منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حقوق النساء والأطفال في النزاعات.. دعوات دولية للعدالة والحماية وإنهاء الإفلات من العقاب

17 سبتمبر 2026
لقطة من الحوار التفاعلي حول تقرير المفوض السامي بشأن حماية حقوق النساء والأطفال في النزاعات
لقطة من الحوار التفاعلي حول تقرير المفوض السامي بشأن حماية حقوق النساء والأطفال في النزاعات

تتسع دائرة الانتهاكات التي تطول النساء والأطفال في مناطق النزاعات المسلحة، لتتجاوز آثارها المباشرة من قتل وإصابة ونزوح، وتمتد إلى حرمانهم من الرعاية الصحية والتعليم والحماية، وتعريض النساء والفتيات للعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، في حين يظل الوصول إلى العدالة وجبر الضرر تحدياً قائماً حتى بعد توقف القتال. وأجمعت مداخلات دولية وأممية خلال مناقشة تقرير المفوض السامي حول تعزيز وحماية حقوق الإنسان للنساء والأطفال في حالات النزاع وما بعد النزاع، على ضرورة تحويل الالتزامات الدولية إلى إجراءات عملية تضمن الحماية والمساءلة والانتصاف للضحايا والناجين.

وجاءت هذه المناقشات ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، حيث تناول الحوار التفاعلي تقرير المفوض السامي بشأن تعزيز وحماية حقوق الإنسان للنساء والأطفال في حالات النزاع وما بعد النزاع، بمشاركة دول ومنظمات أممية ودولية ومؤسسات حقوقية، ركزت مداخلاتها على اتساع نطاق الانتهاكات، والحواجز التي تحول دون وصول النساء والأطفال إلى العدالة والخدمات الأساسية، وضرورة إشراك الناجين والنساء في عمليات السلام وصنع القرار والمساءلة.

الصحة والحماية في قلب الاستجابة

صندوق الأمم المتحدة للسكان رحب بالتركيز على هذا الملف، مشيراً إلى تزايد الانتهاكات التي تستهدف النساء والأطفال، ولا سيما الفتيات، خلال النزاعات وفي مراحل ما بعد انتهائها.

وسلط الصندوق الضوء على الاعتداءات التي تطول المرافق الصحية، وخاصة مستشفيات الولادة، إلى جانب المعوقات الأمنية التي تمنع النساء من الوصول إلى الخدمات الطبية وخدمات الصحة الجنسية والإنجابية. كما أشار إلى تعرض أعداد كبيرة من النساء والفتيات للعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي.

وأكد الصندوق أن توفير الخدمات الأساسية في مجال الصحة الجنسية والإنجابية يمثل عنصراً ضرورياً لحماية النساء والفتيات والضحايا والناجين من الانتهاكات، في وقت تؤدي فيه النزاعات إلى تقويض منظومات الرعاية الصحية وحرمان الفئات الأكثر هشاشة من الخدمات الأساسية.

ومن جانبها، أشارت جامعة السلام إلى أن النزاعات المسلحة المعاصرة تترك تأثيراً كبيراً في النساء والأطفال، موضحة أن النساء يشكلن نسبة كبيرة من الضحايا المدنيين، وأن هذه النسبة ارتفعت مقارنة بالتسعينيات.

وربطت الجامعة بين حماية الضحايا وتحقيق السلام المستدام، داعية إلى تعزيز المفاوضات غير الرسمية للسلام، وتنفيذ اتفاقات السلام، وتقديم الدعم إلى أسر الضحايا والناجين، إلى جانب وضع أطر قانونية تضمن حمايتهم.

كما دعت إلى وضع الأطفال في صميم آليات العدالة، باعتبارهم أطرافاً فاعلة في تحقيق العدالة وليسوا مجرد أشخاص خاضعين لها، مع ضرورة إشراك الناجين في آليات المساءلة بوصفهم مشاركين وشركاء على قدم المساواة.

العدالة.. فجوة مستمرة

المنظمة الدولية للقانون والتنمية أشارت إلى أن توثيق الانتهاكات يكشف تعرض النساء والفتيات بصورة غير متناسبة للانتهاكات في سياقات النزاع، في ظل استمرار التحديات المتعلقة بالحماية والوصول إلى العدالة والخدمات.

