منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

سوريا تواجه إرثاً قاتلاً.. مئات الضحايا سنوياً وملايين المدنيين تحت تهديد الألغام

16 يونيو 2026
حقل ألغام
حقل ألغام

لم تنتهِ الحرب في سوريا بالنسبة إلى ملايين المدنيين، حتى وإن خفتت أصوات المدافع وتراجعت خطوط القتال. فبين الحقول الزراعية وركام المنازل المدمرة وطرقات القرى المهجورة، ما تزال الألغام ومخلفات الحرب تواصل مهمتها القاتلة بصمت، وتكشف الأرقام الحديثة تصاعداً مقلقاً في أعداد الضحايا خلال عامي 2025 و2026، وسط تحذيرات منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية من أن التلوث الواسع بالمتفجرات أصبح يشكل تهديداً مباشراً لحياة أكثر من 15 مليون شخص. وفي بلد يسعى للتعافي من سنوات النزاع، تحولت مخلفات الحرب إلى أزمة إنسانية مركبة تجمع بين الموت والإعاقة والنزوح والفقر، وتضع مستقبل ملايين السوريين أمام تحديات متفاقمة تتجاوز حدود الأمن إلى التنمية وحقوق الإنسان.

ووفقاً لمركز الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام، تعد سوريا اليوم واحدة من أكثر دول العالم تلوثاً بالألغام والذخائر غير المنفجرة. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 15.4 مليون شخص يعيشون في مناطق ملوثة بمخلفات الحرب، ما يجعل هذه الأزمة من أخطر التحديات الإنسانية والأمنية والتنموية التي تواجه البلاد. كما تؤكد الأمم المتحدة أن الألغام باتت تشكل تهديداً مباشراً لحياة أكثر من ثلثي السكان داخل سوريا.

أرقام صادمة في عامي 2025 و2026

تكشف البيانات الحديثة تصاعداً خطِراً في أعداد الضحايا خلال العامين الماضيين، وأفاد مركز الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام بأن الفترة الممتدة من ديسمبر 2024 حتى نهاية عام 2025 شهدت أكثر من 920 حادثاً مرتبطاً بالألغام ومخلفات الحرب، وأسفرت هذه الحوادث عن مقتل 607 أشخاص وإصابة أكثر من 1070 آخرين، كما سجلت الأمم المتحدة أن الأطفال شكلوا ما يقارب 440 ضحية بين قتيل وجريح خلال الفترة نفسها.

ومن جانبه، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 599 مدنياً خلال عام 2025 نتيجة انفجار مخلفات الحرب والألغام الأرضية، وشملت الحصيلة 192 طفلاً و41 امرأة، ويعد هذا الرقم الأعلى منذ سنوات، كما سجل المرصد مقتل 256 مدنياً خلال عام 2023، و239 مدنياً خلال عام 2024، ما يعكس قفزة مقلقة في أعداد الضحايا خلال العام الماضي.

وفي يونيو 2026 وحده، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل تسعة مدنيين وإصابة أكثر من ستة عشر في محافظات حماة والرقة وحلب والسويداء وحمص ودير الزور واللاذقية وإدلب والحسكة ودرعا، وأكد المرصد أن معظم الضحايا كانوا من المدنيين الذين يمارسون أعمالاً يومية مرتبطة بالزراعة والرعي أو العودة إلى منازلهم.

ارتفاع أعداد الضحايا

تشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن ارتفاع أعداد الضحايا يرتبط بعوامل متعددة، تأتي في مقدمتها عودة مئات الآلاف من النازحين إلى مناطقهم الأصلية، فبعد سنوات من النزوح، بدأ السكان العودة إلى قرى ومدن ما تزال ملوثة بالذخائر غير المنفجرة.

كما أسهمت الظروف الاقتصادية الصعبة في دفع آلاف السوريين إلى العمل في الزراعة والرعي وجمع الخردة المعدنية، وتتم هذه الأنشطة غالباً في مناطق شهدت معارك عنيفة خلال السنوات الماضية، ولذلك أصبحت رحلة البحث عن لقمة العيش واحدة من أخطر المهام اليومية بالنسبة لكثير من السوريين.

