منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أشعر بالذنب تجاه من تركتهم في أفغانستان.. بينما أتمتع بالحرية

17 أغسطس 2026
جندي من طالبان يقف حارساً بينما تصل النساء لتلقي الإمدادات الغذائية في كابول، 25 مارس 2025.
جندي من طالبان يقف حارساً بينما تصل النساء لتلقي الإمدادات الغذائية في كابول، 25 مارس 2025.

* نيلوفر هدايات

بعد خمس سنوات على عودة طالبان إلى السلطة، أصبحت الحياة، خصوصًا بالنسبة إلى النساء، مروِّعة، يجب أن نبقي قصص الناس حية، وأن نأمل في أن يستعيدوا حريتهم مرة أخرى.

تتراجع القصص القادمة من أرض مولدي شيئًا فشيئًا، في السابق، كنت أفتح “إنستغرام” فأرى أبناء عمومتي يؤدون مزامنة الشفاه مع مقاطع الفيديو الرائجة، ويتخذون صورًا مع الزهور في حديقة للورد أو في مقهى عصري، بأجمل ملابسهم، ويسجلون تفاصيل حياتهم، وكنت أسمع أصدقاء بريطانيين من أصل أفغاني يتحدثون عن رحلاتهم الأخيرة إلى أقاليم وبلدات ومدن أجدادهم، وعن حماسهم للتعرف إلى تراثهم. وكنت أنتظر بشغف أحدث مقطع غنائي لنجوم البوب العديدين في أفغانستان، الذين كانوا جميعًا يتنافسون على تقديم الأغنية الأكثر رواجًا في حفلات الزفاف، ليس في أفغانستان فحسب، بل في أنحاء العالم، كانت أفغانستان وثقافتها وشعبها تبدو أقرب إليّ آنذاك.

قبل خمس سنوات من اليوم، تحطم السلام الهش للديمقراطية الجديدة الهشة بسبب انسحاب القوات العسكرية والجماعات الدبلوماسية والخيرية الغربية التي تدخلت في مصير البلاد منذ عام 2001، وفجأة، في يوم الأحد 15 أغسطس 2021، انهارت أفغانستان وتُركت لمصيرها.

قضيت بقية الشهر ملتصقة بهاتفي، أراقب مجموعات “واتساب” التي كانت تظهر كل يوم أو نحو ذلك، بينما يطلب الناس المعلومات والمساعدة، ويتوسلون إليّ لإخراجهم من البلاد، لأننا كنا جميعًا نعرف ما هو قادم، رغم أن بقية العالم بدا متأخرًا عن إدراك ذلك.

ركزت معظم جهودي على إجلاء صديقة واحدة من كابول، كانت مديرة مدرسة، وكان منزلها أول مكان أذهب إليه دائمًا عندما أزور أفغانستان، واضطررت إلى خوض محادثات هاتفية بالغة القسوة معها.

قلت لها: “لا يمكنك إحضار أطفالك أو زوجك.. لا أستطيع أن أفعل هذا إلا من أجلك”، وكانت توافق.. وكنت أقول لها: “أعتقد أنني أستطيع إيصالك إلى ألبانيا أو قطر، لكن ربما تبقين في مخيم للاجئين لأشهر أو سنوات”، وكانت توافق.

وجاء أقرب احتمال لإخراجها بعد ستة أشهر، في فبراير 2022، وتمكنت أخيرًا من الحصول على جواز سفر لها، في وقت كان فيه الحصول عليه شبه مستحيل، لكن الوقت كان قد فات بحلول ذلك الحين… كانت طالبان تدير المطار وفرضت قيودًا مشددة على مغادرة الأفغان للبلاد.

وكانت آخر محادثة هاتفية بيننا واحدة من أصعب المحادثات في حياتي، واضطررت إلى إخبار المرأة التي ألهمتني لفترة طويلة، والناشطة النسوية التي دافعت طوال حياتها عن التعليم وتحقيق الذات، بأنني سأتوقف عن محاولة إنقاذها.

قلت لها: “لقد جربت كل ما يمكنني التفكير فيه، وضغطت على كل شخص أعرفه، لكنني لا أستطيع أن أضعك على متن رحلة تغادر البلاد”، شعرت بأن روحها انكسرت، بينما انهار مصيرها المجهول إلى حقيقة واحدة: حياة تحت حكم طالبان.

وبنبرة أعلى مما سمعت صوتها بها من قبل، أخبرتني أن هذا الأمر سيلحق الفوضى بمرض السكري الذي تعاني منه أصلًا ويصعب السيطرة عليه، وأنها لن تعمل أو تعتمد على نفسها مرة أخرى، ثم طرحت عليّ سؤالًا مروعًا: أليس من الأفضل أن تنهي حياتها الآن بدلًا من الاستمرار؟.

