اعتمد مجلس حقوق الإنسان، دون تصويت، مشروع القرار L.24 المعنون “أثر الألغام المضادة للأفراد على التمتع الكامل بجميع حقوق الإنسان، وتعزيز مساعدة الضحايا”، في ختام الاجتماع الثاني والأربعين من الدورة الثالثة والستين للمجلس، بمشاركة واسعة من الدول، وسط تأكيد على ضرورة وضع الضحايا والناجين والمجتمعات المتضررة في صميم جهود مكافحة الألغام.
جاء اعتماد القرار ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، في وقت تتواصل فيه المخاطر الإنسانية والحقوقية الناجمة عن الألغام المضادة للأفراد ومخلفات الحرب من المتفجرات، والتي لا تنتهي آثارها بانتهاء النزاعات، بل قد تستمر لعقود، وتحرم السكان من الوصول الآمن إلى الأراضي والخدمات الأساسية وسبل العيش.
وقدمت الجزائر مشروع القرار باسم المجموعة الأساسية التي تضم إلى جانبها كرواتيا وموزمبيق وبيرو وجنوب أفريقيا والمملكة المتحدة وفانواتو، فيما أعلنت الأمانة وجود 46 دولة إضافية مقدمة للرعاية.
الضحايا في صميم القرار
أكدت الجزائر، خلال تقديم مشروع القرار، أن الضحايا يمثلون محور النص، مشيرة إلى أن وراء كل إحصائية شخصًا تغيرت حياته في لحظة واحدة بسبب لغم أو مخلف حربي متفجر.
ووفقًا للبيانات التي استند إليها مقدمو القرار، كان نحو 90% من القتلى أو المصابين بسبب الألغام المضادة للأفراد ومخلفات الحرب من المتفجرات في عام 2024 من المدنيين، وكان ما يقرب من نصفهم من الأطفال.
وأكدت الجزائر أن الألغام لا تقتصر آثارها على التسبب في القتل أو الإصابة، وإنما تقوض مجموعة واسعة من حقوق الإنسان، من بينها الحق في الحياة والحرية والأمن وحرية التنقل، كما تحول الأراضي والطرق إلى مناطق محفوفة بالمخاطر.
كما تؤثر الألغام في الحق في التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والعقلية، وتعرقل الوصول إلى التعليم وسبل العيش والخدمات الأساسية، فضلًا عن تأثيرها في التمتع ببيئة نظيفة وصحية ومستدامة.
وأوضحت الجزائر أن آثار الإصابات قد تمتد طوال حياة الناجين، في ظل معاناة العديد من البلدان النامية من محدودية قدرتها على توفير الرعاية الطبية وإعادة التأهيل والدعم النفسي والاجتماعي.
ولا تتوقف التداعيات عند الضحية المباشرة، إذ تتحمل الأسر خسارة الدخل وزيادة أعباء الرعاية، بينما قد يواجه الناجون صدمات نفسية ووصمًا اجتماعيًا وإقصاءً اقتصاديًا.
نقص تمويل مساعدة الضحايا
أبرزت الجزائر فجوة التمويل التي تواجه برامج مساعدة ضحايا الألغام، مشيرة إلى أن هذه المساعدة لا تحصل إلا على نحو 5% من تمويل الإجراءات المتعلقة بالألغام.
وأكدت أن الاختلافات بين الدول بشأن الألغام المضادة للأفراد لا ينبغي أن تحول دون الاتفاق على مبدأ أساسي يتمثل في عدم ترك المتضررين خلف الركب.
وأشادت في هذا السياق بجهود مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، ودائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام، ووحدة دعم تنفيذ اتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد، إلى جانب منظمات المجتمع المدني، ومنها الحملة الدولية لحظر الألغام الأرضية والتحالف الدولي لمجموعات ضحايا الألغام العنقودية.
وأكدت الجزائر أن مكافحة الألغام ليست مجرد عملية لإزالة المتفجرات، وإنما ترتبط بحماية حقوق الإنسان واستعادة الكرامة وتمكين الناجين والمجتمعات المتضررة من استعادة حياتهم.

