منذ سنوات، لم تعد أسرة الشاب المصري عطية تنتظر عودته بقدر ما تنتظر إجابة تنهي غيابه، كان في العشرينيات من عمره، ولم يمضِ على زواجه سوى شهرين عندما غادر مصر إلى ليبيا بحثا عن عمل، هناك انقطعت أخباره، وبقيت أسرته منذ ذلك الوقت أمام سؤال واحد لم تجد له جوابا: أين انتهى عطية؟
لا توجد معلومات تربط اختفاءه بالرفات الذي عُثر عليه أخيراً في صحراء زلاف جنوب غربي ليبيا، لكن حكايته تشبه حكايات عائلات كثيرة لا تعرف إن كان مفقودوها أحياء أم أن رفاتهم لا تزال مجهولة في مكان ما.
وفي زلاف، بدأت الأرض تكشف بعض ما أخفته، فمنذ مطلع سبتمبر/ أيلول 2026، تعمل فرق ليبية على مسح مساحة صحراوية تتجاوز 50 كيلومترا مربعا، بحثا عن رفات بشرية مجهولة الهوية، لكن العثور عليها لا يمنح الأسر الإجابة تلقائيا.
بين الرفات والاسم طريق يبدأ بالانتشال والتوثيق والفحص، ويمر بالبصمة الوراثية والعينات المرجعية، وقد ينتهي بتطابق يعيد إلى المجهول اسمه وإلى أسرته حقها في معرفة مصيره.
رفات بلا أسماء
بدأت العملية في 3 سبتمبر/ ايلول عندما أعلن جهاز المباحث الجنائية الليبي– فرع الجنوبية تشكيل فريق من خبراء مسرح الجريمة، بناء على تعليمات رئيس الجهاز اللواء محمود عاشور العجيلي، للانتقال إلى صحراء زلاف وإجراء أعمال المسح والمعاينة الفنية بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية في سبها.
وجاء التحرك عقب بلاغ عن وجود هياكل عظمية ورفات بشرية مجهولة الهوية، وتولت فرق مشتركة من المباحث الجنائية ومديرية أمن سبها، بالتعاون مع الهلال الأحمر الليبي وطب الطوارئ، انتشال الدفعة الأولى.
ولم تتوقف عمليات البحث عند ما ظهر على سطح الرمال، استعانت الفرق بطائرات مسيرة بالتوازي مع التمشيط الميداني، وعثرت على رفات إضافية نُقلت لاستكمال الفحوص الأنثروبولوجية وأخذ العينات تمهيداً لمسار التعرف على هويات أصحابها.
وحتى إعداد هذا التقرير لم يكن العدد الإجمالي للرفات التي عثر عليها قد أُعلن رسميا بصورة نهائية.
وأشارت توصيفات أولية أوردتها تقارير محلية إلى احتمال أن تكون بعض الرفات عائدة إلى مهاجرين، لكن تحديد أصحابها لا يمكن أن يقوم على مكان العثور عليها أو التقديرات الميدانية وحدها، بل يحتاج إلى أدلة علمية ومطابقة مع بيانات المفقودين وعينات أسرهم.
وتكشف الأرقام اتساع الملف الذي تنتظر خلفه عائلات الإجابة، فقد كانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر لا تزال تبحث عن 3172 شخصا أبلغت أسرهم عن فقدانهم في ليبيا، فيما تشير بيانات الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين إلى آلاف الحالات المسجلة لديها.
ولا يمكن مقارنة الرقمين مباشرة، إذ يصدر كل منهما عن جهة مختلفة ويصف الحالات الموجودة ضمن نطاق عملها وسجلاتها، لكنهما يكشفان حجم ملف لم يحصل أصحابه جميعا على إجابة بعد.
العثور على الرفات ليس نهاية الرحلة
تكشف إفادة خاصة حصلت عليها “صفر” أن رفات زلاف لم تكن -حتى وقت إعداد التقرير- قد دخلت مرحلة التعرف لدى الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين.
وقال مصدر مطلع في الهيئة لـ”صفر” إن الرفات البشرية مجهولة الهوية التي انتُشلت في صحراء زلاف مطلع سبتمبر/ أيلول لا تزال في حوزة جهاز المباحث الجنائية ولم تُحل إلى الهيئة بعد.
ولا تعني هذه المعلومة بحد ذاتها وجود تأخير في الإجراءات، إذ تمر الرفات بمراحل فنية وجنائية تسبق عملية المطابقة، لكنها تكشف أن العثور على الجثمان ليس سوى الحلقة الأولى في مسار قد يكون طويلا قبل أن يصل إلى اسم.
ويشرح مدير الإعلام في الهيئة عبد العزيز الجعفري لـ”صفر” أن عملية التعرف تبدأ بالتوثيق والفحص وأخذ العينات، ثم تحليل المادة الوراثية ومقارنتها بالعينات المرجعية الموجودة لدى الهيئة أو التي يمكن الحصول عليها من أقارب الأشخاص المفقودين.
