كشفت خمس سنوات من حكم حركة طالبان في أفغانستان عن أزمة حقوقية وإنسانية متشابكة، تراجعت فيها حقوق النساء والفتيات بالتوازي مع تفاقم الفقر والبطالة ونقص المساعدات وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية.
ورغم انخفاض حدة الصراع المسلح، أظهرت التقارير أن الهدوء الأمني لم ينهِ معاناة ملايين الأفغان، في حين أصبح نصف السكان تقريباً بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وتواجه النساء والفتيات قيوداً غير مسبوقة على التعليم والعمل والحياة العامة.
وروت صحيفة “الغارديان” قصة مليكة، البالغة 46 عاماً، التي اضطرت مع زوجها إلى تزويج ابنتهما الكبرى مريم، وهي في سن المراهقة، مقابل 200 ألف أفغاني، بما يعادل 2270 جنيهاً استرلينياً، بعدما وصلت الأسرة إلى مرحلة لم تعد قادرة فيها على توفير الطعام، وكانت تعيش في الغالب على الخبز الجاف والماء المغلي.
واجهت الأسرة الأزمة مجدداً بعد نحو عامين، بعدما عجزت مليكة عن تحمل تكاليف إرسال ابنتيها الأصغر، البالغتين 12 و9 أعوام، إلى المدرسة، فعملتا في مصنع للملابس إلى جانب شقيقتهما البالغة 16 عاماً مقابل أجور زهيدة.
يعمل الأب في دفع عربة يدوية، لكنه يعود في كثير من الأحيان دون دخل، بينما أوشكت أموال المهر على النفاد، ولم يعد أمام الأسرة مورد يمكن اللجوء إليه سوى فتياتها.
أزمة اقتصادية متزايدة
تراجعت قدرة الاقتصاد على استيعاب السكان، إذ ظل أصغر وأكثر عزلة مما كان عليه قبل عودة طالبان إلى السلطة، بينما تجاوزت الواردات الصادرات بصورة متزايدة منذ 2021 واتسع العجز التجاري.
وبلغت موازنة طالبان للسنة المالية 2023 نحو 2.44 مليار دولار، أي أقل من نصف الموازنة التي بلغت نحو 6 مليارات دولار في ظل الحكومة السابقة عام 2021، فيما ألغت السلطات عام 2024 نظام التقاعد العام في محاولة للتعامل مع الأزمة المالية.
وارتفع التضخم من متوسط 3.6% عام 2025 إلى 7.6% بحلول مارس 2026، مدفوعاً بارتفاع أسعار الغذاء واضطرابات الإمدادات وزيادة الطلب، بينما تضاعف معدل البطالة تقريباً منذ عام 2021، وفقاً للأمم المتحدة، واختفت أكثر من نصف مليون وظيفة.
واحتاج نحو 21.9 مليون شخص، أي نحو 45% من السكان، إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026، بينهم نحو 11.6 مليون طفل، يعاني 3.5 مليون منهم دون الخامسة سوء تغذية حاداً.
وقالت الباحثة في شؤون أفغانستان لدى منظمة “هيومن رايتس ووتش”، فريشتة عباسي، إن البلاد تعاني بعد خمس سنوات من استيلاء طالبان على السلطة أسوأ أزمة لحقوق المرأة في العالم، وواحدة من أسوأ أزمات حقوق الإنسان والأزمات الإنسانية.
الفقر يضاعف الأزمة
أوقفت الولايات المتحدة التمويل الإنساني لأفغانستان في يناير 2025، بعدما قدمت أكثر من 3 مليارات دولار من المساعدات الإنسانية والتنموية بين أكتوبر 2021 وديسمبر 2024، وهو ما أزال مصدراً كان يمثل نحو 45% من الدعم الإنساني.
وأغلقت أو قلّصت أكثر من 440 عيادة صحية خدماتها بسبب نقص التمويل، لترتفع نسبة الأفغان الذين لا يحصلون على الرعاية الصحية من 16% عام 2024 إلى 23% عام 2025.
وأعلن برنامج الأغذية العالمي أنه أصبح يرفض مساعدة ثلاثة من كل أربعة أطفال يعانون سوء التغذية الحاد ويطلبون الدعم، بسبب عدم امتلاكه الأموال اللازمة لشراء الغذاء لهم.