دعم دولي واسع للقرار
رحبت دول عدة بمشروع القرار، مؤكدة أهمية الجمع بين القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في التعامل مع آثار الألغام.
وقالت تايلاند إن الألغام المضادة للأفراد تترك آثارًا عميقة وطويلة الأمد على الأفراد والأسر والمجتمعات، مرحبة بتركيز القرار على مساعدة الضحايا والمشاركة الهادفة للناجين وتعزيز القدرات الوطنية.
وأكدت أهمية إدماج مساعدة الضحايا في أطر التنمية والإدماج الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة، مع مراعاة الاحتياجات المختلفة للضحايا على أساس النوع الاجتماعي والإعاقة.
كما أعلنت تايلاند تمسكها بعالم خال من الألغام المضادة للأفراد، داعية إلى اعتماد القرار بتوافق الآراء.
وأيد العراق مشروع القرار، مشيرًا إلى الآثار الجسدية والنفسية والاقتصادية طويلة الأمد للألغام، ومؤكدًا أهمية جهود الأمم المتحدة والدول في إزالة الألغام وتوفير التمويل اللازم.
أما جزر مارشال، فسلطت الضوء على التحديات الخاصة التي تواجه الدول الجزرية الصغيرة، بسبب التوزع الجغرافي ومحدودية القدرات الوطنية وارتفاع تكلفة الوصول إلى المجتمعات النائية.
وربطت بين مخلفات الحرب من المتفجرات والتغير المناخي، موضحة أن ارتفاع مستوى سطح البحر وتآكل السواحل والفيضانات وارتفاع أمواج العواصف يمكن أن يكشف هذه المخلفات أو يؤدي إلى انتقالها، بما يخلق مخاطر إضافية على المجتمعات الساحلية والجزرية.
الألغام والتغير المناخي والفقر
رحبت غامبيا بالتركيز على التحديات التي تواجه البلدان النامية، وخاصة أقل البلدان نموًا، حيث تؤثر محدودية الموارد المالية والتقنية والمؤسسية في قدرة الدول على التعامل مع الآثار الممتدة للألغام.
ودعت إلى تقديم المساعدة التقنية وبناء القدرات بصورة مستدامة ويمكن التنبؤ بها، بما يضمن تحويل الالتزامات الدولية إلى تحسينات فعلية في حياة الضحايا.
كما أكدت إثيوبيا أهمية المساعدة الشاملة وغير التمييزية، بما يشمل إعادة التأهيل الطبي والدعم النفسي وإعادة الإدماج الاجتماعي والاقتصادي وإتاحة الوصول للأشخاص ذوي الإعاقة.
وربطت دول عدة بين الإجراءات المتعلقة بالألغام وأهداف التنمية المستدامة، خاصة في البلدان التي تواجه قيودًا مالية ومؤسسية وتحتاج إلى توجيه مواردها المحدودة إلى الخدمات الأساسية.
جنوب أفريقيا: الألغام تهديد طويل الأمد للإنسانية
وأعربت جنوب أفريقيا عن دعمها للقرار باعتبارها دولة ملتزمة باتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد، مشيرة إلى أن العواقب الكارثية لهذه الأسلحة على الضحايا والأسر والمجتمعات كانت من بين العوامل التي دفعتها إلى المشاركة في المفاوضات المتعلقة بالاتفاقية.
وحذرت من إضعاف القواعد الدولية التي تهدف إلى الحد من المعاناة الإنسانية، معتبرة أن استخدام منطق “الآخرون يستخدمونها، فلماذا لا نستخدمها نحن؟” يمثل سباقًا نحو القاع بالنسبة للإنسانية.
وأكدت أن احتياجات الناجين تستمر طوال حياتهم، حتى مع تغير أولويات الجهات المانحة، داعية إلى تمويل دولي مستدام لمساعدة الضحايا، خصوصًا في القارة الأفريقية التي تتحمل بلدانها جزءًا كبيرًا من عبء التلوث بالألغام.