وهنا تظهر واحدة من أعقد حلقات العملية، فالنجاح في استخراج الحمض النووي من الرفات لا يكفي وحده لمعرفة صاحبها إذا لم تتوافر عينة مرجعية يمكن مطابقتها بها.
ويقول الجعفري إن غياب العينات المرجعية لبعض أسر المفقودين قد يجعل تحديد الهوية صعباً حتى بعد نجاح المختبر في استخراج المادة الوراثية من الرفات.
وبحسب الجعفري، تمكنت الهيئة من تحليل نحو 11 ألف عينة مرجعية قدمها أهالي المفقودين، وتستخدم هذه العينات في عمليات التعرف على المفقودين وضحايا المقابر الجماعية والكوارث والحالات الجنائية.
وهكذا تصبح الأسرة نفسها جزءا أساسيا من رحلة إعادة الاسم إلى الرفات؛ عينة من الأب أو الأم أو أحد الأقارب قد تكون الخيط الذي يصل بين جثمان مجهول وشخص ظل اسمه سنوات داخل بلاغ فقدان.
من عينة إلى اسم
لا تتعامل عملية التعرف مع الرفات باعتبارها رقما جديدا في سجل الموتى، يقول الجعفري إن الهيئة تتعامل مع كل رفات باعتبارها “إنساناً له اسم وأسرة وقصة”، وإن الوصول إلى الهوية يمنح العائلات التي عاشت سنوات من الغموض إجابة موثقة تستند إلى الأدلة العلمية.
وتكتسب هذه العملية بُعداً حقوقياً يتجاوز تحديد هوية المتوفى، إذ يرتبط ملف المفقودين بحق الأسر في معرفة مصير ذويها وإنهاء حالة عدم اليقين التي قد تستمر سنوات.
وبالنسبة إلى رفات زلاف، لم تصل هذه الرحلة إلى نهايتها بعد، فالعمل الميداني والفحوص الأولية يمثلان بداية المسار، بينما يتطلب الوصول إلى الأسماء استكمال الإجراءات واستخراج المادة الوراثية ثم العثور على عينة مرجعية مناسبة وتحقيق التطابق العلمي.
حق الأسر وإطار لم يكتمل
لا تتوقف قضية المفقودين في ليبيا عند قدرة المختبرات على تحليل العينات، فإدارة الملف تحتاج أيضاً إلى إطار قانوني ومؤسسي يحدد مسؤوليات الجهات ويحفظ بيانات المفقودين ويضمن حقوق أسرهم.
ويقول الخبير الليبي الهادي عبد القادر لـ”صفر” إن الاستجابة الأمنية وحدها لا تكفي، داعياً إلى تطوير منظومة توثيق المفقودين وتفعيل الإطار القانوني الذي يحمي حقوقهم وحقوق أسرهم.
ويشهد الملف بالفعل مساراً تشريعياً لم يكتمل بعد، فقد أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عن عمل خبراء يمثلون مؤسسات ليبية مختلفة على مشروع قانون شامل بشأن المفقودين، يتضمن إطاراً وطنياً لمعالجة الملف.
كما جرى تدريب 32 محامياً ومحامية على تقديم المساعدة القانونية لأسر المفقودين ضمن نموذجين تجريبيين في تاورغاء وترهونة.
وترى المستشارة القانونية أميمة باوي أن إقرار القانون لا يكفي بمفرده، وأن فاعليته ترتبط بوجود آليات تطبيق تحمي ملف المفقودين من التسييس والتدخلات وتحافظ على تركيزه على حقوق الضحايا وأسرهم.
وبذلك لا يبدأ حق الأسرة في معرفة الحقيقة عند باب المختبر ولا ينتهي بنتيجة فحص وراثي، بل يحتاج إلى منظومة تستطيع استقبال البلاغ وحفظ البيانات وجمع العينات وربط الجهات المختلفة وإيصال النتيجة إلى الأسرة.
من المجهول إلى الاسم
في صحراء زلاف لا تزال رفات بلا أسماء، وفي ليبيا وخارجها لا تزال أسر تحمل أسماء بلا إجابات، ولا نعرف إن كانت رفات عطية من بينها، ولا توجد معلومات تتيح ربط اختفائه بما عثر عليه في زلاف، وقد لا تكون له أي صلة بها، لكن ما يجمع قصته بقصص عائلات المفقودين هو انتظار الإجابة التي تستطيع منظومة البحث والتعرف أن تمنح بعضها عندما تلتقي الأدلة.
فالطريق يبدأ برفات مجهولة ثم عينة ثم بحث في السجلات، ثم عائلة تقدم عينة مرجعية؛ وإذا التقت العينتان يتوقف الجثمان عن كونه رقماً مجهولاً ويستعيد اسمه، وعندها لا تستعيد الأسرة مفقودها لكنها تستعيد حقاً انتظرته طويلاً، وتعرف أين انتهت حكاية ابنها.
