منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

“حقوق الإنسان” يناقش انتهاكات الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتهجير

23 سبتمبر 2026
لقطة من جلسة حقوق الانسان
لقطة من جلسة حقوق الانسان

تتسع ملفات حقوق الإنسان المطروحة أمام مجلس حقوق الإنسان لتشمل قضايا الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتمييز والتهجير القسري، إلى جانب النزاعات المرتبطة بحقوق الشعوب والأقليات، في وقت تتحول فيه جلسات المجلس إلى مساحة لعرض الشهادات والادعاءات الحقوقية، ومطالبة الدول بتوضيح مواقفها والتحقيق في الانتهاكات المنسوبة إلى سلطاتها أو الجهات التابعة لها.

وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال النقاش العام في إطار البند الرابع من جدول الأعمال، الخاص بحالات حقوق الإنسان التي تتطلب اهتمام المجلس، حيث تناولت المداخلات عدداً من الملفات المتعلقة بكشمير، والهجرة واللجوء، وأوضاع الأقليات والشعوب الأصلية، والانتهاكات المرتبطة بالنزاعات المسلحة، إلى جانب قضايا العدالة الانتقالية وجبر الضرر. كما شهدت الجلسة سلسلة طويلة من ممارسات حق الرد بين وفود دول عدة، عكست استمرار الخلافات السياسية والقانونية حول عدد من الملفات الحقوقية.

البند الرابع.. حالات تتطلب اهتمام المجلس

وفي بداية الجلسة، أعلنت الرئاسة أن المجلس كان قد استعرض، خلال اجتماع مغلق، تقارير فريق العمل المعني بالحالات لدورتيه السادسة والثلاثين والسابعة والأربعين في إطار إجراء الشكاوى، مشيرة إلى عدم إحالة أي حالة إلى الفريق للبت فيها خلال الدورة الحالية.

وعقب ذلك استؤنف النقاش العام ضمن البند الرابع، مع تنبيه المتحدثين إلى ضرورة الالتزام بسرعة مناسبة في الحديث، ما يسمح للمترجمين بأداء مهمتهم.

وكانت قضية كشمير من أبرز الملفات التي حضرت في مداخلات المنظمات غير الحكومية؛ إذ تحدث مركز المجتمع لحقوق الإنسان والمناصرة عن حالات احتجاز لأشخاص قال إنهم تعرضوا للسجن بسبب ممارستهم حقوقهم، مشيراً إلى أشخاص أمضوا سنوات طويلة خلف القضبان، وإلى حالات وفاة داخل السجون قال إنها وقعت نتيجة المرض والإهمال.

وطالب المركز مجلس حقوق الإنسان بالتحرك تجاه ما وصفه بالانتهاكات التي يتعرض لها الكشميريون، داعياً إلى وضع حد لهذه الممارسات.

وفي مداخلة أخرى، تحدث ممثل منظمة لم يتضح اسمها بالكامل في التسجيل عن أوضاع أشخاص يعيشون منذ أكثر من أربعة عقود في 104 مخيمات موزعة على 29 مقاطعة في الهند، مشيراً إلى قيود على الحركة والعمل، واعتبر أن بعض الحالات قد ترقى إلى الاحتجاز التعسفي.

وطالب بإغلاق هذه المخيمات والاعتراف بوثائق التنقل، إلى جانب وضع إطار للجوء يتضمن مسائل الجنسية وحق الإقامة، داعياً وزارة الداخلية الهندية إلى معالجة أوضاع هؤلاء الأشخاص بصورة مباشرة.

لقطة من جلسة مجلس حقوق الانسان

أزمات صحية وإنسانية وحقوق المهاجرين

وفي سياق مختلف، تناولت الجمعية الإفريقية الشاملة انتشار الإيبولا في شرق الكونغو، مشيرة إلى سقوط آلاف الضحايا، وداعية إلى فتح ممرات إنسانية تتيح وصول الأدوية والمستلزمات الطبية وتمكن العاملين الصحيين من أداء مهامهم بعيداً عن العنف.

كما تطرقت المنظمة إلى أوضاع المهاجرين في الولايات المتحدة، مطالبة باحترام القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وعدم إعادة الأشخاص إلى دول قد تتعرض فيها حياتهم للخطر.