وذكرت المنظمة أن واحدة من كل خمس نساء حول العالم تعيش على مسافة تقارب 50 كيلومتراً من مناطق تشهد نزاعات مميتة، مشيرة إلى ارتفاع هذه النسبة بصورة كبيرة منذ عام 1990.

وأوضحت أن العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي ينتشران في مناطق النزاع بالتزامن مع تعطل أنظمة العدالة وتقديم الخدمات، مستشهدة بحالات في أوكرانيا تتعلق بصعوبات التحقيق والمحاكمة العادلة، خصوصاً في قضايا العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، إضافة إلى حالات الترحيل غير القانوني.

وفي السياق ذاته، أكدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن العدالة لا تزال بعيدة المنال بالنسبة إلى ملايين النساء والفتيات، مشيرة إلى أن نحو 756 مليون امرأة وفتاة، ما يقارب 18.8% من السكان، يعشن على مسافة 50 كيلومتراً من مناطق تشهد نزاعات مسلحة.

وقالت الهيئة إن تحليلاً أجرته عام 2026 أظهر أن الإصلاحات التشريعية تحقق نتائج فُضلى عندما تركز على النساء والفتيات والضحايا والناجين، داعية الدول إلى ضمان المشاركة المتساوية والهادفة للنساء في عمليات السلام والعدالة، ومنها المدافعات عن حقوق الإنسان والناجيات.

كما طالبت بتوفير الدعم الإداري والمالي، واتخاذ تدابير للحد من الضرر، والاستثمار في العمل الإنساني الذي يستجيب للاحتياجات المباشرة وطويلة الأجل للنساء.

غزة.. الحرب تضاعف الأعباء

وحضر الوضع الفلسطيني بقوة في عدد من المداخلات، مع التركيز على ما تتعرض له النساء والأطفال في قطاع غزة من قتل وتهجير وتجويع وحرمان من الرعاية الصحية والتعليم.

وأكدت الأونروا أن القضايا التي تناولها التقرير تمثل واقعاً يومياً بالنسبة إلى الفلسطينيين، في ظل صراع طال أمده وتشرد مستمر وأزمات إنسانية متلاحقة في غزة وسوريا ولبنان، وبشكل متزايد في الضفة الغربية.

وأوضحت أن أطفال اللاجئين الفلسطينيين يواجهون العنف والتشرد والحرمان من التعليم والحياة الأسرية، في حين تتحمل النساء عبئاً كبيراً في تأمين المياه والغذاء ومواجهة الآثار النفسية والفقدان، رغم دورهن الأساسي في تعزيز الصمود وتماسك الأسرة.

وأشارت الأونروا إلى استمرار توفير التعليم والرعاية الصحية والحماية والمأوى وإعادة التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي خلال الصراع، لافتة إلى أن 6600 امرأة مشردة في لبنان تلقين دعماً اقتصادياً ونفسياً واجتماعياً.

بدورها، أعربت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في قطر عن قلقها إزاء أوضاع النساء والأطفال في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مشيرة إلى ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والخدمات الأساسية.

وأكدت أهمية حماية موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المجال الإنساني وضمان قدرتهم على أداء مهامهم دون تهديد أو معوقات، مشيرة إلى أن 393 من موظفي الأونروا فقدوا حياتهم منذ بدء الحرب في غزة، وفق ما ورد في المداخلة.

كما تناول Palestinian Return Centre Limited الأوضاع الصحية للنساء الحوامل في غزة، مشيراً إلى التشرد والتجويع والحصار وانهيار الرعاية الصحية، وقال إن 55 ألف امرأة حامل ومرضعة معرضات لمخاطر شديدة، وفق ما نسبه إلى صندوق الأمم المتحدة للسكان، مع الإشارة إلى ارتفاع معدلات الولادة المبكرة أو انخفاض الوزن لدى المواليد.

تجارب وطنية في جبر الضرر

وتطرقت مداخلات عدد من الدول إلى تجارب وطنية اعتبرتها آليات لتعزيز العدالة وجبر الضرر.

فالعراق أشار إلى قانون الناجيات الإيزيديات رقم 8 لسنة 2021، باعتباره ممارسة وطنية لإنصاف الناجيات وجبر الضرر، موضحاً أن القانون يوفر للفئات المشمولة به التعويض والرعاية الصحية والنفسية والتعليم والسكن، ما يساعد على إعادة الاندماج في المجتمع.

