منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أطفال ليبيا في مواجهة فقر الغذاء.. سنوات الانقسام تترك آثارها في صحة جيل كامل

20 أغسطس 2026
أطفال ليبيون
أطفال ليبيون

قالت نتائج المسح العنقودي متعدد المؤشرات MICS7 في ليبيا الذي أجرته وزارة التخطيط ومكتب الإحصاء والتعداد بالتعاون الفني مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” وتمويل من الاتحاد الأوروبي، إن أوضاع الأطفال الصحية والاجتماعية والغذائية تحتاج إلى قراءة دقيقة في ظل استمرار التحديات الاقتصادية والمؤسسية والإنسانية.

وأُجري المسح خلال عامي 2024 و2025 على عينة وطنية ممثلة بلغت 17,880 أسرة معيشية، وحقق معدل استجابة بلغ 99%، وشمل مؤشرات صحة الطفل والتغذية والنمو والتعليم والحماية والمياه والصرف الصحي والفوارق الاجتماعية، وأكدت يونيسف أن المسح يوفر قاعدة بيانات وطنية واسعة لمساعدة المؤسسات الليبية والشركاء على صياغة سياسات قائمة على الأدلة.

وأوضح مكتب الإحصاء والتعداد ووزارة التخطيط أن المسح شمل 142 مؤشراً قابلاً للمقارنة دولياً، بينها 29 مؤشراً من مؤشرات أهداف التنمية المستدامة، مع توزيع النتائج بحسب العمر والجنس والمنطقة ومكان الإقامة ومستويات الثروة، وهو ما يمنح صانعي القرار قدرة كبرى على تحديد الفئات والمناطق الأكثر احتياجاً.

أزمة تتجاوز الجوع

أوضحت منظمة الأمم المتحدة للطفولة أن فقر الغذاء لدى الأطفال في ليبيا لا يعني بالضرورة انعدام الطعام، وإنما يشير إلى عدم قدرة الطفل على الحصول بصورة منتظمة على غذاء متنوع ومغذٍ يلبي احتياجات نموه. وبيّنت يونيسف أن الحرمان من العناصر الغذائية الأساسية خلال مرحلة الطفولة المبكرة يمكن أن يؤثر في البقاء والنمو البدني والتطور المعرفي، وأن آثاره قد تمتد إلى التحصيل الدراسي والصحة والإنتاجية في مراحل لاحقة من العمر.

وتقدر المنظمة عالمياً أن طفلاً واحداً من كل أربعة أطفال في مرحلة الطفولة المبكرة يعيش في فقر غذائي شديد، أي نحو 181 مليون طفل دون الخامسة، مع تركز المخاطر بصورة كبرى في البيئات الهشة والمتأثرة بالصراعات والأزمات الاقتصادية.

وأظهرت بيانات تقرير التغذية العالمي أن ليبيا تواجه تحديات غذائية قديمة ومتداخلة، إذ تشير أحدث البيانات المتاحة في هذا المصدر إلى أن 38.1% من الأطفال دون الخامسة كانوا يعانون التقزم، في حين بلغت نسبة الهزال 10.2%، وفق بيانات تعود إلى عام 2014، وهي أرقام تاريخية ينبغي عدم التعامل معها باعتبارها صورة آنية لأوضاع عام 2026، لكنها تكشف عمق المشكلة الغذائية التي سبقت التطورات الأخيرة، كما أشار التقرير إلى عدم كفاية البيانات الحديثة لتقييم عدد من مؤشرات تغذية الرضع والأطفال بصورة دقيقة.

 اقتصاد هش وخدمات متباينة

أكد البنك الدولي أن نقاط الضعف الاجتماعية في ليبيا لا تزال حادة، مشيراً إلى أن القيود على الإنفاق في بعض البنود الأساسية، وضعف تقديم الخدمات، والفوارق الكبيرة بين المناطق، وارتفاع البطالة ومخاطر الفقر، تمثل تحديات مستمرة أمام الأسر.

وأوضح البنك الدولي أن الانقسام المؤسسي وإدارة الثروة النفطية بصورة متنازع عليها وضعف القطاع الخاص ما زالت عوامل هيكلية تقيد قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل وتحسين الخدمات الاجتماعية، رغم توقعاته باستمرار نمو بعض الأنشطة غير النفطية واستقرار نسبي للتضخم خلال 2025.