وتعكس هذه المداخلة اتساع مفهوم الحماية الذي يناقشه المجلس، بحيث لا يقتصر على الانتهاكات المباشرة، وإنما يشمل أيضاً ضمان وصول المدنيين إلى الخدمات الصحية والمساعدات الإنسانية، وحماية الأشخاص الذين قد يواجهون مخاطر في حال إعادتهم إلى بلدانهم.

حرب الريف المغربي.. مطالب بالحقيقة والعدالة وجبر الضرر

ومن الملفات التاريخية التي عادت إلى طاولة النقاش قضية سكان الريف المغربي، حيث سلط منتدى البحر الأبيض المتوسط لتعزيز حقوق الإنسان الضوء على ما وصفه بالأضرار التاريخية التي تعرض لها سكان المنطقة خلال حرب الريف عام 1921.

وأشارت المنظمة إلى ادعاءات تاريخية بشأن استخدام أسلحة كيميائية، بينها غاز الخردل، خلال السنوات اللاحقة، مطالبة بتطبيق مبادئ العدالة الانتقالية، ومنها الحق في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة وجبر الضرر وتوفير ضمانات عدم التكرار.

كما وجهت سؤالاً إلى المقرر الخاص بشأن إمكانية وضع مسار أممي لجبر الضرر الواقع على سكان الريف المغربي.

وتضع هذه المداخلة ملف العدالة الانتقالية في صلب النقاش الحقوقي، باعتبارها آلية لمعالجة آثار الانتهاكات التاريخية من خلال كشف الحقيقة والمساءلة والتعويض وإصلاح المؤسسات، ما يمنع تكرار الانتهاكات.

لجنة حقوق الإنسان في باكستان تعيد طرح ملف كشمير

بدورها، أشارت لجنة حقوق الإنسان في باكستان إلى متابعتها لأوضاع جامو وكشمير، وتحدثت عن ادعاءات تتعلق بالاختفاء القسري والاحتجاز المطول والتعسفي، وملاحقة نشطاء بموجب قوانين مكافحة الإرهاب.

وذكرت المداخلة أسماء عدد من القادة والنشطاء، بينهم شوكت نواز ميرا، وعمر نذير الكشميري، وخواجه مجاهد إشهاد، إلى جانب الحديث عن حرمان بعض المحتجزين من الرعاية الطبية والانتقام من المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء.

ودعت اللجنة المجلس إلى التحقق من هذه الادعاءات وضمان المساءلة عن الانتهاكات التي قالت إنها تمس الحريات الأساسية والحيز المدني وسيادة القانون.

وفي مداخلة لاحقة بشأن القضية نفسها، جدد متحدث المطالبة بإجراء تحقيقات مستقلة في الانتهاكات، وفتح المجال أمام آليات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، مع تأكيد حماية حقوق الشعب الكشميري وعدم استخدام القوانين غطاءً للتهرب من الالتزامات الحقوقية.

حقوق الأقليات والشعوب الأصلية

وامتد النقاش إلى قضايا الأقليات والشعوب الأصلية، حيث أثارت جمعية كامانيكا الالتزامات التي ترتبت، بحسب مداخلتها، بموجب معاهدة لوزان تجاه الأقلية الأرثوذكسية في إسطنبول، مشيرة إلى تراجع أعداد أفرادها بصورة كبيرة خلال العقود الماضية.

وقالت المنظمة إنها حاولت الحوار مع الحكومة التركية ودعم عودة أفراد الأقلية من الشتات، لكنها لم ترَ تقدماً ملموساً، داعية الدول المعنية إلى احترام التزاماتها تجاه الأقليات ودعم تنميتها.

وفي ملف آخر، أثارت لجنة تنسيق الشعوب الأصلية في إفريقيا مخاوف بشأن المناطق التي تعيش فيها الشعوب الأصلية، ولا سيما تقليص المساحات المتاحة لها وبناء مرافق سياحية على أراضيها.

ودعت المنظمة الحكومة إلى ضمان التشاور مع الشعوب الأصلية في القرارات المتعلقة بالأراضي، وحماية حقوقها وعلاقتها التاريخية والثقافية بها.

حق الرد.. خلافات سياسية تحت مظلة حقوق الإنسان

بعد انتهاء المداخلات، انتقل المجلس إلى ممارسة حق الرد، حيث تحولت الجلسة إلى ساحة لمناقشات متبادلة بين عدد من الدول بشأن ملفات كشمير وقبرص وشينجيانغ والاختطاف والحقوق السياسية والحريات العامة.

