لا يزال ملف حقوق الإنسان في الصومال يواجه تحديات معقدة، في ظل استمرار تأثير النزاع المسلح، والهجمات التي تنفذها حركة الشباب، وضعف بعض مؤسسات إنفاذ القانون، إلى جانب أزمات النزوح والفقر والكوارث الطبيعية.
وفي المقابل، تواصل الحكومة الصومالية جهودا لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الإطار القانوني والحقوقي، بدعم من الأمم المتحدة وشركاء دوليين، مع تركيز متزايد على تطوير المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، وتعزيز سيادة القانون، وتحسين آليات المساءلة والحماية.
ويأتي لقاء رئيسة اللجنة الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان في الصومال الدكتورة مريم قاسم مع الممثل الجديد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي كريستوفوروس بوليتيس في مقديشو، ضمن مسار التعاون الرامي إلى دعم قدرات اللجنة وتطوير جهود حماية حقوق الإنسان وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية بهذا الملف.
محاولة لبناء منظومة وطنية
تعد اللجنة الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان في الصومال إحدى المؤسسات الرئيسية المكلفة بمتابعة أوضاع حقوق الإنسان، وتقديم التوصيات للجهات الحكومية، وتعزيز الوعي بالحقوق والحريات.
وخلال السنوات الأخيرة، ركزت اللجنة على تطوير قدراتها المؤسسية، وتوسيع التعاون مع المنظمات الدولية، بهدف تعزيز دورها في مراقبة الانتهاكات، واستقبال الشكاوى، ونشر ثقافة حقوق الإنسان.
ويقدم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) دعما لعدد من برامج بناء المؤسسات في الصومال، تشمل تعزيز سيادة القانون، وتطوير قدرات المؤسسات الحكومية، ودعم آليات العدالة والحكم الرشيد.
ويرى البرنامج أن بناء مؤسسات وطنية قادرة يمثل خطوة أساسية لتحقيق الاستقرار طويل الأمد، خصوصا في الدول الخارجة من نزاعات طويلة.
النزاع المسلح وحقوق المدنيين
يبقى النزاع مع حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة أحد أكبر مصادر التهديد لحقوق الإنسان في الصومال.
وتوثق تقارير بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى الصومال (UNSOM) ومكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان استمرار سقوط ضحايا مدنيين نتيجة الهجمات المسلحة، إضافة إلى الانتهاكات المرتبطة بالعمليات العسكرية.
وتشمل أبرز المخاوف الحقوقية، استهداف المدنيين خلال الهجمات وتجنيد الأطفال واستخدامهم في النزاعات والعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات والقيود المفروضة على حرية التعبير والعمل الإعلامي وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى بعض المناطق.
وأكدت الأمم المتحدة في تقاريرها أن حماية المدنيين يجب أن تبقى أولوية خلال العمليات الأمنية، مع ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الإنساني.
انتهاكات ضد المدنيين
تعتبر منظمة هيومن رايتس ووتش، أن حركة الشباب تواصل ارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين، تشمل عمليات القتل، والاغتيالات، والابتزاز المالي، والتهديد ضد السكان المحليين والعاملين في المجال الإنساني.
وتشير المنظمة إلى أن الحركة تستخدم العنف لفرض سيطرتها على المناطق الخاضعة لنفوذها، وتستهدف أفراداً ومؤسسات ترى أنها تتعاون مع الحكومة أو المجتمع الدولي.
وتؤكد المنظمة أن معالجة الانتهاكات يجب ألا تقتصر على مواجهة الجماعات المسلحة، بل تحتاج أيضاً إلى تعزيز مؤسسات العدالة والمساءلة داخل الدولة.
الأطفال.. الفئة الأكثر هشاشة
يمثل وضع الأطفال أحد الملفات الحقوقية الأكثر حساسية في الصومال، وتشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أن الأطفال الصوماليين يواجهون تحديات متداخلة تشمل، النزوح وانقطاع التعليم وسوء التغذية ومخاطر التجنيد والاستغلال ومحدودية الوصول إلى الخدمات الصحية.