وتؤكد الأمم المتحدة أن أكثر من 567 حادثة انفجار وقعت خلال عام 2025 داخل أراضٍ زراعية أو مناطق رعوية، وتوضح هذه الأرقام حجم المخاطر التي تواجه العاملين في القطاع الزراعي الذي يشكل مصدراً أساسياً للدخل في العديد من المحافظات السورية.

الأطفال يدفعون الثمن الأكبر

تؤكد منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن الأطفال يشكلون إحدى أكثر الفئات عرضة للخطر في المناطق الملوثة بالألغام، وتظهر بيانات الأمم المتحدة أن نحو ثلث الضحايا المسجلين خلال الفترة الأخيرة كانوا من الأطفال.

ويفسر العاملون في المجال الإنساني هذا الواقع بفضول الأطفال تجاه الأجسام الغريبة، إضافة إلى نقص برامج التوعية في بعض المناطق، كما يضطر كثير من الأطفال إلى العمل لمساعدة أسرهم، ما يزيد احتمالات تعرضهم لمخاطر الألغام والذخائر غير المنفجرة.

ووثق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 192 طفلاً خلال عام 2025 نتيجة انفجارات مخلفات الحرب، كما سجل مقتل 81 طفلاً خلال عام 2023 و69 طفلاً خلال عام 2024، وتعكس هذه الأرقام حجم الكارثة التي تواجه الطفولة في سوريا حتى بعد تراجع العمليات العسكرية.

الناجون يواجهون معركة أخرى

لا تنتهي المأساة عند حدود النجاة من الانفجار، فالعديد من المصابين يواجهون إعاقات دائمة تغير مسار حياتهم بالكامل. وتشير اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى أن مئات المصابين يحتاجون سنوياً إلى أطراف صناعية وعلاج طويل الأمد وخدمات تأهيل جسدي ونفسي.

وتوضح منظمة أطباء بلا حدود أن نسبة كبيرة من المصابين تصل إلى المستشفيات بإصابات معقدة تشمل بتر الأطراف أو إصابات العمود الفقري أو الحروق الشديدة، كما يواجه كثير من الناجين صعوبات كبيرة في العودة إلى سوق العمل أو استكمال تعليمهم.

ويعاني المصابون أيضاً من نقص الخدمات المتخصصة في بعض المناطق، إضافة إلى محدودية برامج الدعم الاجتماعي والاقتصادي، ولذلك تتحول الإصابة بالنسبة لكثير من الضحايا إلى أزمة معيشية طويلة الأمد تمتد آثارها إلى أسرهم بأكملها.

الألغام تعرقل التعافي الاقتصادي

لا تقتصر آثار الألغام على الجانب الإنساني فقط. فبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تعرقل مخلفات الحرب جهود التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار في مناطق واسعة من سوريا.

وتمنع الألغام استثمار آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية، كما تعطل مشاريع البنية التحتية وشبكات الكهرباء والمياه والطرق، وتؤخر هذه المخاطر عودة الأنشطة الاقتصادية الطبيعية إلى العديد من المناطق التي شهدت معارك خلال السنوات الماضية.

وتؤكد الأمم المتحدة أن إزالة الألغام تعد شرطاً أساسياً لتحقيق التنمية المستدامة وتهيئة الظروف اللازمة لعودة النازحين واللاجئين بشكل آمن وكريم.

الجهود الدولية لمواجهة الأزمة

تتولى الأمم المتحدة عبر مركز الأعمال المتعلقة بالألغام قيادة الجهود الدولية الرامية إلى الحد من خطر الألغام ومخلفات الحرب في سوريا، ويعمل المركز على تنفيذ برامج ميدانية تشمل تحديد المناطق الملوثة، وإزالة الذخائر غير المنفجرة، وتحديث قواعد بيانات المخاطر في عدد من المحافظات السورية. كما تؤكد الأمم المتحدة أنها تمكنت خلال السنوات الأخيرة من رصد آلاف المواقع الخطرة وإزالة كميات كبيرة من المتفجرات التي خلفتها سنوات النزاع، ما أسهم في تقليل المخاطر في بعض المناطق ذات الأولوية الإنسانية.