وأكد العراق أن العدالة لا تقتصر على محاسبة مرتكبي الجرائم، وإنما تشمل أيضاً حماية الضحايا والشهود واحترام خصوصيتهم، مع مراعاة الاحتياجات الخاصة للأطفال المتضررين من النزاعات.

وفي كينيا، أكدت الحكومة أن المساءلة ينبغي أن تقترن بسبل انتصاف فعالة تستجيب لاحتياجات الضحايا، مشيرة إلى العمل على وضع إطار لجبر الضرر يقوم على منظور الضحايا، ويشمل التعويض وإعادة التأهيل والردع وضمانات عدم التكرار.

وشددت كينيا على أن جبر الضرر ينبغي ألا يقتصر على التعويض المالي، بل يجب أن يسهم في استعادة كرامة الضحايا ومعالجة الظروف التي قد تؤدي إلى استمرار الانتهاكات.

أما جنوب السودان، فأكد أهمية العدالة وسبل الانتصاف الفعالة وجبر أضرار الضحايا، مشيراً إلى أن المشاركة المجتمعية عنصر أساسي لتحقيق السلام المستدام والمصالحة والتعافي الوطني.

وفي بوركينا فاسو، جرى تسليط الضوء على تدابير قانونية وبرامج لمساعدة النساء والأطفال، إذ أشارت البلاد إلى أن قانون الإجراءات الجنائية لعام 2019 يتضمن تدابير خاصة لحماية الضحايا من النساء والأطفال، وأن ما بين 23 و25 ألفاً و290 امرأة و106 من القُصّر استفادوا من المساعدة القضائية. كما أشارت إلى إنشاء وكالة عام 2023 لدعم الأرامل والأيتام ضحايا الحرب، وتنسيق المساعدة النفسية والاجتماعية والإدارية والقانونية لهم.

النساء.. من ضحايا الحرب إلى شركاء في السلام

عدد من المداخلات ركز على ضرورة عدم النظر إلى النساء والأطفال باعتبارهم ضحايا فقط، وإنما الاعتراف بدورهم في بناء السلام والتعافي.

إيران رحبت بتأكيد التقرير أن النساء والأطفال ليسوا مجرد ضحايا للنزاعات، وإنما شركاء أساسيون وعناصر فاعلة في بناء السلام، في حين أكدت قطر أهمية ضمان المشاركة الفاعلة للنساء في عمليات السلام.

كما أشار مجلس أوروبا إلى أهمية برنامج المرأة والأمن والسلام، والحاجة إلى تعزيز مشاركة النساء في بناء السلام وفض النزاعات، لافتاً إلى العقبات التي تحول دون ذلك، ومنها الأعراف الجنسانية والعنف ضد النساء والفتيات.

وشدد المجلس على ضرورة تطبيق اتفاقية مجلس أوروبا بشأن منع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي، المعروفة باتفاقية إسطنبول، حتى في أوقات الحرب.

أما أيرلندا، فأكدت أن النساء والأطفال ليسوا مجموعة واحدة، وأن سياسات الحماية يجب أن تراعي تنوعهم، ومنه الأشخاص ذوو الإعاقة، مشيرة إلى الدور الذي يؤديه المجتمع المدني، ولا سيما المنظمات النسائية، في دعم المساءلة والجبر ومراعاة النوع الاجتماعي وحقوق الأطفال.

ما بعد الحرب.. حقوق لا تنتهي بانتهاء القتال

وأظهرت المناقشات أن آثار النزاعات لا تتوقف بمجرد توقف العمليات العسكرية؛ إذ تستمر تداعياتها في صورة نزوح وفقدان ووصول محدود إلى العدالة والخدمات، فضلاً عن الوصمة الاجتماعية والخوف من الانتقام.

وأشارت أندورا إلى أن الانتهاكات التي تتعرض لها النساء والفتيات لا تنتهي بانتهاء النزاع، بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية والأعمال الانتقامية وصعوبة الوصول إلى العدالة، داعية إلى وضع الضحايا في صدارة الجهود وتعزيز حماية الضحايا والشهود وضمان مشاركة النساء والأطفال.

