منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

العنف ضد النساء في ليبيا.. ثغرات قانونية تعرقل حماية الناجيات

03 أكتوبر 2026
العنف ضد النساء في ليبيا.. ثغرات قانونية تعرقل حماية الناجيات
العنف ضد النساء في ليبيا.. ثغرات قانونية تعرقل حماية الناجيات

بصوت يغلبه البكاء، سجلت سيدة ليبية استغاثة عبر هاتفها: “غصبوني نتزوج راجل يذلني ويهيني (…) سيبوني وقالولي دبري وين تعيشي، وخلوني قاعدة في الشارع، مش عارفة وين نعيش”.

لم تكن تبحث عن نص قانوني يخبرها بأن العنف جريمة، بل عن مكان آمن تذهب إليه، بعدما تحول الزوج والأسرة، وفق شهادتها، إلى جزء من الخطر ثم وجدت نفسها في الشارع، في لحظة تختصر فجوة أوسع تواجهها نساء في ليبيا بين الحق في الحماية والقدرة الفعلية على الوصول إليها.

المشكلة لا تبدأ بالعنف، وتنتهي بالهروب منه. قد تواجه الناجية بعد ذلك الخوف من الإبلاغ، وضغوطاً اجتماعية، وتسويات عرفية تعيدها إلى البيئة نفسها، ونقصاً في المأوى والدعم، في حين لا يزال تشريع خاص بحماية النساء من العنف ينتظر الحسم منذ سنوات، وتبقى بعض مواد قانون العقوبات موضع انتقاد حقوقي.

وكانت هيئة الأمم المتحدة للمرأة في ليبيا قد أعربت عن قلقها إزاء تأثير النزاع وتدهور الأوضاع في النساء والفتيات، في ظل مخاطر العنف وتراجع الوصول إلى الخدمات الأساسية وآليات الدعم والحماية ومراكز الإيواء.

ولا يقتصر العنف على الإيذاء الجسدي، بل يمتد إلى التهديد والإهانة والعنف النفسي والاقتصادي والسيطرة على حركة المرأة وقراراتها، وصولاً إلى العنف الرقمي الذي يستهدف بصورة خاصة الناشطات والفاعلات في المجال العام والمرشحات للانتخابات.

لكن تحديد حجم الظاهرة يبقى صعباً؛ إذ لا تصل جميع الحالات إلى الجهات المختصة بسبب الوصمة الاجتماعية والخوف من المعتدي والاعتماد الاقتصادي عليه، فضلاً عن خشية فقدان المسكن أو الأطفال.

حين تنتهي الشكوى بتسوية عرفية

يرى الحقوقي الليبي ناصر الهواري، في حديث لـ”صفر“، أن ليبيا لا تمتلك حتى الآن منظومة قانونية ومؤسسية متكاملة توفر حماية فعلية للنساء من العنف، مشيراً إلى وجود تقارير عن نساء تعرضن للعنف المنزلي والأسري أو في محيط العمل من دون أن يحصلن على الإنصاف.

ويقول الهواري إن تعامل بعض مراكز الشرطة مع بلاغات العنف الأسري قد ينتهي إلى تسويات عرفية بدلاً من استكمال الإجراءات القانونية، خشية الوصمة الاجتماعية أو “فضح العائلات والأسر”، مضيفاً أن المرأة قد تعاد إلى أهلها لتجد نفسها مجدداً أمام العنف والضرب والإهانة.

ويشير إلى أن العنف الأسري قد يصل إلى القتل بقوله: “لدينا حالات قتل ربما تجاوزت الـ70 حالة، أغلبها مرتبطة بالعنف الأسري خلال العام الجاري”.

ويؤكد الهواري أن المشكلة لا تتوقف عند غياب الحماية، بل تشمل محدودية سبل الانتصاف وغياب البيئة الآمنة للناجيات، معتبراً أن بعض نصوص قانون العقوبات تعاقب على القتل والضرب، لكنها لا توفر تغطية كافية لأنماط مختلفة من العنف الأسري أو العنف في العمل أو الفضاء الإلكتروني.

ويدعو إلى إنشاء منازل آمنة تحت إشراف وزارات الشؤون الاجتماعية والعدل والداخلية، تستطيع النساء اللجوء إليها عندما يصبح بقاؤهن في منزل الأسرة أو الزوجية خطراً عليهن. يقول: “إن السعي إلى توفير مثل هذه الأماكن مستمر منذ سنوات، لكن التوترات السياسية والاضطرابات الأمنية حالت دون تحقيق ذلك”، مشدداً على مسؤولية الدولة والبرلمان والمجتمع المدني في تطوير القوانين وآليات الحماية والمساءلة.

ثغرات قانونية قد تضعف حماية النساء

ثغرات تبدأ من القانون

ولا تقف المشكلة عند تطبيق القوانين؛ إذ تتضمن بعض مواد قانون العقوبات الليبي الصادر عام 1953 نصوصاً ينتقدها حقوقيون وباحثون قانونيون باعتبارها تمييزية أو مفضية إلى تخفيف العقاب.

فالمادة 375 تمنح عذراً مخففاً لمن يقتل إحدى قريباته أو شريكها بدعوى صيانة العرض عند مفاجأتها في حالة زنا، وهو ما اعتبرته دراسة تحليلية منشورة في مجلة جامعة سبها تكريساً لمفهوم “العدالة الخاصة” وتمييزاً ضد المرأة.

كما تنص المادة 424 على وقف الإجراءات الجنائية أو تنفيذ العقوبة إذا تزوج الجاني من المجني عليها في جرائم الاعتداء على العرض، في حين تقول الدراسة إن هذا النظام يفتقر إلى ضمانات إجرائية كافية لحماية الضحية.

