بين تطور التشريعات الوطنية والتحولات الاجتماعية المتسارعة، تواصل سلطنة عُمان تطوير منظومتها القانونية والمؤسسية لتعزيز حماية المرأة وصون كرامتها، عبر مجموعة من القوانين والإجراءات التي تستهدف مواجهة أشكال الاعتداء والإيذاء، ودعم حقوق المرأة داخل الأسرة والمجتمع.
وتقوم المنظومة العُمانية على مبدأ حماية الإنسان وتعزيز العدالة، حيث أكد قانون الجزاء العُماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 7/2018 على تجريم الاعتداءات التي تمس سلامة الإنسان الجسدية والنفسية، ووضع عقوبات رادعة على الأفعال التي تهدد أمن الأفراد وحقوقهم.
وعززت السلطنة حماية الأطفال والنساء من خلال قانون الطفل الذي يتضمن أحكاماً تهدف إلى ضمان سلامة الطفل الجسدية والنفسية، ومنع الممارسات التي قد تلحق به ضرراً، إلى جانب برامج توعوية ومجتمعية تهدف إلى رفع مستوى الوعي بحقوق الطفل والمرأة.
تشريعات تدعم حقوق المرأة
تولي سلطنة عُمان اهتماماً خاصاً بتطوير الإطار القانوني المرتبط بحماية المرأة، ما ينسجم مع المبادئ الإنسانية العامة والالتزامات الدولية في مجال حقوق الإنسان.
وتشمل الحماية القانونية تجريم الاعتداء الجسدي والنفسي، وضمان حق المرأة في اللجوء إلى الجهات المختصة عند تعرضها لأي ضرر، إلى جانب توفير مسارات قانونية تتيح لها الحصول على الحماية والرعاية اللازمة.
وتعمل المؤسسات المعنية على تعزيز آليات التعامل مع قضايا العنف الأسري من خلال إجراءات تراعي خصوصية الحالات الإنسانية، وتوفر الدعم الاجتماعي والنفسي والقانوني للمتضررات، ما يضمن التعامل مع هذه القضايا بمهنية تحفظ كرامة المرأة والأسرة.
وأسهم التعاون بين الجهات الحكومية، ومنها وزارة التنمية الاجتماعية وشرطة عُمان السلطانية والجهات القضائية، في بناء منظومة متكاملة للاستجابة للحالات التي تحتاج إلى حماية أو تدخل متخصص.
العدالة وخصوصية الأسرة
تولي الجهات القضائية في سلطنة عُمان أهمية كبيرة لتحقيق التوازن بين حماية الحقوق والحفاظ على استقرار الأسرة، من خلال تطبيق القوانين لضمان العدالة لجميع الأطراف.
وتدعم الجهات المختصة تطوير قدرات العاملين في منظومة العدالة عبر برامج تدريبية تهدف إلى تعزيز مهارات التعامل مع القضايا الاجتماعية والإنسانية، خصوصاً تلك المرتبطة بالمرأة والطفل.
وتوفر مؤسسات الحماية الاجتماعية خدمات متعددة تشمل الاستقبال والدعم والإرشاد والتأهيل، ما يساعد على معالجة الآثار النفسية والاجتماعية للحالات التي تتطلب تدخلاً قانونياً أو مجتمعياً.
الزواج وحماية الفتيات
يمثل تنظيم سن الزواج أحد الجوانب التي اهتم بها المشرع العُماني ضمن إطار حماية الأسرة وضمان حقوق أفرادها، حيث حدد قانون الأحوال الشخصية سن الزواج بثمانية عشر عاماً للذكر والأنثى، مع وضع ضوابط قانونية دقيقة لأي حالات استثنائية.
ويخضع أي استثناء للرقابة القضائية، حيث يتم النظر في مدى توافر المصلحة والظروف المناسبة، بما يضمن أن تكون القرارات مبنية على اعتبارات قانونية واجتماعية تراعي مصلحة الفتاة وتحفظ حقوقها.
