أكد تقرير جديد لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن دمج مبادئ حقوق الإنسان في السياسات الاقتصادية والمالية والتجارية بات ضرورة ملحة لمواجهة التحديات العالمية المتشابكة، بدءاً من أزمات الديون وتغير المناخ، مروراً بالفساد وعدم المساواة، وصولاً إلى التحولات التكنولوجية المتسارعة.
ويستعرض التقرير حصيلة جهود المفوضية خلال عام 2025 ومطلع عام 2026 لتعزيز نهج قائم على الحقوق في مسارات التنمية والتعاون الدولي، باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لتحقيق تنمية أكثر عدالة واستدامة.
وأشار التقرير الذي يُعرض أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمنعقدة خلال الفترة من 15 يونيو إلى 10 يوليو، إلى أن المفوضية كثفت تحركاتها الدولية لدفع الحكومات والمؤسسات الدولية نحو مواءمة السياسات الاقتصادية والضريبية والمالية مع الالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان، ما يضمن ألا تكون التنمية مجرد مؤشرات اقتصادية مجردة، بل عملية تستهدف تحسين حياة الأفراد وحماية حقوقهم الأساسية.
وأوضح التقرير أن المفوضية شاركت في عدد من الحوارات الدولية المعنية بإصلاح النظام الضريبي العالمي، مؤكدة أهمية إدماج حقوق الإنسان في المفاوضات الجارية بشأن التعاون الضريبي الدولي، ودعمت جهود الدول الرامية إلى إنشاء نظام ضريبي عالمي أكثر عدالة وقدرة على مكافحة التهرب الضريبي، مع تأكيد ضرورة اتساق هذه الإصلاحات مع التزامات الدول الحقوقية.
جودة الحياة والحقوق
في سياق متصل، سلط التقرير الضوء على الجهود الرامية إلى تجاوز الاعتماد التقليدي على الناتج المحلي الإجمالي بوصفها مؤشراً وحيداً للتقدم، وأكدت المفوضية خلال عدد من الاجتماعات الدولية أن قياس التنمية يجب أن يأخذ في الاعتبار جودة الحياة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وليس فقط معدلات النمو الاقتصادي، مشيرة إلى أن التنمية الحقيقية لا يمكن اختزالها في أرقام وإحصاءات اقتصادية منفصلة عن الواقع الإنساني.
وتناول التقرير قضية الديون العامة وتأثيرها في حقوق الإنسان، مبيناً أن المفوضية عملت على تعزيز الحوار بين الحكومات والمؤسسات المالية وأصحاب المصلحة بشأن إدارة الديون بطريقة تراعي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والتنمية المستدامة.
وأشارت إلى تنظيم لقاءات دولية ناقشت كيفية ضمان ألا تؤدي سياسات سداد الديون أو إعادة هيكلتها إلى تقويض حقوق المواطنين أو إضعاف قدرة الدول على الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه السكان.
وفي هذا الإطار، أبرز التقرير تجربة سريلانكا التي تلقت دعماً فنياً من المفوضية لتقييم انعكاسات أزمة الديون وإجراءات إعادة الهيكلة من منظور حقوق الإنسان، ومنها الحق في التنمية.
وركزت الجهود الأممية على دراسة الآثار الاجتماعية للإصلاحات المالية والشروط المرتبطة بالقروض الدولية، والتأكد من عدم تحميل الفئات الأكثر هشاشة أعباء غير متناسبة نتيجة برامج التقشف أو الإصلاح الاقتصادي.
الحماية الاجتماعية والصحة
على صعيد التنمية الدولية، أكد التقرير أن المفوضية واصلت دعم تنفيذ برنامج الدوحة لمصلحة أقل البلدان نمواً، مع إعطاء أولوية خاصة للحماية الاجتماعية والصحة العامة.
كما شاركت في المؤتمر الثالث للأمم المتحدة المعني بالدول النامية غير الساحلية، داعية إلى إدماج الحق في التنمية وحقوق الإنسان ضمن خطط العمل الدولية الخاصة بهذه الدول، وتعزيز مشاركة المجتمع المدني في رسم السياسات التنموية.
وأشار التقرير إلى مساهمة المفوضية في التحضيرات الخاصة بالقمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية، حيث دعت إلى اعتماد نموذج تنموي يرتكز على حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، ويعزز الحماية الاجتماعية الشاملة ويضع الإنسان في قلب السياسات الاقتصادية. وشددت على أهمية تطوير مؤشرات جديدة لقياس التقدم تتجاوز الحسابات الاقتصادية التقليدية وتعكس مستويات الرفاه والعدالة والتمكين الاجتماعي.