كما شددت المملكة المتحدة على أن الألغام المضادة للأفراد “قتلة خفيون” يستمر خطرهم بعد انتهاء النزاعات، مشيرة إلى استمرار تلوث 57 دولة ومنطقة بالألغام المضادة للأفراد ومخلفات الحرب من المتفجرات.
وأوضحت أن الناجين قد يحتاجون إلى عمليات جراحية وإعادة تأهيل وأطراف اصطناعية ودعم مستمر، في حين تُحرم مجتمعات بأكملها من الوصول الآمن إلى الخدمات الصحية والتعليم والأراضي الزراعية والبنية التحتية.

الصين: معالجة المسألة بموضوعية وتوازن
أعلنت الصين انضمامها إلى توافق الآراء بشأن القرار، مستعرضة ما قالت إنه دعم قدمته منذ عام 1998 لأكثر من 40 دولة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، من خلال التدريب والمعدات والمساعدة في إزالة الألغام ومساعدة الضحايا.
وأشارت إلى تنظيم نحو 30 دورة تدريبية دولية في مجال العمل الإنساني، إضافة إلى مشاركة قوات حفظ السلام الصينية في إزالة الألغام والأجهزة المتفجرة غير المنفجرة في لبنان.
وفي الوقت نفسه، أكدت بكين أن الألغام يمكن أن تشكل خطرًا إنسانيًا، لكنها قد تكون أيضًا وسيلة دفاع مشروعة للدول ذات السيادة، داعية إلى معالجة المسألة بموضوعية وتوازن.
خلافات حول اتفاقية أوتاوا وولاية المجلس
ورغم التوافق على اعتماد القرار، ظهرت خلال النقاشات مواقف متباينة بشأن العلاقة بين القرار واتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد، وكذلك بشأن مدى ملاءمة مناقشة بعض جوانب الألغام داخل مجلس حقوق الإنسان.
وقالت كوبا إنها لا تستطيع دعم النص، معتبرة أنه يتجاوز بوضوح ولاية المجلس ويدخل في قضايا نزع السلاح والدفاع والأمن، وهي ملفات ترى هافانا أن مكانها الأساسي اللجنة الأولى للجمعية العامة والاتفاقيات الدولية المختصة.
وأكدت كوبا معارضتها للاستخدام العشوائي وغير المسؤول للألغام، لكنها رفضت نهج الحظر الكامل، معتبرة أن للدول حقًا مشروعًا في الدفاع عن نفسها وحماية أراضيها.
من جهتها، أكدت سويسرا أهمية تعزيز المعايير الدولية القائمة، مشددة على أن مساعدة الضحايا ينبغي أن تكون جزءًا أساسيًا من الإجراءات المتعلقة بالألغام، وأن الوصول إلى الخدمات يجب أن يستند إلى الاحتياجات الفعلية للشخص، لا إلى سبب إصابته أو إعاقته.
كما ربطت سويسرا بين مساعدة ضحايا الألغام واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، داعية إلى ضمان عدم التمييز في الحصول على الخدمات.
مصر: ملايين الألغام خلفتها الحرب العالمية الثانية
وسجلت مصر موقفًا مهمًا خلال تفسير التصويت، مؤكدة دعمها للقرار وترحيبها بتركيزه على تعزيز مساعدة الضحايا.
وأوضحت القاهرة أن مصر تواجه بدورها مشكلة واسعة تتعلق بالألغام الأرضية والذخائر المتروكة أو غير المنفجرة في الجزء الشمالي الغربي من البلاد، خلفتها معارك الحرب العالمية الثانية.
وأكدت أن هذه الألغام حصدت أرواح مصريين وأطرافهم، وأعاقت التنمية وجعلت مساحات واسعة غير مأهولة، مشيرة إلى أهمية معالجة الآثار المستمرة لهذه المخلفات على السكان والتنمية.