وحذرت وكالة “أسوشيتد برس” من أزمة تعليمية وإنسانية أوسع، بعدما أعلنت اليونسكو أن حظر التعليم حرم نحو 2.4 مليون فتاة من التعليم الثانوي، بزيادة 200 ألف فتاة عن العام السابق، في حين أصبح 53% من الأطفال في سن التعليم الابتدائي خارج المدارس.
وأشارت المنظمة إلى افتقار المدارس إلى المياه والصرف الصحي والتدفئة، فضلاً عن إغلاق مئات المدارس بسبب الكوارث الطبيعية.
سوء التغذية في أفغانستان
بلغ سوء تغذية الأطفال مستويات حرجة في ثلث محافظات أفغانستان، وفق برنامج الأغذية العالمي، في حين يهدد نقص التمويل بمزيد من خفض توزيعات الغذاء وغيرها من أشكال الدعم.
وحثت الممثلة الخاصة لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، سارة فيرغسون، المانحين على عدم التخلي عن أفغانستان، مشيرة إلى أن النساء والفتيات لا يحصلن إلا على ربع احتياجاتهن.
وأفادت أكثر من نصف المنظمات النسائية الـ74 التي شملها استطلاع في أبريل بأنها على وشك تعليق أو إيقاف عملها بسبب خفض المساعدات، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى الخدمات التي تقدمها.
ومنعت طالبان منذ عودتها إلى السلطة الفتيات من التعليم الثانوي، وحظرت على النساء الالتحاق بالجامعات، وأقصتهن عن أجزاء واسعة من سوق العمل والحياة العامة، ومنعت النساء كذلك من دخول الحدائق العامة والصالات الرياضية والحمامات العامة، ومن ممارسة الرياضة والسفر إلى أماكن بعيدة دون محرم، قبل أن تحظر عام 2024 تحدثهن بصوت مسموع في الأماكن العامة.
تراجع مشاركة النساء
انخفضت مشاركة النساء في قوة العمل من نحو امرأة واحدة بين كل ست نساء قبل استيلاء طالبان على السلطة إلى نحو امرأة واحدة بين كل 20 امرأة اليوم، بينما لم تعد تعمل رسمياً سوى 18% من القابلات، وأُجبرت نحو 80% من الصحفيات على ترك وظائفهن.
وقدرت الأمم المتحدة أن استبعاد النساء والفتيات من التعليم والعمل يكلف أفغانستان ما لا يقل عن 84 مليون دولار سنوياً.
ومن جانبها، أكدت “رويترز” أن طالبان فرضت أكثر من 100 مرسوم يقيد حقوق المرأة منذ عودتها إلى السلطة، وأن هذه القيود طالت التعليم والعمل وحرية التنقل والرعاية الصحية والوصول إلى العدالة.
وأظهر استطلاع لهيئة الأمم المتحدة للمرأة شمل 3200 امرأة أن أكثر من نصف المشاركات لا يغادرن منازلهن إلا مرة أو مرتين شهرياً، فيما وصفت سبع من كل عشر نساء صحتهن النفسية بأنها سيئة أو سيئة للغاية.
وأوضحت الوكالة كذلك أن نداء الأمم المتحدة الإنساني لأفغانستان، البالغ 1.7 مليار دولار، لم يُغطَّ منه سوى 25%، وأن ما يقرب من ثلاثة أرباع منظمات المرأة شهدت تخفيضات في التمويل بحلول عام 2025، في حين أفاد نحو ثلثيها بأن لديها تمويلاً تشغيلياً يكفي ستة أشهر أو أقل.
قيود تعليمية وفقر
دفعت القيود التعليمية والفقر المتزايد بعض الأسر إلى تزويج بناتها، في ظل غياب بيانات رسمية عن معدلات زواج الأطفال بعدما منعت طالبان المنظمات غير الحكومية من جمعها.
ونقلت “الغارديان” قصة نيلوفر، البالغة 13 عاماً من باميان، التي أنهت الصف السادس، وهو آخر عام يُسمح فيه للفتيات بالذهاب إلى المدرسة، ثم خطبها والداها لقريب أكبر سناً لم تلتقِ به من قبل.