وأضاف البنك الدولي أن الخدمات الأساسية، خصوصاً الصحة والتعليم والمياه والكهرباء، ما زالت تعاني ضعفاً وفوارق إقليمية واضحة، وهو ما يجعل مشكلة تغذية الأطفال مرتبطة بصورة مباشرة بقدرة الأسرة على الوصول إلى الخدمات الصحية والاجتماعية، وليس فقط بقدرتها على شراء الطعام، وتزداد حساسية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بالأسر التي تعيش في المناطق الأبعد أو التي تواجه تداعيات النزوح أو الكوارث الطبيعية أو ضعف البنية التحتية.

الصراع يضاعف هشاشة الأطفال

قالت يونيسف في مايو 2025 إن تصاعد الاشتباكات في طرابلس هدد نحو نصف مليون طفل، وأشارت إلى وقوع أطفال وأسر وعاملين طبيين في مناطق محاصرة بالقتال، في حين تعذر وصول خدمات الطوارئ إلى بعض المنشآت الصحية لساعات، وأكدت المنظمة أن استمرار العنف لا يهدد حياة الأطفال بصورة مباشرة فحسب، وإنما يضرب البنية الأساسية التي يعتمدون عليها للحصول على الرعاية الصحية والتعليم والحماية والغذاء.

وأظهرت التطورات الإنسانية خلال السنوات الماضية أن الأزمات الليبية لا تعمل بصورة منفصلة؛ فالنزاع السياسي والأمني، والنزوح، وتدهور بعض الخدمات، والفيضانات، وتدفقات اللاجئين، كلها تضيف أعباءً جديدة على الأسر والمجتمعات المحلية، وأفادت يونيسف بأن العاصفة دانيال والفيضانات التي ضربت شرق ليبيا عام 2023 أثرت في مئات الآلاف من الأطفال، وأدت إلى تعطيل مرافق صحية وخدمات أساسية، ورفعت مخاطر الأمراض وسوء التغذية وانقطاع التعليم.

 تداعيات إقليمية جديدة

أوضح برنامج الأغذية العالمي أن ليبيا واجهت خلال 2025 احتياجات إنسانية متزايدة بالتزامن مع وصول أعداد كبيرة من اللاجئين بسبب الحروب، حيث تجاوز عدد الوافدين 514 ألف شخص. ووصل البرنامج بالمساعدات الغذائية والنقدية إلى أكثر من 240 ألف لاجئ وأفراد من المجتمعات المضيفة، في حين استفاد أكثر من 35,600 طفل وامرأة وفتاة حبلى أو مرضع من دعم التغذية، كما وفر البرنامج وجبات يومية مغذية لـ15,040 طفلاً في 33 مدرسة بمدينة درنة خلال 2025.

وأشارت المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود نحو 894,890 مهاجراً في ليبيا خلال الفترة من مايو إلى يوليو 2025، ينحدرون من 45 جنسية، بزيادة 18% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وكان الأطفال يمثلون 11% من إجمالي المهاجرين وفق بيانات مصفوفة تتبع النزوح. وتضيف هذه الأرقام طبقة أخرى إلى المشهد الإنساني؛ إذ تواجه ليبيا مسؤوليات متزايدة تجاه سكانها والمهاجرين واللاجئين الموجودين على أراضيها في وقت تعاني فيه مؤسساتها الانقسام.

حقوق الطفل في صلب الأزمة

أكدت يونيسف أن التغذية ليست برنامجاً إغاثياً منفصلاً عن حقوق الطفل، بل جزء من حق الطفل في البقاء والنمو والحصول على الرعاية والخدمات الأساسية، وكانت ليبيا قد انضمت إلى اتفاقية حقوق الطفل في 15 أبريل 1993، ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ بالنسبة إليها في 15 مايو من العام نفسه، وفق سجل مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ويضع ذلك على الدولة التزامات قانونية تتعلق بحماية حقوق الطفل وضمان وصوله إلى الخدمات الأساسية دون تمييز.

وأوضحت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن الحق في الغذاء الكافي، وفق المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتفسير الوارد في التعليق العام رقم 12، لا يقتصر على توفير سعرات حرارية، وإنما يتطلب توافر الغذاء بكميات ونوعية كافيتين، وسلامته وإمكانية الوصول الاقتصادي والمادي إليه بصورة مستدامة. كما يؤكد العهد ضرورة اتخاذ خطوات عاجلة لضمان التحرر من الجوع وسوء التغذية.

