خلف جدران سجن الدامون الإسرائيلي، تتراكم معاناة أسيرات فلسطينيات يواجهن قيوداً تتجاوز سلب الحرية، لتطول الكرامة والصحة والحق في التواصل مع العالم الخارجي، وتتحول تفاصيل الحياة اليومية من الطعام والنظافة والعلاج إلى مصادر إضافية للقلق، في ظل شكاوى متكررة من الاكتظاظ والعزل وسوء المعاملة، وبين أسيرات مريضات وأمهات وقاصرات ونساء يحتجن إلى رعاية خاصة، تبدو تداعيات الاحتجاز أكثر قسوة على الفئات الأكثر هشاشة.
ومع استمرار القيود على الزيارات وغياب الرقابة الإنسانية المنتظمة، تتسع الفجوة بين ظروف الاحتجاز والمعايير التي يفرضها القانون الدولي لحماية النساء المحتجزات.
بحسب مؤسسات حقوقية فلسطينية فإن الأسيرات الفلسطينيات في سجن الدامون يواجهن ظروف احتجاز قاسية تتداخل فيها القيود على الحركة والزيارات، والاكتظاظ ونقص الاحتياجات الأساسية، مع شكاوى متكررة من الإهمال الطبي والعزل وسوء المعاملة.
وأظهرت أحدث البيانات الفلسطينية أن غالبية الأسيرات الفلسطينيات المحتجزات لدى إسرائيل موجودات في الدامون، فيما تضم القائمة نساء مريضات وأمهات وقاصرات وحوامل، ما يضاعف المخاطر الإنسانية المرتبطة بظروف الاحتجاز.
وقالت هيئة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية في يونيو 2026 إن عدد الأسيرات في الدامون بلغ 87 امرأة، بينهن ثلاث أسيرات من قطاع غزة، بينما شكل المعتقلون إدارياً نحو ثلث العدد.
وأوضحت هيئة شؤون الأسرى والمحررين أن واقع الدامون يتسم بالاكتظاظ والحرارة وضعف التهوية ونقص الملابس والمستلزمات الشخصية ومواد النظافة، إلى جانب تدني نوعية الطعام، وقالت الهيئة إن بعض الغرف تضم أكثر من 10 أسيرات، فيما تضم غرف أصغر خمس أسيرات على الأقل، مع السماح للنساء باستخدام ساحة الفورة والاستحمام لمدة ساعة واحدة يومياً.
وأضافت أن عدداً من الأسيرات يعانين أمراضاً خطيرة ويحتجن إلى علاج متخصص، بينما تواجه الأسيرات الحوامل ظروفاً صحية وإنسانية شديدة القسوة.
قيود تتسع
وقد ذكرت جمعية الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان في تقريرها الصادر بمناسبة اليوم العالمي للمرأة في مارس 2026 أن إسرائيل كانت تحتجز 72 فلسطينية، معظمهن في سجن الدامون، بينهن ثلاث قاصرات و32 أماً لديهن أطفالاً وأضافت الجمعية أن 17 امرأة كن محتجزات إدارياً من دون تهمة أو محاكمة، بينما كانت 50 أسيرة بانتظار المحاكمة، وذكرت أن 18 أسيرة يعانين أمراضاً مختلفة، بينهن ثلاث مصابات بالسرطان.
وكشفت جمعية الضمير أن ظروف الاحتجاز شملت، بحسب شهادات جمعتها، نقص الطعام والملابس ومواد النظافة، ومنع زيارات العائلات لمدة عامين ونصف العام تقريباً، إلى جانب غياب زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، وقالت الجمعية إن القيود على الاتصال الخارجي تركت زيارات المحامين بوصفها قناة الاتصال الأساسية بالعالم الخارجي، مع تعرض هذه الزيارات نفسها لقيود شديدة، وهو ما زاد الضغط النفسي على الأسيرات، خصوصاً الأمهات المحرومات من رؤية أطفالهن.