واجهت شميم، البالغة 17 عاماً، المصير نفسه، إذ غادرت المدرسة في الصف السادس، وتزوجت في سن 15 عاماً، وحملت بعد أقل من عام بطفلها الأول.
انفتاح دولي
أكد بعض سكان كابول لـ”أسوشيتد برس” أنهم يشعرون بأمان أكبر بعد عقود من الصراع والاضطرابات، لكنهم طالبوا في الوقت نفسه بتوفير فرص العمل وتوسيع الوصول إلى المدارس.
قال محمد قاسم، 30 عاماً، إن السنوات الخمس الماضية مرت بأمان، داعياً الحكومة إلى توفير فرص عمل للشباب وتشجيعهم على مواصلة التعليم.
وأقرت الأمم المتحدة بتحسن الاستقرار منذ تولي طالبان السلطة، لكنها حذرت من أن الاستقرار الدائم غير ممكن ما لم تُرفع القيود المفروضة على النساء والفتيات وتُحمَ حقوقهن الأساسية وتُعالج المخاوف المتعلقة بالإرهاب.
وقالت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان إن انخفاض حدة الصراع أتاح فرصاً للتعافي والتنمية والتعاون الاقتصادي الإقليمي، لكنها أكدت أن القيود على النساء والفتيات تعيق تعافي البلاد وإعادة اندماجها في المجتمع الدولي.
الأمن والاستقرار الاقتصادي
أعلنت طالبان تحقيق الأمن والاستقرار، وقال نائب وزير الإعلام والثقافة، مولوي حياة الله مهجر فراهي، إن الإدارة حققت استقرار في العملة وحسنت البنية التحتية وأنشأت مناطق صناعية وفرت فرص عمل.
وأكد أن الحكومة على تواصل مع نحو 40 دولة، مشيراً إلى أن روسيا هي الدولة الوحيدة التي تعترف بها رسمياً.
وسّعت طالبان في المقابل اتصالاتها الدولية، بعدما بدأت سياسة العزلة التي أعقبت استيلاءها على السلطة في التراجع.
واستقبلت الهند وقطر والصين وإيران وعدد من دول آسيا الوسطى مسؤولين من الحركة، بينما وقعت روسيا اتفاق تعاون عسكري، وأجرى الاتحاد الأوروبي محادثات مع مسؤولي طالبان في بروكسل بشأن إعادة طالبي اللجوء المرفوضين إلى أفغانستان.
وحذرت “الغارديان” في تقرير آخر، من أن الناشطين يخشون أن يؤدي تعميق الاتصالات الدبلوماسية إلى تقويض المطالب بتحسين حقوق الإنسان، بعدما أصبحت قنوات التواصل مع طالبان أكثر اتساعاً.
رسالة دولية موحدة
قالت الباحثة في شؤون أفغانستان لدى هيومن رايتس ووتش، فريشتة عباسي، إن التواصل ضروري في بعض الحالات، خصوصاً لمساعدة منظمات الإغاثة، لكنها شددت على ضرورة أن يوجه المجتمع الدولي رسالة واضحة وموحدة إلى طالبان تربط أي تقدم في العلاقات بإحراز تقدم حقيقي في حقوق المرأة وحقوق الإنسان.
وقّعت 56 دولة، بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة، بياناً مشتركاً في الأمم المتحدة جددت فيه الدعوة إلى رفع القيود المفروضة على النساء والفتيات، مؤكدة أن أفغانستان لا تزال الدولة الوحيدة في العالم التي تُحظر فيها الفتيات من التعليم الثانوي والعالي.
وأظهرت السنوات الخمس إذن مفارقة بين انخفاض مستوى الصراع المسلح واستمرار الأزمة الحقوقية والإنسانية، فبينما يشعر بعض الأفغان بأمان أكبر في الشوارع، تواجه ملايين النساء والفتيات الإقصاء من التعليم والعمل والحياة العامة، وتواجه الأسر الفقيرة الجوع والبطالة، وتتراجع الرعاية الصحية والمساعدات.
ومع اتساع العلاقات الدولية مع طالبان، يبقى مستقبل الحقوق في أفغانستان مرتبطاً بقدرة المجتمع الدولي على منع تحول الانتهاكات إلى واقع دائم تتعايش معه البلاد والعالم.