وتتكامل هذه الإجراءات مع الجهود التوعوية التي تستهدف تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية التعليم والرعاية الصحية والنمو النفسي السليم للفتيات، باعتبارها عناصر أساسية لبناء أسرة مستقرة ومجتمع متوازن.
التوعية والشراكة المجتمعية
لا تعتمد حماية المرأة في سلطنة عُمان على النصوص القانونية فقط، بل تمتد إلى برامج التوعية والشراكة المجتمعية التي تهدف إلى ترسيخ ثقافة احترام الحقوق وتعزيز دور الأسرة والمؤسسات في الوقاية من الممارسات الضارة.
وتؤكد التجربة العُمانية أن حماية المرأة تقوم على تكامل التشريع مع دور المؤسسات الاجتماعية والقضائية، ما يحقق التوازن بين الحفاظ على القيم المجتمعية وضمان السلامة الجسدية والنفسية للمرأة.
وفي ظل استمرار تطوير القوانين والبرامج الوطنية، تواصل سلطنة عُمان تعزيز نهج يقوم على دعم وحماية المرأة، وتمكينها، وتوفير بيئة قانونية ومؤسسية تضمن مشاركتها الفاعلة في المجتمع وتحفظ حقوقها وكرامتها.
التوعية ركيزة الحماية المستدامة
أكدت الخبيرة الحقوقية الدكتورة أسماء رمزي أن المنظومة التشريعية والقوانين الصارمة تشكل الركيزة الأساسية والخط الدفاعي الأول لحماية حق المرأة في السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية، وحول آليات مواجهة العنف القائم على النوع الاجتماعي، قالت إن وجود نصوص قانونية واضحة يعمل على تجريم أفعال العنف وتحديد العقوبات الرادعة بحق مرتكبيها، ما يسهم بشكل مباشر في حد الانتهاكات وتوفير إطار قانوني ومؤسسي يضمن للضحايا الحصول على الإنصاف والعدالة، ويعكس في الوقت ذاته التزام الدول بالاتفاقيات والمعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
ونبهت الدكتورة أسماء في تصريحات خاصة لـ”صفر” إلى معضلة حقوقية واجتماعية تتمثل في أن القوانين والتشريعات -رغم أهميتها البالغة في توفير الحماية والمساءلة القانونية- تظل وحدها غير كافية للقضاء التام على ظاهرة العنف أو استئصالها من جذورها ما لم تقترن بجهد مجتمعي موازٍ.
وقالت الخبيرة الحقوقية إن التوعية المجتمعية تلعب دوراً تفاعلياً ومكملاً للنصوص القانونية؛ كونها الأداة الأقوى لتغيير المعتقدات الثقافية والسلوكيات المتوارثة التي تبرر العنف أو تتسامح معه، مشددة على أن فاعلية الحماية واستدامتها تتحقق فقط عندما تتكامل القوانين مع برامج التثقيف والتدريب المستمر والخدمات الداعمة الشاملة.
وفي سياق متصل، أوضحت الدكتورة رمزي أن المجتمع بكل مكوناته يؤدي دوراً محورياً في الوقاية من العنف عبر نشر ثقافة احترام حقوق المرأة، ومواجهة العادات والممارسات الضارة التي تستند إلى مفاهيم اجتماعية خاطئة وموروثات مشوهة تضر بصحة المرأة وكرامتها.
ونبّهت إلى ضرورة تضافر جهود وسائل الإعلام، والمؤسسات التعليمية، ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب القيادات الدينية والمجتمعية، لتعزيز الوعي العام بالمخاطر الصحية والقانونية المترتبة على هذه الممارسات، وتشجيع الأفراد على عدم الوقوف في موقف المتفرج، بل المبادرة بالإبلاغ عن الانتهاكات ودعم الضحايا.
وعن منطلقات بناء الوعي الأولى، أشارت الخبيرة الحقوقية إلى أن الأسرة والمدرسة هما الحاضنتان الأساسيتان لتشكيل وعي الأجيال الجديدة؛ حيث تبدأ العملية من داخل الأسرة عبر ترسيخ قيم الاحترام المتبادل والمساواة، ورفض كافة أشكال العنف والتمييز بين الجنسين.
وأكدت أن هذا الدور التربوي يستكمل داخل المدرسة عبر المناهج والأنشطة التوعوية التي تعزز ثقافة حقوق الإنسان، وتغرس لدى الأطفال والشباب مفاهيم احترام السلامة الجسدية، واعتماد الحوار وحل النزاعات بطرق سلمية، وتعميق الالتزام بحماية المرأة من أي شكل من أشكال الإساءة.
وفي ختام تصريحها، استعرضت الدكتورة أسماء رمزي أبرز الوسائل والآليات التي من شأنها تشجيع النساء على كسر حاجز الصمت والتقدم بالإبلاغ عن العنف وطلب الحماية القانونية دون خوف.
وشددت على أهمية توفير آليات إبلاغ تتسم بالأمان التام والسرية المطلقة، وسهولة الوصول إلى الجهات المختصة، مع ضمان حماية الضحية من أي انتقام أو ضغوط عائلية أو مجتمعية.
ونبهت إلى أن تدريب أفراد الشرطة، والنيابة العامة، والعاملين في القطاع الصحي على آليات التعامل الحساس والمراعي لكرامة الناجيات، إلى جانب توفير منظومة متكاملة من الدعم النفسي والقانوني والاجتماعي، يعد أمراً حاسماً لتعزيز ثقة النساء بمنظومة العدالة وتشجيعهن على طلب الحماية دون تردد.
نصوص تشريعية رادعة
أكد المحامي والباحث المهتم بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ياسر سعد، أن المنظومة القانونية الحالية في العديد من الدول العربية، ومنها سلطنة عُمان، خطت خطوات إيجابية ملموسة عبر توفير مظلة حماية جنائية من عدة صور للعنف الجسدي من خلال تجريم أفعال الاعتداء، والإيذاء العمدي، ومواجهة العنف الأسري بنصوص تشريعية رادعة.
ومع ذلك، نبه سعد في تصريحات خاصة لـ”صفر” إلى أن مدى كفاية هذه الحماية وجودتها على أرض الواقع يظلان رهن شمولية النصوص القانونية، وتبسيط آليات الإبلاغ، ورفع كفاءة التحقيقات الجنائية، وسرعة الفصل في القضايا المنظورة أمام المحاكم، فضلاً عن مدى توفر خدمات الدعم الاجتماعي والنفسي الشاملة والملجأ الآمن للضحايا.
وأشار إلى أن الحماية التشريعية الجافة، مهما بلغت صرامتها، قد تظل عاجزة وغير كافية إذا لم يصاحبها تطبيق تنفيذي فعال على أرض الواقع وتدابير وقائية استباقية تحمي الضحية قبل وقوع الاعتداء.
وفيما يتعلق بالحماية الجسدية المباشرة، شدد المحامي الحقوقي على الأهمية البالغة لوجود نص قانوني صريح وصارم يجرّم ممارسة “تشويه الأعضاء التناسلية للإناث” (ختان الإناث)، موضحاً أن إقرار نص عقابي واضح يحقق حزمة من الأهداف الاستراتيجية، في مقدمتها تأكيد عدم مشروعية هذه الممارسة تحت أي مبرر، وتوفير أساس قانوني قاطع ومستقل للمساءلة الجنائية دون لبس، تعزيزاً لمنظومة الردع العام والخاص.
وأضاف أن مثل هذه النصوص التشريعية الصريحة ترسل رسالة قوية وحاسمة للمجتمع بأسره تفيد بأن سلامة المرأة الجسدية والصحية هي حق أصيل لا يجوز المساس به أو الالتفاف عليه، ما يشكل ركيزة دعم أساسية تسند جهود التوعية والوقاية المجتمعية من المخاطر الصحية والنفسية المترتبة على تلك الممارسات الضارة.
ونبه سعد إلى أن إنفاذ هذه التشريعات وحماية حقوق النساء يعتمدان بشكل جوهري على آليات تعامل أجهزة إنفاذ القانون مع الضحايا، مستعرضاً حزمة من التدابير التي يجب أن تتبناها الجهات الأمنية والقضائية لحفظ كرامة الناجيات وتشجيعهن على كسر حاجز الصمت والتقدم بالبلاغات.