عزلة عن العالم
أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن وصولها إلى المحتجزين الفلسطينيين في أماكن الاحتجاز الإسرائيلية توقف منذ 7 أكتوبر 2023، وقالت في نوفمبر 2025 إنها لم تتمكن منذ ذلك التاريخ من زيارة أي محتجز فلسطيني في أماكن الاحتجاز الإسرائيلية، وإنها واصلت مطالبة السلطات الإسرائيلية بإبلاغها بأماكن احتجازهم والسماح لها بزيارتهم.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في حالة الأسيرات، لأن الزيارة المستقلة تشكل إحدى أدوات التحقق من ظروف الاحتجاز والتواصل مع المحتجزين.
وأضافت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن برنامج زيارات عائلات المعتقلين الفلسطينيين يعمل منذ عام 1968، وأن أكثر من 3.5 مليون زيارة تمت عبر البرنامج على مدى العقود الماضية. وقالت اللجنة إن زيارة الأسرة تمثل شرياناً إنسانياً مهماً للمحتجزين وذويهم، ما يجعل استمرار غياب الزيارات العائلية للأسيرات منذ أكتوبر 2023 عاملاً إضافياً في تفاقم العزلة النفسية والاجتماعية.
الإهمال الطبي
قالت جمعية الضمير في تقريرها لعام 2026 إن ثلاث أسيرات مصابات بالسرطان ما زلن محتجزات في السجون الإسرائيلية، بينما بلغ عدد الأسيرات المريضات 18 امرأة في البيانات التي نشرتها الجمعية في مارس، وأشارت إلى أن الأسيرات يواجهن نقصاً في الرعاية الطبية، في حين تحدثت شهادات جمعتها الجمعية عن الاكتفاء في بعض الحالات بعلاجات محدودة وعدم توفير الرعاية المتخصصة التي تتطلبها الحالات المرضية.
وأفادت جمعية الضمير في مايو 2025 بأن عدد الأسيرات الفلسطينيات المحتجزات بلغ 36 امرأة، بينهن امرأتان حاملتان في الشهر الخامس وامرأتان مصابتان بالسرطان، وقالت إن هؤلاء النساء لم يحصلن على رعاية طبية كافية، وتكشف المقارنة بين بيانات 2025 و2026 أن وجود المريضات والحوامل بين المحتجزات ظل قضية مركزية في التقارير الحقوقية، رغم اختلاف أعداد الأسيرات نتيجة حملات الاعتقال والإفراج والنقل.
وقال المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى في مايو 2026 إن ما يقارب 90 أسيرة كن محتجزات في سجن الدامون، وإن 21 منهن على الأقل يعانين أمراضاً خطيرة، بينها السرطان، وفق بياناته، مع اتهام إدارة السجن بتوفير مسكنات أساسية بدلاً من العلاج الطبي المتخصص، وتبقى هذه الأرقام ضمن بيانات المؤسسات الحقوقية الفلسطينية، فيما لا تنشر السلطات الإسرائيلية بصورة دورية بيانات تفصيلية مماثلة عن الحالة الصحية لكل الأسيرات الفلسطينيات في الدامون.
الطعام والنظافة
ولفت المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى إلى أن الأسيرات يواجهن نقصاً حاداً في الطعام ورداءة نوعيته، وإن الوجبات تفتقر في فترات إلى مكونات غذائية أساسية، مع قيود على إعداد الطعام أو تسخينه، وأضاف المركز أن نقص مواد التنظيف والنظافة الشخصية أدى، وفق شهادات الأسيرات، إلى انتشار أمراض جلدية وتفاقم المشكلات الصحية.