ورحبت مصر بالتعاون الدولي ومساعدة الضحايا، لكنها شددت في الوقت نفسه على أهمية معالجة مسؤوليات الدول التي زرعت ألغامًا خارج أراضيها وفي أراضي دول أخرى، بما يضمن تقديم مساعدة شاملة ومتسقة للضحايا.
وأكدت القاهرة أنها لم تنضم إلى اتفاقية أوتاوا، معتبرة أن الاتفاقية لم تعالج بصورة كافية هذه المسألة، وأنها لا ينبغي أن تكون المرجعية الوحيدة عند مناقشة الآثار المترتبة على حقوق الإنسان للاستخدام غير المشروع للألغام المضادة للأفراد.
كما أوضحت مصر أن مشروع القرار لا ينبغي تفسيره بما يقلل من قدرة الدول على استخدام الألغام لأغراض دفاعية مشروعة، ووفق احتياجاتها الأمنية والتزاماتها القانونية ذات الصلة.
وبشأن الإشارات إلى اتفاقية أوتاوا في القرار، بما في ذلك الفقرة الثالثة من منطوقه، أعلنت مصر النأي بنفسها عنها، لكنها في الوقت ذاته انضمت إلى توافق الآراء بشأن مشروع القرار.
باكستان تنضم إلى التوافق مع النأي عن فقرة
وسجلت باكستان موقفًا مشابهًا، إذ رحبت بالتركيز على مساعدة الضحايا وحماية المدنيين، لكنها أكدت أهمية تحقيق توازن بين الآثار الإنسانية للألغام والاستخدام الذي تعتبره بعض الدول مشروعًا لأغراض دفاعية.
وأشارت إسلام آباد إلى عضويتها في اتفاقية الأسلحة التقليدية وبروتوكولاتها، معتبرة أن البروتوكول الثاني المعدل هو الإطار المناسب لمعالجة الشواغل الإنسانية المرتبطة بالألغام مع مراعاة الاحتياجات الأمنية والدفاعية للدول.
وأكدت أن هناك محافل متخصصة للأمم المتحدة معنية بنزع السلاح، وأن مجلس حقوق الإنسان ينبغي ألا يتجاوز ولايته إلى تنظيم نظم أسلحة محددة.
كما شددت على ضرورة احترام حق الدول السيادي في الانضمام إلى الصكوك القانونية الدولية، وأعلنت استعدادها للانضمام إلى توافق الآراء بشأن القرار، مع النأي بنفسها عن الفقرة الثالثة من منطوقه، وطلبت تسجيل هذا الموقف في تقرير الدورة.
القرار يضع الناجين في قلب الاستجابة الدولية
وفي ختام المناقشات، لم يُطلب إجراء تصويت على مشروع القرار L.24، وأعلن رئيس الجلسة اعتماد النص دون تصويت.
ويعكس اعتماد القرار توافقًا واسعًا على ضرورة التعامل مع الألغام المضادة للأفراد من زاوية آثارها الإنسانية والحقوقية، حتى مع استمرار الخلاف بين الدول بشأن الحظر الكامل لهذه الأسلحة، ومرجعية اتفاقية أوتاوا، واستخدام الألغام في بعض السياقات الدفاعية.
ويؤكد القرار، في جوهره، أن إزالة الألغام ليست نهاية المسؤولية، إذ يحتاج الناجون إلى رعاية طبية وإعادة تأهيل ودعم نفسي واجتماعي وفرص للاندماج الاقتصادي والاجتماعي، بينما تحتاج المجتمعات المتضررة إلى استعادة الوصول إلى أراضيها وخدماتها الأساسية.
وبذلك يضع مجلس حقوق الإنسان حقوق الضحايا والناجين وكرامتهم وقدرتهم على استعادة حياتهم في قلب الجهود الدولية لمواجهة إرث الألغام، مع التأكيد على أن استمرار الدعم الدولي والتمويل المستدام يمثلان شرطًا أساسيًا حتى لا يتحول انتهاء النزاع إلى بداية جديدة لمعاناة طويلة الأمد.