فقد رفضت تركيا توصيف وجودها في قبرص بأنه احتلال، وقالت إن تدخلها جاء لحماية القبارصة الأتراك. كما تحدثت عن انتهاكات مستمرة قالت إنها تطول حقوق القبارصة الأتراك وتضع قيوداً على مشاركتهم في المؤسسات والمحافل الدولية، مشيرة إلى مبادرات تتعلق بالتعايش وتسوية مطالب الملكية والتعويض.

وفي المقابل، رفضت قبرص الرواية التركية، واتهمت أنقرة بمحاولة صرف انتباه المجلس عن آثار وجودها في الجزيرة، وقالت إن سياسات تركيا أدت إلى استمرار الانقسام وتشريد آلاف القبارصة. ودعت إلى تنفيذ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وتعزيز التعاون مع لجنة المفقودين، ومعالجة قضايا الحقوق الدينية والثقافية والتعليمية.

وعادت قبرص في رد ثانٍ إلى رفض الرواية التركية، مؤكدة تمسكها بجزيرة موحدة تضمن حقوق جميع القبارصة وكرامتهم.

كشمير.. مواجهة بين الهند وباكستان

وكان ملف جامو وكشمير من أكثر الملفات حضوراً في حق الرد.

فقد ردت الهند على ما وصفته بالمراجعة التاريخية غير المقبولة من جانب باكستان، مؤكدة أن جامو وكشمير جزء لا يتجزأ من الهند، ورافضة الاتهامات التي وردت في المداخلة الباكستانية.

وفي المقابل، رفضت باكستان الموقف الهندي، مؤكدة أن الإقليم ليس جزءاً من الهند، ومعتبرة أن الوضع القائم ينتهك القانون الدولي وحق شعب جامو وكشمير في تقرير المصير. كما وجهت اتهامات إلى الهند بشأن الإرهاب والقمع ضد خصومها، وأشارت إلى ما وصفته بدعم جماعات مسلحة في بلوشستان.

ويكشف تبادل الردود بين البلدين عن استمرار التباين الحاد في تفسير الوضع القانوني والسياسي للإقليم، إلى جانب الخلاف حول الادعاءات المتعلقة بالاحتجاز والاختفاء القسري والحريات الأساسية.

الصين ترفض الانتقادات وتتهم بانتقائية حقوقية

ومارست الصين حق الرد على مداخلات فنلندا وأيرلندا والسويد وألمانيا والدنمارك وعدد من المنظمات غير الحكومية، رافضة الاتهامات المتعلقة بحقوق الإنسان في شينجيانغ وغيرها من المناطق.

واعتبرت بكين هذه القضايا شأناً داخلياً، واتهمت بعض الدول باستخدام مجلس حقوق الإنسان لانتقاد الصين، مؤكدة أن حقوق المجموعات الإثنية مصونة.

كما انتقدت التدخل في الشؤون الداخلية والتدابير القسرية الأحادية، ودعت الدول التي تنتقد سجلها الحقوقي إلى النظر في أوضاع حقوق الإنسان لديها.

وعادت الصين في حق رد ثانٍ إلى انتقاد اليابان، مستشهدة بالذكرى الثمانين لمحاكمات طوكيو، وقالت إن بعض الكتب المدرسية اليابانية، بحسب موقفها، تقلل من شأن المذابح وجرائم الحرب المرتبطة بالماضي الياباني، داعية طوكيو إلى اتخاذ إجراءات لمعالجة ما وصفته بالظلم التاريخي.

اليابان وكوريا الديمقراطية.. قضية الاختطاف والتاريخ

وفي المقابل، رفضت كوريا الديمقراطية الشعبية إشارات اليابان إلى قضية الاختطاف، مطالبة طوكيو بالاعتراف بما وصفته بجرائم ارتكبتها خلال القرن الماضي، واعتبرتها جرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.

كما انتقدت اليابان بسبب مواقفها من حقوق الإنسان في الصين، وجددت دعمها لمبدأ الصين الواحدة، رافضة الانتقادات المتعلقة بشينجيانغ والتبت وهونغ كونغ.

وردت اليابان بتأكيد تمسكها بميثاق الأمم المتحدة والعدالة والديمقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان، مشيرة إلى تقدم الضحايا وأسرهم في السن، ومطالبة بيونغ يانغ بحل قضية الاختطاف في أسرع وقت.