وأفادت هيئة شؤون الأسرى والمحررين في يونيو 2026 بأن الأسيرات الفلسطينيات يواجهن نقصاً في الملابس والمستلزمات الشخصية ومواد النظافة، إلى جانب رداءة الطعام وارتفاع درجات الحرارة وضعف التهوية، وقالت الهيئة إن بعض الأسيرات يضطررن إلى النوم على الأرض، في صورة تعكس أثر الاكتظاظ على الحياة اليومية داخل السجن.
الاقتحامات والعزل
وقالت هيئة شؤون الأسرى والمحررين إن الأسيرات تعرضن خلال عام 2026 لاقتحامات متكررة داخل الأقسام، وإن إحدى الشهادات التي وثقتها الهيئة تحدثت عن استخدام قنبلة صوتية خلال اقتحام في يونيو، وإصابة أسيرة في وجهها.
كما ذكرت الهيئة أن بعض الأسيرات اشتكين من سوء الطعام ومنع الحصول على مسكنات من دون موافقة طبية، وأن بعضهن اضطررن للنوم على الأرض.
وأعلنت جمعية نادي الأسير الفلسطيني في مايو 2026 أن وحدات القمع نفذت ما لا يقل عن 10 اقتحامات خلال مارس وأبريل داخل الدامون، وفق شهادات أسيرات ومفرج عنهن، وقالت الجمعية إن الاقتحامات تضمنت الضرب والإساءة واستخدام وسائل تفريق، بينما تحدثت هيئة شؤون الأسرى في الشهر نفسه عن أكثر من 10 حوادث قمع خلال شهر واحد.
العنف الجنسي
وقال الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره لعام 2026 حول العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات إن الأمم المتحدة وثقت ادعاءات بوقوع انتهاكات جنسية ضد محتجزين فلسطينيين في عدد من منشآت الاحتجاز الإسرائيلية، بينها سجن الدامون.
وشملت الانتهاكات المبلغ عنها بحق النساء التهديد بالاغتصاب والتعري القسري واللمس غير المرغوب فيه والتفتيش الجسدي المهين أو المتجرد من الضمانات اللازمة. وأشار التقرير إلى أن بعض الانتهاكات المزعومة وقعت أثناء الاحتجاز والاستجواب.
وأدرج مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان سجن الدامون ضمن مواقع وردت بشأنها معلومات تتعلق بمعاملة قاسية أو مهينة واعتداءات جنسية بحق محتجزين فلسطينيين، فيما أكدت آليات الأمم المتحدة الخاصة أنها تلقت معلومات عن اعتقال واحتجاز تعسفي لنساء وفتيات فلسطينيات وادعاءات باعتداءات جنسية وتهديدات بالاغتصاب. وتتعامل الأمم المتحدة مع هذه المعلومات باعتبارها ادعاءات تحتاج إلى التحقيق والمساءلة، وليس باعتبارها أحكاماً قضائية نهائية.
القانون الدولي
أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن اتفاقية جنيف الرابعة تنص في المادة 76 على توفير ظروف غذاء ونظافة كافية للمحتجزين، وتقديم الرعاية الطبية التي تتطلبها حالتهم الصحية، وفصل النساء في أماكن مستقلة ووضعهن تحت إشراف نسائي مباشر. كما تمنح المادة المحتجزين حق زيارة مندوبي اللجنة الدولية للصليب الأحمر وفق الشروط المنصوص عليها في الاتفاقية.
وأوضحت الأمم المتحدة أن قواعد نيلسون مانديلا تلزم إدارات السجون باحترام الكرامة الإنسانية لجميع السجناء، وتوفير الرعاية الصحية المناسبة، وتقييد الحبس الانفرادي ليكون إجراءً استثنائياً ولأقصر مدة ممكنة، فيما تضع قواعد بانكوك معايير خاصة لحماية النساء، ولا سيما الحوامل والأمهات. وتشدد القواعد أيضاً على أن التفتيش الجسدي يجب ألا يتحول إلى ممارسة روتينية أو مهينة.