وفي أذربيجان، جرى التركيز على مخاطر مرحلة ما بعد النزاع، ومنها قضية الأشخاص المفقودين والألغام الأرضية، وتأثيرها في عودة النازحين، في حين أكدت الجزائر أهمية إعادة إدماج النساء والأطفال في المجتمع وحمايتهم خلال جميع مراحل عمليات السلام.

كما شددت تونس على أن حماية النساء والأطفال، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ومساءلة مرتكبي الانتهاكات وتمكين الضحايا من الوصول إلى العدالة وجبر الضرر، تمثل التزامات قانونية وأخلاقية.

المساءلة وحماية الأطفال

المداخلات الحقوقية أكدت كذلك أن المساءلة يجب ألا تتأثر بالاعتبارات السياسية، وأن الأطفال يحتاجون إلى ضمانات خاصة داخل أنظمة العدالة.

وأكدت منظمة Defense for Children International أن هناك فجوة مستمرة في المساءلة عن الانتهاكات المرتكبة ضد الأطفال، داعية الدول إلى تحمل مسؤولياتها وضمان محاسبة الجناة، مع مراعاة الأبعاد الخاصة بالأطفال والمساواة بين الجنسين في الإجراءات القضائية.

وشددت المنظمة على ضرورة الاستماع إلى أدلة الأطفال، ما يتناسب مع أعمارهم ومصالحهم الفضلى ومستوى نضجهم، وضمان وصول الناجين من الأطفال إلى العدالة وخدمات الدعم النفسي والاجتماعي والعقلي.

كما دعت إلى معاملة الأطفال المرتبطين بالقوات المسلحة والجماعات المسلحة بوصفهم ضحايا، وتنفيذ آليات المساءلة بدلاً من إضعافها.

وفي السياق نفسه، دعا مركز Global Non-Killing إلى منح الناجين دوراً حقيقياً في قضايا المساءلة وجبر الضرر والوقاية، مؤكداً ضرورة تمكينهم من المشاركة الآمنة والهادفة في مراحل العدالة الانتقالية، بدءاً من البحث عن الحقيقة وجبر الضرر وصولاً إلى ضمانات عدم التكرار.

وتتقاطع هذه الدعوات مع موقف Lutheran World Federation الذي شدد على أن المساءلة ينبغي أن تتجاوز نطاق المحاكم لمعالجة الأضرار الفورية وأوجه عدم المساواة الهيكلية، مع إيلاء اهتمام خاص بالنساء والأطفال النازحين ومن لا يحملون وثائق.

خلاف حول المصطلحات.. واتفاق على الحماية

ورغم اتساع مساحة التوافق حول أهمية حماية النساء والأطفال ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، برز خلاف بين بعض الوفود بشأن المصطلحات والمفاهيم المستخدمة في التقرير.

فالكويت والعراق وقطر والسودان أعربت، كل على حدة، عن تحفظات على بعض المصطلحات التي اعتبرت أنها لا تحظى بتوافق دولي أو لا تستند إلى اتفاقيات حقوق الإنسان ذات الصلة، داعية إلى الالتزام بالمفاهيم المتوافق عليها دولياً في التقارير المقبلة.

في المقابل، ركزت غالبية المداخلات على مجموعة من الأولويات المشتركة، منها احترام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، حماية المدنيين، ضمان وصول المساعدات الإنسانية، مكافحة الإفلات من العقاب، توفير العدالة وجبر الضرر، وتعزيز مشاركة النساء والأطفال في عمليات السلام وصنع القرار.

وتكشف المناقشات، في مجملها، عن أن حماية حقوق النساء والأطفال في النزاعات لا تتعلق فقط بمنع الانتهاكات أثناء الحرب، وإنما تمتد إلى ما بعدها؛ إلى العدالة، وجبر الضرر، وإعادة التأهيل، واستعادة الكرامة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

وبينما عرضت الدول والمنظمات تجارب ومواقف مختلفة، ظل التحدي الأساسي الذي تكرر في المداخلات هو الانتقال من الاعتراف الدولي بحقوق النساء والأطفال إلى إجراءات ملموسة تضمن لهم الحماية والوصول إلى الخدمات والعدالة، وتمنح الناجين دوراً حقيقياً في تحديد مسارات المساءلة والتعافي وبناء السلام.