قدمت آلية الخبراء المعنية بحقوق الشعوب الأصلية أمام مجلس حقوق الإنسان عرضاً لأبرز أعمالها خلال العام الماضي، مع التركيز على دراسة حقوق الشعوب الأصلية في حالات النزاع وما بعد النزاع، وما تفرضه تلك الظروف من مخاطر على أراضيهم ومواردهم وهويتهم الثقافية وحقهم في تقرير المصير والمشاركة في القرارات التي تمس مستقبلهم.
جاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الحوار التفاعلي حول آلية الخبراء المعنية بحقوق الشعوب الأصلية، حيث استعرضت رئيسة الآلية فالمنتو نتائج الدراسة التي أُعدت بموجب قرار المجلس 33/25، إلى جانب أنشطة الآلية على المستويين الدولي والقطري، ومداخلات الدول والمنظمات الدولية والمؤسسات الوطنية ومنظمات الشعوب الأصلية بشأن حماية حقوق هذه الشعوب في أوقات النزاعات وما بعدها.
حقوق الشعوب الأصلية في زمن النزاع
وأوضحت رئيسة آلية الخبراء أن الدراسة تناولت الأطر القانونية المرتبطة بحقوق الشعوب الأصلية في حالات النزاع وما بعد النزاع، مستندة إلى إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، والقانون البيئي، إضافة إلى معايير العدالة الانتقالية.
وأشارت إلى أن الدراسة خلصت إلى مجموعة من الإجراءات الهادفة إلى منع النزاعات، مع التركيز على حماية حق الشعوب الأصلية في تقرير المصير، وضمان حقوقها في الأراضي والأقاليم والموارد، وإتاحة مشاركتها الفعالة في عمليات صنع السلام واتفاقيات السلام ومسارات العدالة الانتقالية.
وأكدت أن الشعوب الأصلية لا ينبغي أن تكون مجرد طرف تتم استشارته في مراحل ما بعد النزاع، وإنما أصحاب حقوق لهم دور في تحديد مسارات السلام وإعادة بناء مجتمعاتهم، بما يشمل القرارات المتعلقة بالأرض والموارد والحوكمة.
واعتمدت آلية الخبراء الدراسة خلال دورتها التاسعة عشرة في يوليو/تموز 2026، كما اعتمدت تقريرها السنوي الذي تضمن مقترحات من بينها تعزيز حماية القادة والمدافعين عن حقوق الإنسان من الشعوب الأصلية، وزيادة انخراط الدول الأعضاء مع الآلية، بما في ذلك من خلال تقديم المشورة التقنية، في ظل التحديات المالية التي تواجه الأمم المتحدة.

من النزاع إلى العدالة وجبر الضرر
وشددت فالمنتو على أن معالجة آثار النزاعات لا تقتصر على وقف العنف، بل تمتد إلى معالجة الأضرار التي لحقت بالشعوب الأصلية، بما في ذلك فقدان الأراضي والموارد، وتدمير النظم الثقافية والاجتماعية، و الانتهاكات التاريخية التي قد تمتد آثارها عبر أجيال.
وفي ملاحظاتها الختامية، أكدت أن المشاركة المجدية يجب أن تتجاوز الدور الاستشاري إلى مشاركة الشعوب الأصلية في عمليات صنع القرار، خصوصاً في بناء السلام وما بعد النزاع.
ودعت الدول إلى اعتماد سياسات للعدالة الانتقالية وجبر الضرر تتضمن استعادة الأراضي والموارد، والتعويض، وضمانات عدم التكرار، وتوثيق الانتهاكات التاريخية.
كما شددت على ضرورة مراعاة الأوضاع الخاصة للنساء والفتيات والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز دور النساء في الوقاية من النزاعات والوساطة والمصالحة، وتوفير خدمات اجتماعية ونفسية تراعي الخصوصية الثقافية، خصوصاً للناجين من العنف الجنسي.