وأضافت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن القانون الدولي الإنساني يوفر حماية خاصة للنساء أثناء النزاعات، فيما ينص البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف على احترام النساء وحمايتهن خصوصاً من الاغتصاب والاستغلال والاعتداءات غير اللائقة، مع إعطاء الأولوية في المعاملة للحوامل والأمهات اللاتي لديهن أطفال رضع في حالات الاعتقال المرتبطة بالنزاع.
الرواية الإسرائيلية
قالت مصلحة السجون الإسرائيلية إن سجن الدامون يضم فئات من السجناء، بينها الأسيرات الأمنيات، وإن المنشأة تضم أيضاً قاصرين ضمن أقسام مخصصة. وتعرض المصلحة في صفحتها الرسمية الدامون باعتباره منشأة تتولى فيها إدارة السجون الإسرائيلية احتجاز فئات مختلفة وفق التصنيف القانوني الذي تعتمده.
وأوضحت إسرائيل في رد رسمي على آليات الأمم المتحدة أن منتجات النظافة الشخصية تُوفر بصورة منتظمة وفق احتياجات السجينات وطلباتهم، وأن السجن يضم غسالة ومجففاً، وقالت إن التفتيش الداخلي للسجن ومحامي المحتجزات لم يثيروا، وفق الرواية الإسرائيلية، مشكلات في هذا الشأن.
وأضافت السلطات الإسرائيلية أن مصلحة السجون تتعامل مع العنف القائم على النوع الاجتماعي والتحرش الجنسي بمنتهى الجدية، وتوفر تدريبات إلزامية لموظفيها لمنع هذه الممارسات.
اتساع الأزمة
قالت جمعية الضمير إن السلطات الإسرائيلية كانت تحتجز في مارس 2026 نحو 72 أسيرة فلسطينية، بينما أفادت جمعية نادي الأسير في يونيو بوصول العدد إلى 89، وهو اختلاف يرتبط بتغير أعداد المعتقلات بصورة مستمرة، وأوضحت جمعية نادي الأسير أن بين الأسيرات ثلاث قاصرات وثلاث حوامل وامرأتين مصابتين بالسرطان و19 معتقلة إدارياً، مشيرة إلى أن غالبية النساء محتجزات في الدامون.
وأعلنت هيئة شؤون الأسرى والمحررين في مارس 2026 أن عدد الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية تجاوز 9500 شخص، بينهم نساء وأطفال، فيما قالت إن أكثر من 80 محتجزاً فلسطينياً توفوا في السجون منذ أكتوبر 2023، مستندة في ذلك إلى بيانات منظمة بتسيلم الإسرائيلية.
وتضع هذه الأرقام قضية الأسيرات في سياق أوسع لأزمة الاحتجاز الفلسطيني التي تشمل الاعتقال الإداري، والمحاكم العسكرية، والقيود على الزيارات والرعاية الطبية.
وتكشف المعطيات المتاحة أن أزمة أسيرات الدامون لا تقتصر على ظروف السجن المادية، وإنما تمتد إلى منظومة متشابكة من العزل والقيود على الاتصال بالعائلات، والاكتظاظ ونقص الاحتياجات الأساسية، وشكاوى الإهمال الطبي وسوء المعاملة، فيما وثقت الأمم المتحدة ادعاءات تتعلق بالعنف الجنسي في الدامون ومرافق احتجاز أخرى.
وفي المقابل، تنفي السلطات الإسرائيلية بعض هذه الاتهامات وتؤكد توفير الاحتياجات الأساسية والتعامل مع منع العنف والتحرش باعتباره أولوية، وبين الروايتين، تبقى الحاجة إلى رقابة مستقلة ومنتظمة على أماكن الاحتجاز، وإتاحة الوصول للجهات الإنسانية الدولية، والتحقيق في ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة، الضمان الأكثر أهمية لتقييم الظروف الفعلية للأسيرات ومحاسبة أي مسؤول عن انتهاكات تثبتها التحقيقات.