وأشار إلى ضرورة استدامة تدريب أفراد الشرطة وجهات النيابة العامة على آليات التعامل الحساس والمراعي للاعتبارات النفسية والنوعية للضحايا، والالتزام الصارم باحترام الخصوصية والسرية المطلقة للبيانات، وتجنب ثقافة “لوم الضحية”، مع الحرص على إجراء المقابلات والاستدلالات القانونية في بيئات آمنة ومستقلة تضمن توفير الدعم النفسي والإرشاد القانوني الفوري، وتسهيل إحالة الناجيات إلى الخدمات الصحية والاجتماعية المؤهلة، مع ضمان سرعة الإجراءات وحمايتهن من أي ضغوط انتقامية قد تمارس ضدهن من المحيط الأسري أو الاجتماعي.
منظومة الحماية من العنف
وفي قراءته لآليات مجابهة الانتهاكات داخل النطاق العائلي، أكد سعد أن منظومة الحماية من العنف الأسري، برغم مركزيتها، لا تكفي وحدها لمعالجة وتفكيك كافة الانتهاكات التي قد تتعرض لها المرأة داخل محيطها الأسري، مفسراً ذلك بأن العنف داخل الأسرة يأخذ ظلالاً وصوراً متعددة ومتشابكة تتجاوز الأثر الجسدي الظاهر، لتشمل العنف الجنسي، والنفسي، والاقتصادي القائم على الحرمان والتحكم في الموارد.
ونبه إلى أن مواجهة هذا التشابك المعقد تتطلب نصوصاً قانونية نوعية وخاصة، أو آليات حماية إضافية تضمن تكامل الخدمات الاجتماعية والصحية والصناعة الوقائية لتأمين حماية شاملة ومستدامة للمرأة والطفل على حد سواء داخل البنية الأسرية.
وتطرق الخبير القانوني إلى الإشكالية الحقوقية المثارة حول عدم وجود نص قانوني مستقل وجامع يتناول مسألة “الاغتصاب الزوجي” في العديد من التشريعات العربية، مشيراً إلى التباين الواضح في المعالجات التشريعية بين القوانين المقارنة في هذا الشأن.
وأوضح أن تياراً عريضاً من المختصين في القانون الدولي وحقوق الإنسان يرى أن صياغة نص قانوني مستقل ومباشر من شأنها توفير وضوح أكبر وتحديد دقيق لنطاق الحماية، ما يزيل أي غموض أو ضبابية فقهية أثناء التطبيق القضائي، في حين تعتمد أنظمة قانونية أخرى على القواعد العامة المجرمة للإيذاء أو قوانين مكافحة العنف الأسري لمعالجة هذه الوقائع وتكييفها عقابياً. وأكد سعد في هذا الصدد أن وضوح النصوص وصراحتها يظلان الضمانة الأساسية لتعزيز اليقين القانوني وحماية الحقوق اللصيقة بالإنسان.
واختتم المحامي ياسر سعد حديثه مؤكداً أن اتجاه المشرع العُماني والعربي نحو تحديد سن الزواج بـ 18 عاماً بوصفه أصلاً عاماً يعد خطوة متطورة تتوافق تماماً مع التوجهات والاتفاقيات الدولية الرامية إلى حماية الطفولة وضمان اكتمال النضج الجسدي، والنفسي، والعقلي اللازم لتأسيس أسرة مستقرة.
غير أنه نبه في الوقت ذاته إلى أن وجود الاستثناءات القضائية التي تمنح سلطة التزويج دون هذا السن في بعض الحالات، يستلزم تفعيل رقابة قضائية بالغة الدقة ووضع ضمانات صارمة ومقيدة، للتأكد المطلق من تحقيق “المصلحة الفضلى للطفل”، وضمان عدم تحول هذا الاستثناء القضائي إلى أداة تُستخدم للإضرار بحقوق الفتيات أو ثغرة قانونية للالتفاف على الأصل العام والروح الحمائية التي صيغ من أجلها القانون.

