر المرتبطة بالتوسع الاستيطاني على فرص إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، فيما أعلنت لوكسمبورغ استعدادها لاتخاذ تدابير وطنية تحظر واردات السلع القادمة من المستوطنات، بينما أشارت أيرلندا إلى بدء حظر استيراد السلع من المستوطنات في سبتمبر 2026، وفقا لما ورد في مداخلتها.

من التوثيق إلى المساءلة

وتظهر المداخلات التي شهدها المجلس أن قاعدة البيانات باتت محور نقاش أوسع بشأن العلاقة بين حقوق الإنسان والنشاط الاقتصادي في سياق الاحتلال والنزاعات المسلحة؛ فالمفوضية تقدم قاعدة البيانات باعتبارها نتيجة لعملية تقييم تستند إلى الأدلة والمنهجية المحددة، مع إتاحة إمكانية إعادة التقييم وحذف المؤسسات التي يثبت أنها لم تعد تشارك في الأنشطة ذات الصلة.

وفي المقابل، ركّزت وفود عديدة على ضرورة الانتقال من مجرد إدراج المؤسسات إلى اتخاذ إجراءات تحول دون استمرار مساهمتها في الأنشطة المرتبطة بالمستوطنات، سواء من خلال العناية الواجبة، أو التدابير التشريعية والتنظيمية، أو مراجعة العلاقات التجارية والاستثمارية.

ويضع هذا المسار مسألة مسؤولية الشركات في صلب النقاش الحقوقي المتعلق بالمستوطنات، إلى جانب مسؤولية الدول في احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي. كما يعكس تركيز عدد كبير من الوفود على أن الحق في تقرير المصير لا يرتبط فقط بالوضع السياسي، وإنما يتأثر أيضا بالأنشطة الاقتصادية التي قد تسهم في تغيير الواقع على الأرض.

وفي ختام المناقشات، برز توافق واسع بين عدد من الوفود على أهمية استمرار تحديث قاعدة البيانات وتوفير الموارد اللازمة لعمل المفوضية، مع اختلاف المواقف السياسية بشأن تفسير طبيعة الصراع والمسؤوليات المباشرة عنه. إلا أن النقطة المشتركة التي حضرت في مداخلات متعددة تمثلت في ضرورة احترام القانون الدولي، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ومساءلة الجهات التي يثبت ارتباطها بانتهاكات حقوق الإنسان.

وبذلك لم يقتصر النقاش في مجلس حقوق الإنسان على قائمة تضم 214 مؤسسة أعمال، بل تحول إلى بحث أوسع في حدود المسؤولية التي تقع على عاتق الشركات والدول عندما ترتبط الأنشطة الاقتصادية بأوضاع تؤثر في الحقوق الأساسية للسكان، وفي مقدمتها الحق في تقرير المصير، في وقت تستمر فيه المستوطنات وما يرتبط بها من أنشطة اقتصادية وسياسية في أن تكون أحد الملفات الرئيسية المطروحة أمام آليات حقوق الإنسان الدولية.