مشاركة دولية وتحرك على المستوى القطري
واستعرضت رئيسة الآلية مشاركتها خلال العام الماضي في عدد من الفعاليات الدولية، من بينها قمة النظم الغذائية العالمية التي نظمتها منظمة الأغذية والزراعة، وأعمال الفريق العامل العالمي للعقد الدولي للغات الشعوب الأصلية الذي تنسقه اليونسكو، إلى جانب الدورة الخامسة والعشرين للمنتدى الدائم المعني بقضايا الشعوب الأصلية.
كما شاركت الآلية في حوارات مع آليات أخرى معنية بحقوق الشعوب الأصلية، وتناولت آثار الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة على هذه الشعوب، وسبل ضمان توافق هذه التقنيات مع إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية.
وعلى المستوى القطري، قدمت الآلية في مايو/أيار 2026، بناءً على طلب أعضاء في البرلمان الكندي، مشورة تقنية بشأن تنفيذ إعلان الأمم المتحدة والتعديلات المقترحة على قانون الهنود في كندا.
وفي يونيو/حزيران 2026، أرسلت الآلية بعثة إلى البرازيل شملت ولاية روندونيا ومنطقة الأمازون، وركزت على أوضاع الشعوب الأصلية التي تعيش في عزلة طوعية.
وأعلنت أن الدورة السنوية العشرين للآلية ستعقد في يوليو/تموز 2027، بما يتيح للحكومة البرازيلية والمنظمات المعنية تقديم آرائها بشأن نتائج الزيارة.
كما كشفت عن موضوع الدراسة السنوية المقبلة، التي ستتناول قطاع الأعمال وحقوق الشعوب الأصلية بالتعاون مع جامعة تورنتو، على أن تقدم الآلية تقريرها الموضوعي الثاني إلى مجلس حقوق الإنسان، مع تركيز خاص على الذكرى العشرين لإعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية.
فجوة بين حجم الطلب والموارد
وفي جانب آخر من الحوار، تناولت جاني مريواث، رئيسة مجلس أمناء صندوق الأمم المتحدة للتبرعات الطوعية للشعوب الأصلية، أهمية تمكين ممثلي الشعوب الأصلية من المشاركة المباشرة في أعمال الأمم المتحدة المتعلقة بحقوقهم ومستقبلهم.
وأوضحت أن الصندوق، الذي تأسس عام 1985، دعم منذ إنشائه أكثر من 4 آلاف ممثل من الشعوب الأصلية من 90 بلداً، فيما دعم خلال عام 2025 نحو 109 ممثلين من 45 بلداً، وأكثر من 40 مستفيداً من المنح في 2026 للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة.
لكنها أشارت إلى فجوة كبيرة بين حجم الطلب والموارد المتاحة؛ إذ يتلقى الصندوق أكثر من 5 آلاف طلب سنوياً، بينما لا يستطيع دعم سوى ما بين 3 و5% منها، داعية الدول الأعضاء إلى تقديم مساهمات مالية مستدامة وقابلة للتوقع.
دعم المشاركة مع تحفظات على بعض المضامين
وأبدت مجموعة من الدول دعمها العام لدراسة آلية الخبراء، مع اختلاف مواقفها بشأن بعض مضامينها.
ورحبت السويد، نيابة عن دول الشمال الأوروبي، بالدراسة، مؤكدة أن النزاعات تترك آثاراً طويلة الأمد على الشعوب الأصلية، وسلطت الضوء على أوضاع النساء والفتيات الأصليات، داعية إلى تبادل أفضل الممارسات بشأن حمايتهن وضمان مشاركتهن في منع النزاعات وحلها وإعادة الإعمار.
وأكد الاتحاد الأوروبي التزامه بإعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية والقانون الدولي الإنساني، مشيراً إلى أن النزاعات قد تؤدي إلى العنف والتهجير والتدهور البيئي وتقويض النظم الثقافية و التاريخية. وشدد على أهمية المشاركة المتساوية والفعالة للشعوب الأصلية، ودور المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين ووسائل الإعلام المحلية في منع النزاعات.