وتشارك في هذه الجهود منظمات دولية متخصصة في إزالة الألغام، منها مؤسسة هالو ترست ومجموعة الاستشارات المتعلقة بالألغام، حيث تنفذ هذه الجهات عمليات ميدانية لتطهير الأراضي الزراعية ومناطق السكن وإعادة تأهيلها للاستخدام الآمن. كما تعمل هذه المنظمات على تدريب فرق محلية داخل المجتمعات المتضررة، بهدف رفع الوعي بكيفية التعرف إلى مخلفات الحرب وتجنب مخاطرها، خصوصاً في المناطق الريفية التي تشهد عودة تدريجية للسكان.

وفي موازاة ذلك، تواصل اللجنة الدولية للصليب الأحمر تقديم الدعم الطبي والتأهيلي للضحايا، ومنه العلاج الطارئ والجراحة وإعادة التأهيل البدني وتوفير الأطراف الصناعية، كما تنفذ منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” برامج توعية موجهة للأطفال والأسر في المناطق الأكثر تضرراً، بهدف الحد من الحوادث الناجمة عن التعامل العشوائي مع الأجسام المشبوهة، وتعزيز سلوكيات الوقاية داخل المجتمعات المحلية.

ورغم اتساع نطاق هذه الجهود وتعدد الجهات المنفذة، تؤكد الأمم المتحدة أن حجم التلوث بمخلفات الحرب في سوريا ما يزال يفوق بكثير القدرات المتاحة حالياً، وتشير التقديرات الأممية إلى أن عملية إزالة الألغام بشكل كامل تتطلب سنوات طويلة من العمل المتواصل، إلى جانب تمويل دولي كبير وتنسيق واسع بين الجهات الإنسانية والحكومية، لضمان تحقيق بيئة آمنة تسمح بعودة الحياة الطبيعية إلى المناطق المتضررة.

القانون الدولي

تنص اتفاقية أوتاوا لحظر الألغام المضادة للأفراد على التزامات واضحة تتعلق بمنع استخدام هذه الأسلحة وإزالتها وتقديم المساعدة للضحايا، كما يفرض القانون الدولي الإنساني على أطراف النزاعات اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المدنيين من آثار العمليات العسكرية.

وتؤكد الأمم المتحدة أن إزالة الألغام وتقديم الرعاية للضحايا ونشر التوعية بالمخاطر تمثل التزامات إنسانية أساسية، كما تدعو المنظمات الحقوقية الدولية إلى تعزيز الشفافية بشأن المناطق الملوثة وتوفير الخرائط والمعلومات التي تساعد على حماية المدنيين.

مطالب حقوقية متصاعدة

جدد المرصد السوري لحقوق الإنسان مطالبته بإطلاق برامج وطنية ودولية مستدامة لإزالة الألغام ومخلفات الحرب، كما دعا إلى نشر خرائط دقيقة للمناطق الملوثة وتكثيف حملات التوعية، خاصة في المناطق الزراعية.

وطالبت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بزيادة الدعم المخصص لخدمات إعادة التأهيل والأطراف الصناعية، كما دعت منظمة هيومن رايتس ووتش إلى توسيع عمليات إزالة الألغام وتوفير حماية كبرى للمدنيين العائدين إلى مناطقهم.

وأكدت منظمة أطباء بلا حدود ضرورة تعزيز الخدمات الطبية في المناطق المتضررة، في حين شددت منظمة الأمم المتحدة للطفولة على أهمية حماية الأطفال وتوسيع برامج التوعية المدرسية والمجتمعية.

إرث الحرب الثقيل

بدأت أزمة الألغام ومخلفات الحرب بالتفاقم منذ السنوات الأولى للنزاع السوري الذي اندلع عام 2011، وخلال مراحل مختلفة من الحرب، استخدمت أطراف متعددة الألغام والعبوات الناسفة والذخائر العنقودية في مناطق واسعة من البلاد. كما خلفت العمليات العسكرية آلاف القذائف والصواريخ غير المنفجرة.

ومع مرور أكثر من أربعة عشر عاماً على اندلاع النزاع، ما تزال هذه المخلفات تشكل أحد أخطر التهديدات التي تواجه المدنيين السوريين، وبينما يسعى السكان إلى إعادة بناء حياتهم واستعادة أراضيهم ومنازلهم، تستمر الألغام في حصد الأرواح بصمت. لقد توقفت معارك كثيرة فوق الأرض، لكن حرباً أخرى ما تزال مستمرة تحت التراب، وتحصد كل عام مئات الضحايا وتعرقل طريق التعافي والسلام في سوريا.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية