حذر خبراء ومسؤولون أمميون من أن القوالب النمطية القائمة على النوع الاجتماعي لم تعد مجرد أفكار أو مواقف اجتماعية عابرة، وإنما يمكن أن تتحول إلى أنظمة راسخة داخل القوانين والسياسات والمؤسسات، بما يعيد إنتاج التمييز ويحد من قدرة النساء والفتيات على الوصول المتكافئ إلى الحقوق والفرص والمشاركة في صنع القرار.
وأكد المتحدثون أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب الانتقال من معالجة السلوكيات الفردية إلى تفكيك الهياكل التي تمنح التحيز قوته واستمراره.
وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الاجتماع الحادي والثلاثين للمجلس، وفي إطار المناقشة السنوية بشأن إدماج منظور يراعي المساواة بين الجنسين في جميع أعمال مجلس حقوق الإنسان وآلياته، بموجب قرار المجلس 6/30، وتحت البند الثامن من جدول الأعمال المتعلق بمتابعة وتنفيذ إعلان وبرنامج عمل فيينا. وحمل موضوع حلقة النقاش هذا العام عنوان: «من القوالب النمطية القائمة على النوع الاجتماعي إلى التمييز الهيكلي، تعزيز استجابة مجلس حقوق الإنسان»، برئاسة رئيس المجلس السفير سيدهارتو ريزا سورياوديورو.
وفي افتتاح المناقشة، برزت القوالب النمطية باعتبارها أحد الجذور التي تقف خلف صور متعددة من التمييز ضد النساء والفتيات، بدءا من الأسرة والتعليم والعمل، وصولا إلى العدالة والسياسة والتكنولوجيا ومناطق النزاعات والأزمات. ولم تقتصر المداخلات على رصد آثار هذه القوالب، وإنما ركزت على مسؤولية المؤسسات والدول في تفكيكها وتحويل القواعد والسياسات التي تسمح باستمرارها.

آوا دابو: القوالب النمطية ليست أفكارا مجردة
وقالت آوا دابو، خبيرة حقوق الإنسان من غامبيا ونائبة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، إن القوالب النمطية القائمة على النوع الاجتماعي ليست أفكارا مجردة، وإنما تؤثر في الطريقة التي ينظر بها إلى النساء ويستمع إليهن ويحكم عليهن في الحياة اليومية، بما في ذلك داخل المؤسسات الرسمية.
وأشارت إلى تقديرات للأمم المتحدة تفيد بأن ما يقرب من تسعة من كل عشرة أشخاص حول العالم يحملون تحيزا واحدا على الأقل ضد النساء، معتبرة أن هذه النسبة تعكس اتساع نطاق المشكلة وعدم إمكانية التعامل معها باعتبارها هامشية أو غير مؤثرة.
وأوضحت أن الحكم على النساء على أساس نوعهن الاجتماعي، والتركيز على مظهرهن بدلا من عملهن، وتوقع إخفائهن لمشاعر عدم الارتياح، فضلا عن النكات والتحيزات الجنسية، كلها مظاهر يمكن أن تتحول مع الوقت إلى ممارسات اجتماعية طبيعية لا يلتفت إليها المجتمع رغم تأثيرها على الحقوق.
وضربت دابو أمثلة تبدأ من مرحلة الطفولة، حيث يمكن أن تتشكل الأدوار الاجتماعية مبكرا، مثل تكليف الفتيات بالأعمال المنزلية بينما ينشغل الفتيان بالتعليم. ووفقا لما أشارت إليه، تقضي الفتيات بين 10 و14 عاما وقتا يزيد بنحو 50% على الأعمال المنزلية مقارنة بالفتيان.
وقالت إن القوالب النمطية تصبح أكثر خطورة عندما تتجذر داخل المؤسسات والقوانين والممارسات اليومية، إذ يمكن أن تتخفى في صورة الأخلاق أو قيم الأسرة أو الأدوار الاجتماعية، بينما تقود عمليا إلى الإقصاء والعنف والحرمان من الفرص الاقتصادية والمشاركة في صنع القرار.
كما لفتت إلى أن تأثير هذه القوالب يتضاعف عندما تتقاطع مع أشكال أخرى من التمييز. وأشارت إلى النساء ذوات الإعاقة، والنساء من مجتمع الميم، والمهاجرات، باعتبارهن فئات قد يواجهن مستويات متعددة من التمييز في الوقت نفسه.
وفي مناطق النزاعات والأزمات، قالت دابو إن القوالب النمطية يمكن أن تؤثر في تحديد من يتم استهدافه وكيفية استهدافه، كما يمكن أن تؤدي إلى إسكات الضحايا ووصمهم وإضعاف التحقيقات وتعزيز الإفلات من العقاب. وأشارت إلى أن آليات التحقيق التابعة للأمم المتحدة وثقت استخدام العنف الجنسي والإذلال القائم على النوع الاجتماعي كوسائل لمعاقبة المجتمعات وإظهار القوة، بما في ذلك ضد الرجال والفتيان.
كما تناولت أثر القوالب النمطية على النساء المهاجرات، اللواتي قد يتم توجيههن إلى قطاعات العمل غير الرسمي، بما يزيد من تعرضهن للاستغلال والانتهاك. ولفتت إلى أن التصورات النمطية بشأن الرجال باعتبارهم أرباب الأسر وصناع القرار الاقتصاديين يمكن أن تحد بدورها من وصول النساء إلى الأراضي والائتمان والتكنولوجيا، وتزيد تعرضهن للتحديات الاقتصادية والمناخية.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.. مجال جديد لإعادة إنتاج التحيز
وحذرت دابو من أن التكنولوجيا يمكن أن تصبح أداة لإعادة إنتاج القوالب النمطية إذا لم تشارك النساء بصورة متساوية في تصميم التقنيات الجديدة.
وأشارت إلى أن التحيز البشري يمكن أن ينتقل إلى الخوارزميات، بينما يمكن للمنصات الرقمية أن تسهم في تضخيم المحتوى المعادي للنساء. واستشهدت بدراسة وجدت أن حسابات لشبان على منصتي «تيك توك» و«يوتيوب شورتس» بدأت تتلقى محتوى مرتبطا بما يعرف بـ«مجتمع الرجال» بعد فترة قصيرة من المشاهدة.
وأكدت أن التصدي لهذه الظاهرة يحتاج إلى استراتيجيات شاملة تشمل القوانين والتعليم والتدريب وأماكن العمل والتكنولوجيا ونظم العدالة، داعية إلى الاستثمار في تعزيز الأدوار المتساوية وتقاسم المسؤوليات وقيادة النساء.
وقالت إن إدماج حقوق الإنسان في التعليم والتدريب على مختلف المستويات والمهن يمكن أن يسهم في بناء ثقافة تقوم على الكرامة والاحترام، إلى جانب ضرورة اعتماد سياسات لا تتسامح مع التمييز القائم على الجنس.