وفي رد ثانٍ، جددت كوريا الديمقراطية مطالبتها اليابان بتحمل مسؤوليتها التاريخية، وإظهار الندم والمساءلة والانخراط في حوار حقيقي بدلاً من توجيه الاتهامات إلى دول أخرى.

السودان.. تبادل الاتهامات بشأن الانتهاكات

وفي ملف السودان، رفضت الخرطوم ما ورد في بيان منظمة فونداسيون فيدا من اتهامات للحكومة والجيش، مؤكدة التزام القوات المسلحة السودانية بالقانون الدولي الإنساني وعدم استخدام الأسلحة المحظورة.

وأشارت إلى عضوية السودان في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، في حين اتهم البيان، بحسب ما ورد في المادة، قوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات ممنهجة بحق المدنيين، منها الاستهداف العرقي والإبادة الجماعية.

ودعا الرد السوداني إلى قراءة التقارير الأممية والحقوقية المتعلقة بالانتهاكات في البلاد.

بيلاروس وليتوانيا.. السجناء السياسيون وحقوق الإنسان

ورفضت بيلاروس الاتهامات التي وجهتها إليها وفود غربية، مؤكدة أن إجراءاتها تستند إلى دستورها بهدف ضمان القانون والنظام، وانتقدت ما وصفته بازدواجية المعايير لدى الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى قضايا تتعلق بحرية الإعلام والحقوق في عدد من الدول الأوروبية.

وفي المقابل، اتهمت ليتوانيا بيلاروس باللجوء إلى الطرد القسري وسجن سجناء سياسيين في ظروف قالت إنها تتسم بسوء المعاملة والتعذيب وغياب الرعاية الصحية.

وأشارت إلى وصول 25 سجيناً أُفرج عنهم إلى ليتوانيا دون جوازات سفر، معربة عن قلقها من اعتقالات جديدة وقيود على حق التظاهر، وداعية إلى الإفراج عن جميع السجناء السياسيين.

ملفات أخرى في حق الرد

وتناولت إندونيسيا أوضاع المهاجرين في بابوا، مؤكدة التزام الحكومة بحمايتهم وتوفير المساعدة الأساسية وضمان عودتهم بصورة آمنة، كما أشارت إلى أعمال عنف ضد المدنيين من جماعات مسلحة.

وانتقدت كوبا ما وصفته بازدواجية المعايير في تناول قضايا حقوق الإنسان، وأثارت قضايا تتعلق بالتمييز ضد الروما، ومواقف جمهورية التشيك من إسرائيل والحرب في غزة وحقوق الشعب الفلسطيني، كما انتقدت الحصار الأمريكي وتأثيره، بحسب موقفها، في حقوق النساء والأطفال.

حقوق الإنسان بين التوثيق والخلاف السياسي

وتكشف جلسات البند الرابع أن مجلس حقوق الإنسان لا يناقش الانتهاكات في فراغ سياسي؛ فالكثير من الملفات الحقوقية المطروحة ترتبط بنزاعات حدودية أو صراعات مسلحة أو خلافات تاريخية بين الدول.

لكن جوهر النقاش الحقوقي يظل مرتبطاً بمجموعة من المبادئ التي تكررت في المداخلات، منها التحقيق المستقل، والمساءلة، وعدم الإفلات من العقاب، وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، وضمان الحريات الأساسية، ومنع الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري، وحماية الأقليات والشعوب الأصلية.

وفي المقابل، أظهرت ممارسة حق الرد أن الدول المعنية غالباً ما تقدم روايات مختلفة بشأن الوقائع نفسها، وهو ما يجعل التحقق المستقل من الادعاءات، والوصول إلى المعلومات والضحايا وآليات الأمم المتحدة، عناصر أساسية في أي تقييم حقوقي.

ومع ختام البند الرابع، بدت الملفات المطروحة أمام المجلس متجاوزة للحدود الجغرافية للدول، من كشمير وقبرص وصولاً إلى السودان، ومن شينجيانغ إلى حقوق الأقليات والشعوب الأصلية، ما يعكس اتساع أجندة مجلس حقوق الإنسان، واستمرار الحاجة إلى آليات تحقق ومساءلة تضع حماية الإنسان في مركز النقاش، بعيداً عن الخلافات السياسية التي ترافق كثيراً من هذه الملفات.