وفي مجال التجارة الدولية أظهر التقرير اهتماماً متزايداً ببحث آثار السياسات التجارية في حقوق الإنسان، خاصة في ظل التوترات التجارية العالمية المتصاعدة.
ودعت المفوضية إلى إيلاء اهتمام أكبر للفئات الضعيفة والدول منخفضة ومتوسطة الدخل التي غالباً ما تتحمل النصيب الأكبر من تداعيات عدم اليقين في السياسات التجارية العالمية.
تقييم الآثار الحقوقية
وواصلت المفوضية تعاونها مع الاتحاد الإفريقي والمؤسسات الإقليمية ومنظمات المجتمع المدني لإدماج حقوق الإنسان في الاتفاقيات التجارية والاستثمارية.
وأسهمت في إعداد أدلة وإرشادات للمفاوضين التجاريين تساعدهم على تقييم الآثار الحقوقية للاتفاقيات الاقتصادية والتجارية قبل إقرارها، ما يعزز من قدرة الحكومات على تحقيق التوازن بين المصالح الاقتصادية والالتزامات الحقوقية.
وفي الشأن المالي، أوضح التقرير أن المفوضية قدمت مساعدات تقنية لعدد من الدول من أجل إدماج معايير حقوق الإنسان في إعداد الموازنات العامة والسياسات المالية.
وشملت هذه الجهود العمل مع الحكومات والبرلمانات والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والمجتمع المدني لضمان توجيه الموارد العامة بصورة أكثر عدالة وكفاءة، وتعزيز السياسات الاقتصادية الشاملة التي لا تستثني أي فئة من المجتمع.
وتطرق التقرير إلى العلاقة بين مكافحة الفساد وحقوق الإنسان، مؤكداً أن المفوضية نفذت برامج تدريبية وأنشطة لبناء القدرات في عدد من الدول بهدف ضمان اتساق سياسات مكافحة الفساد مع الالتزامات الحقوقية، كما دعمت تبني نهج يضع الضحايا في صميم جهود مكافحة الفساد ويركز على معالجة الآثار المباشرة للفساد في التمتع بالحقوق الأساسية.
الفساد وحقوق الإنسان
في هذا السياق، أطلقت المفوضية دليلاً عملياً جديداً عنوانه “الفساد وحقوق الإنسان”، يهدف إلى مساعدة الحكومات والمؤسسات والمجتمع المدني على فهم الروابط المعقدة بين الظاهرتين، وتقديم أدوات عملية لتطوير السياسات والتشريعات ومبادرات المناصرة من منظور حقوقي شامل.
أما في ملف التحول الأخضر، فقد أكد التقرير أن المفوضية كثفت مشاركتها في النقاشات العالمية المتعلقة بالمعادن الحرجة اللازمة لعملية الانتقال إلى الطاقة النظيفة.
وشددت على ضرورة احترام حقوق الإنسان في جميع مراحل استخراج هذه المعادن وإدارتها والاستفادة منها، خاصة في الدول النامية الغنية بالموارد الطبيعية، وأسهمت في تطوير إرشادات أممية تهدف إلى ضمان أن يكون التحول الطاقي العالمي عادلاً ومستداماً ولا يتم على حساب المجتمعات المحلية أو الفئات الضعيفة.
وفي قطاع الأعمال، واصلت المفوضية دعم تنفيذ المبادئ التوجيهية المتعلقة بالأعمال التجارية وحقوق الإنسان في إفريقيا وأمريكا اللاتينية ومناطق أخرى، وساعدت عدداً من الدول على تطوير خطط وطنية لضمان التزام الشركات باحترام الحقوق الإنسانية في أنشطتها الاقتصادية والاستثمارية، كما تعاونت مع قطاعات التعدين والزراعة لتعزيز ممارسات العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان.
الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا
وأفرد التقرير مساحة خاصة للتطورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الرقمية، حيث دعمت المفوضية مبادرات إقليمية تهدف إلى مواءمة حوكمة الذكاء الاصطناعي مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. كما شجعت الحكومات والشركات على تطوير أنظمة رقابية وآليات تقييم للمخاطر تضمن عدم تحول التقنيات الجديدة إلى أدوات للتمييز أو انتهاك الخصوصية أو الإضرار بالحقوق الأساسية للأفراد.
وفي ختام التقرير أكدت المفوضية أن التحديات العالمية المتزايدة، سواء كانت اقتصادية أو بيئية أو تكنولوجية، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع قائماً على احترام حقوق الإنسان باعتبارها إطاراً ناظماً للسياسات العامة.
وشددت على أن تحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية ومواجهة الأزمات العالمية لن يكون ممكناً دون إدماج الحقوق الإنسانية في جميع مستويات صنع القرار، من السياسات المحلية إلى الاتفاقيات الدولية الكبرى.