هيئة الأمم المتحدة للمرأة: القوالب تتحول إلى تمييز هيكلي
من جانبها، قالت نيارادزاي غومبونزفاندا، نائبة الأمين العام للأمم المتحدة والنائبة التنفيذية لمديرة هيئة الأمم المتحدة للمرأة، إن القوالب النمطية القائمة على النوع الاجتماعي تتحول إلى مشكلة حقوقية عندما تصبح متجذرة في القوانين والسياسات والمؤسسات وآليات صنع القرار.
وأوضحت أن القوالب النمطية لا تحدد فقط كيفية النظر إلى النساء، وإنما تؤثر في ما تتم حمايته، ومن يتم تقديره، ومن تتم معاقبته، ولمن يتم التفاوض على الحقوق، وهو ما يحولها من مواقف فردية إلى تمييز هيكلي.
وأكدت أن مواجهة المشكلة لا يمكن أن تقتصر على تغيير المواقف الفردية، وإنما تحتاج إلى تغيير القواعد والحوافز والهياكل التي تمنح هذه القوالب قدرتها على الاستمرار.
وأشارت إلى أن النساء لا يزلن، بعد ثلاثة عقود من منهاج عمل بكين، يتمتعن بنحو 67% فقط من الحقوق القانونية التي يتمتع بها الرجال، بينما يؤدين أعمال الرعاية غير المدفوعة الأجر بمقدار يزيد بنحو مرتين ونصف المرة.
وقالت إن المساواة الشكلية أمام القانون ليست كافية، لأن الظروف الاقتصادية والاجتماعية قد تمنع النساء عمليا من الاستفادة من الحقوق التي يكفلها القانون. فالمرأة لا تستطيع تجاوز القوالب المرتبطة بدورها الاقتصادي إذا كان القانون يقيد وصولها إلى العمل أو الأصول، والفتاة لا تستطيع تجاوز التوقعات المتعلقة بالرعاية إذا كانت مطالبة بترك المدرسة لرعاية أحد أفراد الأسرة.
ودعت إلى الانتقال من المساواة الشكلية إلى المساواة الموضوعية، وإلى تعزيز دور منظمات النساء والحركات النسوية والمدافعين عن حقوق الإنسان، باعتبارهم عوامل تغيير وليسوا مجرد مستفيدين من الإصلاحات.
وطالبت المجلس والدول باتخاذ خطوات عملية، من بينها القضاء على القوالب النمطية في القوانين والتعليل القضائي والسياسات العامة والممارسات المؤسسية، وإدماج تحليلها بصورة منهجية في الاستعراض الدوري الشامل والإجراءات الخاصة والتحقيقات وقرارات المجلس.
كما دعت إلى وضع آليات للتدريب والرقابة والشكاوى وسبل الانتصاف عندما تؤثر القوالب النمطية في قرارات القضاة والمدعين العامين والشرطة والعاملين في المجال الطبي وغيرهم من الموظفين العموميين.
وشددت كذلك على ضرورة تقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي والخوارزميات لرصد التحيز والنتائج التمييزية، وتوفير التمويل والحماية لمنظمات النساء والقيادات النسائية للمشاركة في تصميم الإصلاحات وتنفيذها ومراقبتها.