انتقادات حقوقية أوسع

قالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها العالمي لعام 2026 إن الانقسام السياسي والمؤسسي في ليبيا استمر خلال 2025، بالتوازي مع تصاعد القمع وضعف المساءلة واحتفاظ جماعات مسلحة بنفوذ واسع، وأشارت المنظمة إلى أن تداعيات الصراع لا تقتصر على الحقوق المدنية والسياسية، وإنما تمتد إلى الخدمات الأساسية، كما يواجه المهاجرون وطالبو اللجوء، ومنهم الأطفال، ظروفاً قاسية وانتهاكات تشمل الحرمان من الغذاء والماء في بعض مراكز الاحتجاز.

وأبرزت هيومن رايتس ووتش كذلك استمرار آثار الفيضانات التي ضربت شرق ليبيا عام 2023، ولا سيما ما يتعلق بإعادة الإعمار والحصول على السكن والرعاية الصحية والكهرباء والتعليم. ويكشف ذلك أن الطفل الليبي قد يواجه مجموعة من المخاطر المتزامنة، تبدأ من قدرة الأسرة على توفير غذاء متنوع، وتمتد إلى الحصول على الرعاية الصحية والتعليم والحماية من العنف والنزوح والكوارث.

من الإغاثة إلى سياسة غذائية

أطلقت وزارة الصحة ووزارة التعليم، بالتعاون مع يونيسف، في يونيو 2026 الاستراتيجية الوطنية للصحة المدرسية والتغذية للفترة 2026–2030، إلى جانب البرنامج الوطني للصحة المجتمعية. وتتضمن الاستراتيجية التغذية المدرسية والصحة النفسية والمياه والصرف الصحي والنظافة ونظم الإحالة الرقمية، في حين يستهدف البرنامج المجتمعي تدريب ونشر 3,500 زائر صحي خلال عامين للوصول إلى الأسر وتقديم خدمات تشمل فحص التغذية ودعم صحة الأم والطفل والتطعيم والتثقيف الصحي.

وأكدت يونيسف أن معالجة فقر الغذاء تتطلب تدخلاً متعدد القطاعات يشمل الأنظمة الصحية والحماية الاجتماعية والغذاء والتعليم؛ لأن تحسين دخل الأسرة وحده لا يضمن بالضرورة حصول الطفل على نظام غذائي متنوع، وتوصي المنظمة بتوسيع خدمات التغذية الأساسية، وتحسين البيئة الغذائية، ودعم الأسر الأكثر هشاشة، وتطوير أنظمة البيانات الوطنية لرصد التغيرات في تغذية الأطفال مبكراً.

وتضع هذه المعطيات أزمة تغذية الأطفال في ليبيا داخل صورة أوسع من مجرد ارتفاع أسعار بعض السلع أو صعوبة توفير البروتينات؛ فهي تتصل بحقوق الطفل وبكفاءة مؤسسات الدولة وباستقرار الاقتصاد وبقدرة المدارس والمراكز الصحية وشبكات الحماية الاجتماعية على الوصول إلى الأسر. وبينما توفر نتائج MICS7 قاعدة وطنية حديثة لتحديد مواطن الخلل، يبقى نشر تفاصيل مؤشراته الغذائية بصورة كاملة ومفصلة خطوة أساسية لفهم حجم فقر الغذاء وتوزيعه جغرافياً واجتماعياً، ومن ثم توجيه الموارد إلى الأطفال والأسر الأكثر احتياجاً.

وتشير الاستجابة الحكومية الجديدة، من خلال استراتيجية الصحة المدرسية والتغذية وبرنامج الصحة المجتمعية، إلى انتقال تدريجي من التدخلات المنفردة إلى مقاربة أكثر تكاملاً، غير أن استمرار الانقسام السياسي والضعف المؤسسي والتفاوت في الخدمات والتعرض للأزمات المناخية والإنسانية يجعل حماية تغذية الطفل تحدياً طويل الأمد. وتبقى الأولوية، وفق المرجعية الحقوقية الدولية، ضمان وصول كل طفل إلى غذاء كافٍ وآمن ومغذٍ بصورة منتظمة، باعتبار ذلك حقاً أساسياً يرتبط مباشرة بالحق في الصحة والنمو والتعليم والحياة الكريمة.

Picture of فيولا فهمي
فيولا فهمي
صحفية متخصصة في قضايا الحريات وحقوق الإنسان