وفي غواتيمالا، أشارت الحكومة إلى أن 83% من ضحايا الصراع في البلاد ينتمون إلى الشعوب الأصلية، مؤكدة التزامها بجبر الضرر وحفظ كرامة الضحايا والبحث عن المختفين، وطرحت تساؤلات بشأن برامج الانتصاف اللازمة لمعالجة الأضرار الممتدة عبر الأجيال.
أما المكسيك، فأكدت التزامها بضمان المشاركة الكاملة للشعوب الأصلية، مشيرة إلى الإصلاح الدستوري الذي أجرته عام 2024 لإدماج مبادئ إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية، والاعتراف بهم كأصحاب حقوق.

تحفظات وانتقادات لمنهجية الدراسة
في المقابل، أبدت دول أخرى تحفظات على بعض ما ورد في الدراسة أو على منهجية إعدادها.
وقالت بوركينا فاسو، نيابة عن دول الساحل، إن الإجراءات الواردة في الدراسة لم تستهدف مجموعة محددة من الشعوب الأصلية في المنطقة، ورفضت ما وصفته بالمزاعم المتعلقة ببلادها.
كما أكدت مالي أن أراضيها لا تضم، وفق موقفها، مجموعة مصنفة قانونياً كشعوب أصلية، مشددة على أن البلاد تضم شعباً واحداً ذا سيادة واحدة.
وأعربت أذربيجان عن قلقها مما وصفته بإساءة استخدام منبر آلية الخبراء من جانب أفراد يقدمون أنفسهم ممثلين للشعوب الأصلية، معتبرة أن بعض البيانات تُستخدم لنشر روايات سياسية، ودعت إلى الحذر من استخدام منابر الأمم المتحدة لتعزيز خطاب الكراهية أو النزعات الانفصالية.
وانتقدت الهند بعض الإشارات المتعلقة بقبائلها، معتبرة أنها لا تتوافق مع موقفها الدستوري، ودعت الآلية إلى الاعتماد على معلومات موثقة والتشاور مع الدول قبل تضمين المعلومات المتعلقة بها.
كما تحفظت اليابان على ما ورد بشأن سكان أوكيناوا، مؤكدة أنهم مواطنون يابانيون ويتمتعون بالحقوق دون تمييز، بينما انتقدت روسيا منهجية الدراسة، داعية إلى تمثيل أكثر توازناً للمجتمع المدني والاعتماد على معلومات موثقة من الدول المعنية.
الأراضي والموارد والغذاء
وتداخلت خلال النقاش قضايا الأرض والموارد والبيئة مع مسألة حقوق الشعوب الأصلية.
وقالت منظمة الأغذية والزراعة إن النزوح والإخلاء في مناطق النزاعات يؤثران في الأراضي والموارد الغذائية ونظم المعرفة التقليدية، مؤكدة أهمية الاعتراف بالشعوب الأصلية كأصحاب حقوق ومعرفة، وتعزيز الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة والحق في الغذاء والحوكمة المسؤولة للأراضي.
وأكدت البرازيل أهمية معالجة النزاعات بصورة شاملة، بما يشمل أبعادها البيئية والأراضي والموارد الطبيعية، بينما أشارت بيرو إلى تحديات تواجه الشعوب الأصلية والمجتمعات الريفية، بينها حماية الأراضي والبيئة والاتجار بالمخدرات.
كما تناولت مداخلات منظمات المجتمع المدني آثار الأنشطة الاقتصادية والاستخراجية على الأراضي والبيئة، ودعت إلى تعزيز مساءلة الشركات والدول وضمان حقوق المجتمعات المتضررة.
أوكرانيا والقرم.. حقوق الشعوب الأصلية في ظل الحرب
وشكلت الحرب في أوكرانيا أحد الملفات التي طرحتها الدول والمنظمات خلال الحوار.
واتهمت أوكرانيا روسيا بانتهاج سياسات تستهدف حقوق الشعوب الأصلية وهويتها ووجودها في الأراضي الأوكرانية المحتلة، ولا سيما في شبه جزيرة القرم، مشيرة إلى قيود على الحقوق المدنية والثقافية وقمع ممثلي الشعوب الأصلية ومؤسساتهم.
كما تحدث مركز الموارد الخاصة بالقرم عن أوضاع الشعوب الأصلية في شبه الجزيرة، وقال إن نحو 180 من سكان القرم أو أفراد الشعوب الأصلية فيها يقبعون في السجون الروسية، بحسب ما ورد في مداخلته، داعياً إلى تعزيز توثيق هذه الأوضاع.
وفي المقابل، دعت روسيا آلية الخبراء إلى تجنب ما وصفته بتسييس قضية الشعوب الأصلية، والاعتماد على معلومات موثقة والتشاور مع الدول المعنية.
أصوات الشعوب الأصلية: المشاركة حق وليست امتيازاً
وشهد الحوار حضوراً واسعاً لمنظمات الشعوب الأصلية والمدافعين عن حقوقها، الذين ركزوا على قضايا الأرض وتقرير المصير والحماية من الانتقام والمشاركة في صناعة القرار.
وطالبت منظمات من غواتيمالا بإصلاحات دستورية وقانونية لحماية الأراضي والأقاليم والموارد وتعزيز العدالة وإنهاء تجريم المدافعين عن حقوق الشعوب الأصلية.
وفي الهند، دعا المنتدى العالمي للناغا إلى تحقيق مستقل والسماح للأمم المتحدة بالوصول إلى مناطق الناجا، بينما تحدثت اللجنة الدولية لشعوب روسيا الأصلية عن أوضاع قادة ومدافعين عن حقوق الشعوب الأصلية، مطالبة بإنهاء تجريم نشاطهم وحماية المتعاونين مع الأمم المتحدة.
كما أثارت منظمات أخرى أوضاع الشعوب الأصلية في البرازيل وتشيلي والولايات المتحدة والجزائر وأفريقيا، وربطت بين حماية الأراضي والموارد وبين الحق في تقرير المصير والحفاظ على الهوية والثقافة.
وأكدت مؤسسة شعب الماوري أهمية إزالة العوائق أمام مشاركة الشعوب الأصلية في الآليات الدولية، بينما دعا المؤتمر العالمي الأمازيغي إلى حماية المنظمات والمدافعين الذين يتعاونون مع الأمم المتحدة.
الذكرى العشرون للإعلان الأممي
واكتسب الحوار أهمية إضافية مع اقتراب الذكرى العشرين لإعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية، وهو ما انعكس في مداخلات عدد من الدول والمنظمات.
ودعت كوبا إلى تنظيم حلقة نقاش خلال الدورة المقبلة لمجلس حقوق الإنسان لمناقشة الإنجازات والتحديات منذ اعتماد الإعلان، مؤكدة أهمية تعزيز حق الشعوب الأصلية في إدارة أراضيها والمشاركة في صنع القرار.
وفي ختام الحوار، أكدت آلية الخبراء أن المرحلة المقبلة ستتطلب تعزيز المشاركة الفعلية للشعوب الأصلية في عمليات صنع القرار، وعدم التعامل معها باعتبارها مجرد جهات ذات مصلحة، وإنما باعتبارها أصحاب حقوق.
وشددت الآلية على استمرار متابعتها لمزاعم الأعمال الانتقامية ضد المتعاونين معها، وعلى مواصلة العمل لتنفيذ إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية، مع التركيز على العدالة الانتقالية وجبر الضرر وحماية الأراضي والموارد وضمان مشاركة النساء والفتيات والشباب في عمليات السلام والمصالحة.
وبذلك عكس الحوار التفاعلي اتساع نطاق النقاش الدولي حول حقوق الشعوب الأصلية، من حماية الأرض والموارد و الهوية الثقافية إلى المشاركة السياسية وبناء السلام والعدالة الانتقالية، في وقت تؤكد فيه آلية الخبراء أن الاعتراف بهذه الشعوب كأصحاب حقوق يمثل أساساً لضمان مشاركتها الفعلية في القرارات التي ترسم مستقبل مجتمعاتها.