لجنة القضاء على التمييز: تفكيك البنية التي تنتج القوالب
بدورها، عرضت رودا ريدوك، عضوة لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة، العمل الجاري في إطار اللجنة على إعداد التوصية العامة رقم 41 بشأن تفكيك القوالب النمطية والتحيزات والوصم القائم على النوع الاجتماعي وعلاقات القوة التي تدعمها.
وأوضحت أن التوصية تستند إلى المادة الخامسة من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التي تدعو الدول إلى تعديل الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجال والنساء، بهدف القضاء على التحيزات والعادات والممارسات القائمة على فكرة دونية أو تفوق أحد الجنسين أو الأدوار النمطية.
وأكدت أن أهمية التوصية تكمن في النظر إلى القوالب النمطية باعتبارها جزءا من أنظمة أوسع لعدم المساواة، وليس مجرد معتقدات فردية.
وأوضحت أن التمييز قد يتقاطع مع العنصرية والطبقية والتمييز على أساس العمر أو الإعاقة أو لون البشرة، بما ينتج أشكالا متداخلة من الإقصاء.
وأضافت أن القوالب النمطية القائمة على النوع الاجتماعي ترتبط أيضا بأنظمة سياسية واجتماعية واقتصادية أوسع، بينها الهياكل الأبوية والاستعمارية، وأن تفكيكها يتطلب البحث في الأسباب الجذرية التي تنتجها وتحافظ عليها.
ولفتت إلى أن الرجال والفتيان يتأثرون أيضا بهذه القوالب، خصوصا من خلال أشكال الذكورة الأبوية التي تفرض أنماطا محددة للسلوك، ويمكن أن تسهم في تطبيع العنف والهيمنة والاستغلال والعسكرة، بما يؤثر في الأفراد والمجتمعات.
وأشارت إلى أن التوصية العامة رقم 41 مرت بعملية تشاور واسعة، شملت مناقشة عامة وإحاطات للدول الأطراف ومشاورات إقليمية وشبه إقليمية، على أن تجرى القراءة النهائية واعتماد التوصية خلال الدورة المقبلة للجنة في أكتوبر.

العدالة والقضاء.. مواجهة القوالب داخل المؤسسات
وفي رسالة عبر الفيديو، عرضت روسينا روزي ألبرت، رئيسة محكمة المنازعات الإدارية في أوروجواي، تجربة بلادها في التعامل مع القوالب النمطية داخل منظومة العدالة وتدريب العاملين فيها.
وأوضحت أن العاملين في مجال العدالة يتعاملون مع قضايا العنف القائم على النوع الاجتماعي في المجالات الجنائية والمدنية والعمالية وغيرها، إضافة إلى القضايا التي تتعلق بالعلاقات الخاصة وبالعلاقة مع الدولة.
وأشارت إلى أنه في عام 2019 كلفت المجموعة المشتركة بين الوكالات المعنية بالنوع الاجتماعي التابعة للأمم المتحدة في أوروجواي المدرسة القضائية ومكتب المدعي العام للدولة بإعداد دليلين عمليين بشأن القوالب النمطية القائمة على النوع الاجتماعي والمعايير الدولية المتعلقة بحقوق النساء.
وتكشف التجربة، كما عرضتها القاضية الأوروجوايانية، عن أهمية تدريب العاملين في منظومة العدالة على التعرف إلى القوالب النمطية وعدم السماح لها بالتأثير في تقييم الأدلة أو التعامل مع الضحايا أو اتخاذ القرارات القضائية والإدارية.

من تغيير الخطاب إلى تغيير المؤسسات
وخلصت المناقشة إلى أن مواجهة القوالب النمطية القائمة على النوع الاجتماعي تتطلب تحولا يتجاوز تغيير اللغة أو المواقف الفردية، ليصل إلى القوانين والسياسات والمؤسسات وأنظمة العدالة والاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا.
وتقاطعت مداخلات المشاركين حول ضرورة إدماج منظور النوع الاجتماعي في عمل مجلس حقوق الإنسان وآلياته بصورة عملية، مع تطوير أدوات لرصد التمييز الناتج عن القوالب النمطية، وضمان مشاركة النساء والمدافعات عن حقوق الإنسان في صياغة الإصلاحات.
كما برزت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي باعتبارهما مجالين جديدين يحتاجان إلى رقابة حقوقية لمنع انتقال التحيزات الاجتماعية إلى الخوارزميات والمنصات الرقمية.
وفي المحصلة، وضعت المناقشة السنوية أمام مجلس حقوق الإنسان قضية القوالب النمطية في إطار أوسع: ليس باعتبارها مجرد أفكار اجتماعية تحتاج إلى تغيير، وإنما باعتبارها أحد المسارات التي يمكن أن تنتقل عبرها اللامساواة إلى القانون والمؤسسة والسياسة والممارسة اليومية، وهو ما يجعل تفكيكها جزءا من حماية حقوق الإنسان وتحقيق المساواة الفعلية بين النساء والرجال.