أما المادة 420 مكرر فتتناول التعرض للمرأة في الأماكن العامة، لكنها، بحسب الدراسة ذاتها، محدودة من حيث نطاق الحماية والتناسب بين الجريمة والعقوبة.

وعلى المستوى الدولي، انضمت ليبيا عام 1989 إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو”، مع تحفظات على بعض أحكامها بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية.

قانون حماية المرأة .. سنوات من الانتظار

قانون ينتظر منذ سنوات

في المقابل، لا يزال التشريع الخاص بحماية النساء من العنف يمر بمسار طويل. فقد قدمت اللجنة المكلفة بإعداد مشروع قانون حماية المرأة من العنف عملها إلى مجلس النواب في أغسطس/آب 2017، قبل أن يعلن المجلس في فبراير/شباط 2023 تسلمه النسخة النهائية من المشروع الذي أُعد بمشاركة قانونيات وحقوقيات وتحت إشراف كتلة “برلمانيات من أجل ليبيا”.

وفي أبريل/نيسان 2026، ناقشت لجنة شؤون المرأة والطفل في مجلس النواب مشروعاً منفصلاً لمكافحة العنف الأسري، وقالت رئيستها انتصار شنيب إنه سيتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية وعادات المجتمع الليبي وتقاليده.

كما أدرج التقرير الختامي للحوار الهيكلي الصادر عن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في يونيو/حزيران 2026 اعتماد قانون حماية المرأة من العنف ضمن توصياته. وفي أواخر سبتمبر/أيلول، أعلن مكتب المرأة في حزب ليبيا الأمة دعمه للقانون، مع رفضه أن تتحول الحماية القانونية للنساء إلى “دعاية سياسية أو مكسب تفاوضي”.

من البلاغ إلى الأمان.. ماذا ماذا تحتاج الناجية؟

القانون وحده لا يكفي

ويقدم مصطفى عمر المغربي، الناشط الحقوقي والمسؤول بالمجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان، قراءة تركز على ما هو قائم؛ إذ يقول لـ”صفر” إن المنظومة القانونية الليبية تتضمن نصوصاً توفر حماية للمرأة وتجرم أفعالاً تمس سلامتها وحقوقها وكرامتها، غير أن وجود النص لا يعني اكتمال الحماية على أرض الواقع.
ويقول المغربي: “القانون مهم لكنه لا يكفي وحده”، موضحاً أن الحماية تحتاج إلى قانون واضح وفعال، ومؤسسات قادرة على تطبيقه، وأجهزة عدلية وأمنية مدربة، وآليات آمنة لتقديم الشكاوى، وخدمات اجتماعية ونفسية وقانونية، إلى جانب الوقاية والتوعية وجمع البيانات لمعرفة حجم المشكلة وأسبابها.

ويقر بأن ملف العنف الأسري وحماية المرأة يحتاج إلى مزيد من التطوير التشريعي والمؤسسي، في ظل أوجه قصور في القوانين وآليات تطبيقها، إلى جانب عادات وموروثات اجتماعية قد تتحول في بعض الحالات إلى قيود على المرأة.

كما يرى أن معرفة النساء بحقوقهن واستخدام الوسائل القانونية والمؤسسية المتاحة جزء من المواجهة، مع إقراره بأن الخوف من نظرة المجتمع والمشكلات الأسرية وعدم معرفة الجهات التي يمكن اللجوء إليها تمنع بعض النساء من التبليغ عن الانتهاكات.

ويدعو المغربي وزارة العدل إلى مراجعة التشريعات ورصد ثغرات التطبيق وتطوير الوصول إلى العدالة وتدريب العاملين فيها على قضايا العنف وحماية الضحايا، إلى جانب تعزيز وزارة الشؤون الاجتماعية لخدمات الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني ومراكز الإيواء والحماية والتنسيق مع الجهات الأمنية والصحية والمجتمع المدني.

ويشير إلى دور المجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان في متابعة أوضاع المرأة ونشر الوعي والإسهام في مناقشة التشريعات والسياسات، لافتاً إلى حضور النساء الليبيات في التعليم والصحة والقضاء والنيابة والدبلوماسية والإدارة والإعلام والمجتمع المدني، ومعتبراً أن تعزيز قدرتهن على الوصول إلى القانون والمؤسسات جزء من مواجهة العنف.

حين يأتي العنف ممن يفترض أن يحمي

من جانبها، تقول خيرية الفرجاني، رئيسة الشؤون الاجتماعية ودعم المرأة بالمجلس البلدي بنغازي، في تصريحات متلفزة، إن خطورة العنف الأسري تتضاعف عندما يأتي من شخص قريب يفترض أن يكون مصدراً للأمان.

وتوضح أن تكرار العنف قد يزرع الخوف ويضعف الثقة بالنفس ويحوله إلى أسلوب معتاد لإدارة الخلافات داخل الأسرة، ما يترك آثاراً نفسية واجتماعية في النساء والأطفال.

لكن المرأة التي سجلت استغاثتها لا تواجه نقاشاً قانونياً مجرداً. سؤالها كان أكثر مباشرة؛ أين تعيش بعدما وجدت نفسها في الشارع؟

وبين نصوص قانونية موضع انتقاد، ومشروع حماية ينتظر منذ سنوات، وشكاوى قد تنتهي بتسويات اجتماعية، تبقى قيمة أي منظومة حماية مرتبطة بما تستطيع فعله في اللحظة التي تطلب فيها امرأة النجاة من العنف، فالحماية لا تبدأ بوجود مادة في القانون فقط، ولا تنتهي بتقديم البلاغ، بل عندما تستطيع المرأة الخروج من مكان الخطر والوصول إلى مأوى آمن وعدالة تحميها من العودة إليه.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان