بعد ستة عقود على اعتماد العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تعود الأمم المتحدة إلى واحدة من أبرز المحطات المؤسسة لمنظومة حقوق الإنسان الدولية، في وقت تواجه فيه هذه المنظومة تحديات متزايدة تتعلق بقدرتها على تحويل الالتزامات القانونية إلى واقع ملموس، والحفاظ على آليات الرقابة الدولية في ظل أزمات التمويل وتراجع الموارد وتزايد الأزمات العالمية.
وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، المنعقدة في قصر الأمم خلال الفترة من 7 سبتمبر إلى 7 أكتوبر 2026، حيث خصص المجلس جلسة رفيعة المستوى لإحياء الذكرى الستين لاعتماد العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان، بمشاركة المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، وعدد من رؤساء وأعضاء الهيئات التعاهدية وخبراء حقوق الإنسان وممثلي الدول.
وقال المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن اعتماد العهدين قبل ستين عاماً مثّل خطوة حاسمة في تحويل المبادئ الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى التزامات ذات قوة قانونية، مشيراً إلى أن التجربة التاريخية للبشرية، من الحروب والإبادات الجماعية إلى الصراعات والانقسامات الدولية، أظهرت الحاجة إلى منظومة تحمي حقوق الإنسان في مختلف الظروف.
وأوضح تورك أن منظومة حقوق الإنسان التي تطورت حول العهدين لم تقصر مفهوم الحماية على الحقوق المدنية والسياسية، وإنما شملت أيضاً الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلى جانب الحق في التنمية والحق في التمتع ببيئة نظيفة وصحية ومستدامة، باعتبار أن هذه الحقوق مترابطة وغير قابلة للتجزئة.
وأشار إلى أن الطريق إلى اعتماد العهدين استغرق نحو عقدين بعد إقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، قبل أن تعتمدهما الدول في عام 1966، ليدخلا حيز التنفيذ عام 1976. ومع مرور السنوات، تحولا إلى أحد الأعمدة القانونية الرئيسية للنظام الدولي لحقوق الإنسان، وأسّسا إلى جانب منظومة الاتفاقيات اللاحقة لعدد كبير من الآليات الدولية والإقليمية والوطنية المعنية بحماية الحقوق والحريات.
وأضاف أن منظومة المعاهدات توسعت لاحقاً لتشمل قضايا مثل مكافحة التمييز العنصري، ومناهضة التمييز ضد المرأة، ومناهضة التعذيب، وحماية حقوق العمال المهاجرين والأشخاص ذوي الإعاقة وغيرهم، فيما نشأت الهيئات التعاهدية والإجراءات الخاصة والاستعراض الدوري الشامل وغيرها من آليات الأمم المتحدة في سياق تطور النظام الدولي لحماية حقوق الإنسان.
ولفت المفوض السامي إلى أن تأثير العهدين تجاوز الإطار الأممي، إذ أسهما في إلهام أنظمة إقليمية لحقوق الإنسان، كما انعكست مبادئهما في تشريعات ودساتير وأحكام قضائية في دول مختلفة حول العالم، بما جعل الحقوق المنصوص عليها فيهما جزءاً من منظومات قانونية وطنية وإقليمية.
واستعرض تورك نماذج من تطور تفسير الحقوق في العقود الأخيرة، مشيراً إلى أن لجنة حقوق الإنسان أكدت في عام 2020 انطباق الحق في التجمع السلمي على التجمعات التي تتم عبر الإنترنت، بما يعني ضرورة احترام هذا الحق في الفضاء الرقمي، وعدم السماح لمقدمي خدمات الإنترنت أو السلطات العامة بتقييده بصورة تتعارض مع الالتزامات الحقوقية.
كما أشار إلى تطور النقاش الدولي حول حقوق الإنسان في مواجهة التغير المناخي، وإلى تأكيد الهيئات التعاهدية مسؤولية الدول عن حماية الأفراد من المخاطر التي يمكن أن تهدد حقوقهم، فضلاً عن تطور المعايير المتعلقة بمسؤولية الشركات عن احترام حقوق الإنسان.
لكن الاحتفال بالذكرى الستين، بحسب تورك، لا يأتي في لحظة احتفالية خالصة، بل يتزامن مع ضغوط تهدد قدرة الهيئات التعاهدية على أداء وظائفها.
وقال إن منظومة حقوق الإنسان تواجه تخفيضاً في التمويل والموارد البشرية، وإلغاء أو تقليص عدد من الزيارات القطرية، وتزايد التأخر في النظر في التقارير التي تقدمها الدول والطلبات الفردية التي يتقدم بها الضحايا، بالتوازي مع تراجع معدلات تقديم بعض الدول الأطراف تقاريرها الدورية.
وحذر من أن هذه التطورات تهدد فاعلية الآليات التعاهدية، مؤكداً الحاجة إلى تجديد التزام الدول بتمويل هذه المؤسسات وتمكينها من أداء الولايات التي أنيطت بها، إلى جانب إجراء إصلاحات تجعل النظام أكثر كفاءة واستدامة.
وأكد تورك أن الذكرى الستين ينبغي أن تكون مناسبة لتجديد الالتزام بالعهدين وليس مجرد استعادة لتاريخ اعتمادهما، داعياً الدول والقادة إلى إعادة تنظيم أولويات التمويل بما يضمن استمرار منظومة حقوق الإنسان، باعتبارها أحد الأسس الضرورية لبناء مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً.
وفي السياق نفسه، قال بيرتران رامشاران، منشط الحوار، إن العهدين يمثلان جزءاً لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان الدولية، محذراً من أن إضعاف نظام الهيئات التعاهدية سيؤثر في جوهر منظومة الأمم المتحدة نفسها.
وأشار رامشاران إلى أن دخول العهدين حيز التنفيذ عام 1976 جاء في سياق دولي شديد التعقيد بسبب الحرب الباردة، إلا أن تنفيذهما أتاح على مدى العقود التالية بناء خبرة قانونية ومؤسسية واسعة، مؤكداً أن الدول الأطراف تتحمل مسؤوليات قانونية محددة يتعين عليها الوفاء بها.
وشدد على أهمية العلاقة بين مجلس حقوق الإنسان والهيئات التعاهدية، معتبراً أن عمل المجلس لا ينفصل عن القانون الدولي العام وميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمعاهدات الدولية ذات الصلة.
كما دعا إلى الربط بين تنفيذ العهدين وأهداف التنمية المستدامة وبناء السلام، موضحاً أن احترام الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية يمكن أن يسهم في معالجة الأسباب العميقة لعدم الاستقرار وتحقيق التنمية.
من جانبها، أكدت بريتي ساران، عضو اللجنة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أن العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أسهم في نقل قضايا مثل الصحة والتعليم والسكن والغذاء والضمان الاجتماعي والعمل والمشاركة في الحياة الثقافية من هامش الخطاب السياسي إلى صلب الالتزامات الحقوقية.
وقالت إن العهد ألهم محاكم وتشريعات وطنية في دول مختلفة للتعامل مع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها حقوقاً قائمة وقابلة للإنفاذ، وليس مجرد أهداف سياسية أو طموحات بعيدة المدى.
وأشارت إلى أن العهد تناول كذلك قضايا مرتبطة بعدم التمييز، واستخدام الموارد المتاحة على أفضل نحو، والمساعدة الدولية، والحماية الاجتماعية، والإنفاق العام والإصلاحات الاقتصادية، معتبرة أن أثره تراكم على مدى العقود الماضية بصورة يصعب اختزالها في مؤشر واحد.
وتوقفت ساران عند تجربة جائحة كوفيد-19، مشيرة إلى أن الهيئات التعاهدية أصدرت مواقف مهمة بشأن الحصول على اللقاحات والأدوية الأساسية، خصوصاً بالنسبة إلى الفئات والدول الأكثر فقراً، بما عكس الدور الذي يمكن أن تؤديه المعايير الحقوقية في أوقات الأزمات الصحية العالمية.
كما تناولت أهمية البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد، باعتباره وسيلة لتعزيز المساءلة وإتاحة مسارات دولية للأفراد في الحالات التي تستنفد فيها سبل الانتصاف المحلية، داعية الدول التي لم تنضم إليه بعد إلى النظر في التصديق عليه.
وفي مداخلة أخرى، أكد رئيس إحدى الهيئات التعاهدية أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية رسخ مجموعة واسعة من الحقوق والحريات، من الحق في الحياة والكرامة والحرية والمساواة أمام القانون إلى المحاكمة العادلة والخصوصية وحرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات وحرية الدين والمعتقد والمشاركة السياسية.
وأوضح أن أهمية العهد لا تكمن فقط في تعداد الحقوق، وإنما في وضع حدود قانونية للسلطة، بحيث لا تصبح الحقوق والحريات رهينة للظروف السياسية أو ذريعة الأمن والنظام العام.
وأشار إلى أن لجنة حقوق الإنسان عملت، عبر التعليقات العامة والملاحظات الختامية والنظر في الشكاوى الفردية في إطار البروتوكول الاختياري، على تحويل العهد إلى وثيقة حية تتطور مع التحديات الجديدة.
ومن بين هذه التحديات، برزت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتقنيات البيومترية، التي تفرض أسئلة جديدة حول الخصوصية والمساءلة وتوزيع السلطة، في وقت تتزايد فيه القيود التي تواجه المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة وغيرها من الجهات التي تؤدي أدواراً في الرقابة والمساءلة.
وأكد المتحدث أن المجتمع الدولي لا يبدأ من الصفر في مواجهة هذه التحديات، إذ توجد بالفعل منظومة قانونية اتفقت الدول على مبادئها الأساسية، لكن التحدي يتمثل في ضمان تنفيذها بصورة فعلية وشاملة.