فقد كانت هذه هي المرة الثانية في حياة صديقتي التي تضطر فيها إلى العيش في ظل نظام طالبان، ولم يتحدث أي منا خلال صمت طويل ومؤلم، بينما شعرنا معًا بثقل العجز المكتسب الذي ستصبح هي وملايين الأفغان على معرفة وثيقة به، وانقطع الاتصال.

ومنذ ذلك الحين، تباعدت حياتانا إلى حد يجعل إجراء محادثة حقيقية بيننا أمرًا مستحيلًا، نحاول التحدث، لكن الأمر يبدو كما لو أن خط الهاتف يصل بين عالمين متوازيين.. عالمي مليء بالعمل والتجمعات العائلية والحفلات وخطط العطلات، بينما عالمها مليء بالقنابل و”شرطة الأخلاق” والعيش يومًا بيوم.

ومع ولادة إمارة أفغانستان التي يحكمها نظام طالبان بحكم الأمر الواقع، تغيرت الحياة على الفور بالنسبة إلى عائلتي وأصدقائي، وأسفر الهجوم المنهجي على النساء عن دعوة الأمم المتحدة إلى الاعتراف بالفصل العنصري على أساس النوع الاجتماعي باعتباره جريمة منفصلة ضد الإنسانية.

تقول صديقة كانت تبلغ من العمر 14 عامًا وقت تخلي الغرب عن أفغانستان: “خلال الحكومة السابقة، كانت أمي تجبرني على الذهاب إلى المدرسة، وحضور دروس التايكوندو، وزيارة المكتبة.. كانت تريدني أن أتعلم وأن تتاح لي الفرص.. أما والدي فيوافق على قواعد طالبان.. ويعتقد أنه ينبغي أن أحصل على المال من زوجي المستقبلي بدلًا من ذلك.. بالنسبة إليّ، أشعر وكأنني أُباع، وهذا أمر لا أستطيع قبوله”.

لم تكن حربًا على أساس النوع الاجتماعي وحدها هي التي كانت مستعرة في أفغانستان، ففي فبراير 2026، أعلنت باكستان “حربًا مفتوحة” مع جارتها، وشنت غارات جوية أوقعت مئات القتلى، وشردت آلافًا آخرين، ودمرت حياة كثيرين.

تحدثني إحدى قريباتي عن الخوف الخالص الذي أثارته هذه الغارات الجوية في نفوس سكان كابول، تقول: “كان الأمر مخيفًا حقًا.. كانت الطائرات المسيرة الباكستانية تشن هجمات صاروخية، ولم نكن نستطيع سوى رؤية ألسنة اللهب وسماع الانفجارات في حالة من اليأس، ظللت أفكر في أن صاروخًا قد يصيب منزلنا هذه المرة”.

ويضاف إلى ذلك 6 ملايين لاجئ أُجبروا على العودة إلى أفغانستان من جانب إيران وباكستان، واجتماع الاتحاد الأوروبي مع طالبان في بروكسل لإجراء محادثات مغلقة، ومواجهة نصف السكان انعدامًا حادًا للأمن الغذائي.

وليس الأمر أن أمورًا مماثلة لم تحدث في أفغانستان قبل أغسطس 2021، بل إنني كنت أسمع أيضًا قصصًا أخرى؛ قصصًا عن البطولة، والنضال من أجل الديمقراطية، ومشهد فني آخذ في الازدهار، أو حتى مراهقين يمارسون التزلج وهم يجوبون شوارع كابول، أما الآن، فهناك القليل جدًا مما يمكن فعله، وحركة محدودة للغاية، إلى درجة أن كل شخص تقريبًا أتحدث إليه في أفغانستان يبدو وكأنه يختنق.. ولا يوجد أي تشتيت أو متنفس من المعاناة البائسة التي يعيشها الأفغان يوميًا.

ويبقى السؤال الآن: كيف تبدو المقاومة والصمود؟ طالبان ليست أمرًا حتميًا، فعلى امتداد تاريخها بأكمله، حكمت البلاد نصف المدة التي قضتها القوات البريطانية والأمريكية في أفغانستان، أي 10 سنوات.

ويجب على الشعب الأفغاني أن يبقي قصصه حية، وأن يحافظ على حكايات من نحن وما نحن عليه، ليساعدنا ذلك في إعادة بناء هوية من صنعنا نحن، بعيدًا عن الاحتلال والحكم الديني القاسي، عندما يأتي اليوم الذي لا تعود فيه طالبان موجودة.

وبالنسبة إليّ، سيعني ذلك الاتصال بصديقتي لمعرفة تفاصيل حياتها، وإجراء، للمرة الأولى منذ خمس سنوات، تلك المحادثة المستحيلة.

*صحفية أفغانية- بريطانية

نقلاً عن صحيفة الغارديان

ترجمة: زينب مكي