وتعمل اليونيسف مع الحكومة الصومالية وشركاء دوليين على دعم التعليم والحماية الاجتماعية وبرامج حماية الأطفال المتأثرين بالنزاعات.
ودعت المنظمة إلى تعزيز الإجراءات التي تمنع تجنيد الأطفال، وضمان إعادة تأهيل الأطفال المتضررين من النزاع وإدماجهم في المجتمع.
العنف القائم على النوع
تظل النساء والفتيات من أكثر الفئات تعرضاً للمخاطر في الصومال، خاصة في مناطق النزوح والمناطق المتأثرة بالنزاعات.
وتشير صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) إلى استمرار التحديات المتعلقة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، وزواج الأطفال، ومحدودية الوصول إلى خدمات الحماية والرعاية الصحية.
وتدعم المنظمة برامج لمساعدة الناجيات من العنف، وتعزيز الخدمات الطبية والنفسية والقانونية، إضافة إلى رفع الوعي بحقوق النساء.
حرية التعبير والإعلام
يواجه الصحفيون والعاملون في الإعلام مخاطر كبيرة في الصومال بسبب التهديدات الأمنية والسياسية، وتوثق لجنة حماية الصحفيين (CPJ) ومراسلون بلا حدود (RSF) حالات قتل واعتقال وتهديد بحق صحفيين، معتبرتين أن البيئة الإعلامية في البلاد لا تزال من بين الأكثر خطورة في العالم.
وتطالب المنظمات الدولية السلطات الصومالية بحماية الصحفيين، والتحقيق في الاعتداءات ضدهم، وضمان حق المجتمع في الوصول إلى المعلومات.
كما تسببت سنوات النزاع والجفاف والفيضانات في واحدة من أكبر أزمات النزوح في القرن الإفريقي.
وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أن ملايين الصوماليين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، في حين يعيش عدد كبير من النازحين داخليا في ظروف صعبة تتعلق بالمأوى والغذاء والمياه والرعاية الصحية.
وتؤكد الأمم المتحدة أن تحسين الوضع الحقوقي في الصومال يرتبط أيضا بمعالجة جذور الأزمة الإنسانية، وليس فقط التعامل مع الانتهاكات بعد وقوعها.
جهود تعزيز حقوق الإنسان
رغم التحديات، اتخذت الحكومة الصومالية عددا من الخطوات المرتبطة بالإصلاح المؤسسي والحقوقي، من بينها تعزيز مؤسسات حقوق الإنسان من خلال دعم اللجنة الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان وتطوير قدراتها.
بالإضافة إلى إصلاح قطاع العدالة عبر برامج تهدف إلى تحسين أداء القضاء وتعزيز سيادة القانون، والتعاون مع الأمم المتحدة من خلال الشراكة مع وكالات أممية في مجالات الحماية والتنمية وبناء المؤسسات.
ومكافحة الجماعات المسلحة مع التركيز على استعادة سلطة الدولة وتوفير الأمن للسكان، وتحسين مشاركة المجتمع المدني عبر دعم المبادرات المحلية المرتبطة بالتوعية والرقابة الحقوقية.
بين الإصلاحات والواقع الميداني
يرى المجتمع الدولي أن بناء دولة حقوقية في الصومال يتطلب وقتاً واستمراراً في الإصلاح، خصوصاً أن التحديات الأمنية والإنسانية لا تزال تؤثر مباشرة في قدرة المؤسسات على حماية الحقوق.
وتؤكد الأمم المتحدة وشركاؤها أن الأولوية يجب أن تكون لتعزيز المؤسسات الوطنية، وضمان المساءلة عن الانتهاكات، وحماية المدنيين، وإشراك المجتمع المدني في صياغة مستقبل البلاد.
وفي الوقت الذي تسعى فيه حكومة الصومال إلى تثبيت مؤسساتها، يبقى اختبار حقوق الإنسان مرتبطاً بقدرة الدولة على تحويل القوانين والهياكل الرسمية إلى حماية فعلية تصل إلى المواطنين في مختلف المناطق.