ودعا إلى تعزيز التنسيق بين الهيئات التعاهدية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الولاية والخبرة المستقلة لكل لجنة، محذراً من أن الإصلاح ينبغي أن يكون بهدف تحسين الأداء وليس مجرد إحداث تغيير شكلي.
وفي السياق ذاته، طرح الخبير الحقوقي فيليب ألستون ثلاثة تحديات رئيسية أمام منظومة العهدين، تتمثل في ترابط الحقوق، وإصلاح الهيئات التعاهدية، وتعزيز مساءلة القطاع الخاص.
وقال ألستون إن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا تزال، في رأيه، لا تحظى بالمكانة نفسها التي تحظى بها الحقوق المدنية والسياسية، رغم التأكيد المتكرر على مبدأ عدم قابلية حقوق الإنسان للتجزئة.
واعتبر أن هذا التفاوت ينعكس على قدرة منظومة حقوق الإنسان على التعامل مع قضايا مثل الفقر وتراجع مستويات المعيشة وتزايد الشعبوية، داعياً جميع الهيئات التعاهدية إلى التعامل مع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية باعتبارها جزءاً أصيلاً من منظومة الحقوق المتكاملة.
وفي ما يتعلق بإصلاح الهيئات التعاهدية، دعا ألستون إلى إعادة التفكير في آليات العمل الحالية والاستفادة بصورة أكبر من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بما قد يتيح تطوير طرق أكثر كفاءة في متابعة تنفيذ الالتزامات الدولية.
أما التحدي الثالث، فيتعلق بدور القطاع الخاص، في ظل اتساع نفوذ الشركات في قطاعات اقتصادية واجتماعية مختلفة، والحاجة إلى تطوير مقاربات أكثر اتساقاً لمساءلتها عن الآثار المرتبطة بحقوق الإنسان وتغير المناخ والخصخصة.
وعلى مستوى مداخلات الدول، أكدت بوليفيا تمسكها بمبدأ عالمية حقوق الإنسان، مشيرة إلى أن الذكرى الستين تأتي في ظل تعدد الاستقطابات والمنافسة الاقتصادية والتغيرات التكنولوجية وتغير المناخ، فيما تحدثت عن جهودها في مجالات خفض الفقر ومكافحة الأمية وتحديث النظام القضائي.
وأكدت موريتانيا بدورها أن العهدين، إلى جانب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، يشكلان دعامة أساسية للمنظومة الدولية، مجددة تمسكها بعالمية الحقوق وعدم قابليتها للتجزئة وترابط الحقوق المدنية والسياسية مع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وأشارت موريتانيا إلى استراتيجيتها الوطنية لترقية وحماية حقوق الإنسان للفترة 2024-2028، مؤكدة أن التحدي الأساسي بعد ستة عقود يتمثل في الانتقال من الالتزامات المعيارية إلى التمتع الفعلي بالحقوق، مع التأكيد على سيادة القانون والعدالة والمساواة.
وفي مداخلة باسم بولندا وأوكرانيا وليتوانيا، جرى التأكيد على عالمية حقوق الإنسان وعدم قابليتها للتجزئة، مع الإشارة إلى أن العهدين أسهما في تحويل المبادئ الحقوقية إلى التزامات قانونية، وأن احترام هذه الالتزامات يظل أساسياً في مواجهة النزاعات والأزمات الدولية.
أما النمسا وكرواتيا وسلوفينيا، فأشارت إلى أن العهدين أسهما على مدى ستة عقود في التأثير في الدساتير والتشريعات والاجتهادات القضائية والسياسات العامة في أنحاء مختلفة من العالم.
وبينما استعاد المشاركون مساراً بدأ قبل ستين عاماً، كان واضحاً أن الاحتفال لم يكن استعادة للماضي بقدر ما كان نقاشاً حول مستقبل منظومة حقوق الإنسان؛ فالعهدان، كما خلصت المناقشات، لم يعودا مجرد وثيقتين تاريخيتين، وإنما إطاراً قانونياً ما زال حاضراً في النقاش حول الحقوق والحريات والتنمية والعدالة والمساءلة.
وتتقاطع الرسالة التي خرجت بها الجلسة عند نقطة أساسية: الاتفاق الدولي على الحقوق لا يكفي وحده ما لم تقترن النصوص بالتنفيذ، وما لم تمتلك المؤسسات المعنية الموارد والاستقلال والخبرة اللازمة للقيام بدورها.
وبعد ستة عقود من اعتماد العهدين، يبدو أن السؤال المطروح أمام منظومة حقوق الإنسان لم يعد يتعلق بالحاجة إلى صياغة حقوق جديدة بقدر ما يتعلق بقدرة الدول والمؤسسات الدولية على حماية الحقوق القائمة، وترجمتها إلى واقع يعيشه الأفراد، والحفاظ على آليات المساءلة التي تحول دون أن تبقى الالتزامات الدولية مجرد نصوص على الورق.
