منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

عاملات الفلاحة في تونس.. سبعون عاماً من إصلاحات المرأة وفجوة مستمرة في حقوق العمل

18 أغسطس 2026
تونس.. دعوات لتحقيق المساواة بين النساء والرجال في العمل
تونس.. دعوات لتحقيق المساواة بين النساء والرجال في العمل

تزامن احتفال تونس بمرور سبعين عاماً على صدور مجلة الأحوال الشخصية مع استمرار نقاش حقوقي حول أوضاع النساء الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها العاملات في القطاع الفلاحي، اللواتي يواجهن تحديات مرتبطة بظروف العمل، والحماية الاجتماعية، والسلامة المهنية، والفقر.

فمنذ صدورها عام 1956، شكلت مجلة الأحوال الشخصية إحدى أبرز المحطات الإصلاحية في تاريخ تونس الحديث، بعدما أقرت مجموعة من التحولات القانونية المتعلقة بوضع المرأة والأسرة، إلا أن منظمات حقوقية ونقابية تشير إلى أن تحقيق المساواة القانونية لا يعني بالضرورة تحقق المساواة الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً بالنسبة للنساء العاملات في القطاعات غير المستقرة.

وتعد العاملات الفلاحات من أكثر الفئات تعرضاً للهشاشة، بسبب طبيعة العمل الموسمي، وضعف الحماية الاجتماعية، والاعتماد الواسع على التشغيل غير المنظم، إضافة إلى مخاطر النقل والعمل في ظروف مناخية قاسية.

قطاع أساسي بلا حماية كافية

تؤدي النساء دوراً محورياً في القطاع الزراعي التونسي، حيث تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن النساء يمثلن نسبة مهمة من القوة العاملة الزراعية في تونس، خصوصاً في الأعمال المرتبطة بالزراعة الموسمية وجمع المحاصيل.

لكن هذا الحضور الاقتصادي لا ينعكس دائماً في شكل حماية قانونية واجتماعية كافية، إذ تواجه كثير من العاملات صعوبات تتعلق بالتغطية الاجتماعية، والاستقرار الوظيفي، والوصول إلى الرعاية الصحية.

وتشير منظمة العمل الدولية إلى أن العاملين في الاقتصاد غير المنظم، ومن بينهم نسبة كبيرة من العاملات في القطاع الزراعي، يواجهون مخاطر أكبر بسبب محدودية الوصول إلى التأمينات الاجتماعية والحماية من إصابات العمل.

وتؤكد المنظمة أن العمل اللائق يتطلب توفير شروط تشمل السلامة المهنية، والأجر العادل، والحماية الاجتماعية، والمساواة في المعاملة.

النقل غير الآمن.. خطر يومي

يمثل النقل إلى أماكن العمل أحد أبرز التحديات التي تواجه العاملات الفلاحيات في تونس، خصوصاً مع اعتماد عدد من النساء على وسائل نقل جماعية غير مهيأة لنقل العمال.

وقد شهدت تونس خلال السنوات الماضية حوادث متكررة لشاحنات نقل العاملات الفلاحات، ما جعل هذا الملف محور اهتمام منظمات المجتمع المدني والنقابات.

وفي هذا السياق، دعت منظمات حقوقية تونسية إلى وضع إطار أكثر صرامة لنقل العاملات، وضمان احترام شروط السلامة، باعتبار أن الحق في العمل لا ينفصل عن الحق في الوصول إلى مكان العمل بأمان.

وأكدت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات في مناسبات عدة أن هشاشة العاملات في المناطق الريفية ترتبط بتداخل عوامل عدة، بينها الفقر، وضعف الحماية الاجتماعية، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية.

الفقر والهشاشة الاقتصادية

تواجه العاملات الفلاحات تحديات اقتصادية كبيرة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من العمل الزراعي يعتمد على مواسم محددة ودخل غير ثابت.

وبحسب البنك الدولي، شهدت تونس خلال السنوات الأخيرة ضغوطاً اقتصادية انعكست على مستويات الفقر والهشاشة الاجتماعية، مع تأثر الأسر محدودة الدخل بارتفاع الأسعار وضعف فرص العمل المستقرة.

وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء في تونس إلى استمرار وجود تفاوتات اقتصادية واضحة بين المناطق، خصوصاً بين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية والريفية، حيث تتركز نسبة كبيرة من العاملات في القطاع الفلاحي.

وتؤكد منظمات حقوقية أن الفقر لا ينعكس فقط على مستوى الدخل، بل يؤثر في قدرة النساء على الحصول على الرعاية الصحية، والتعليم، والحماية القانونية.

ظروف العمل والمخاطر الصحية

تواجه العاملات الفلاحات مخاطر مرتبطة بطبيعة العمل في الهواء الطلق، ومنها التعرض الطويل لأشعة الشمس ودرجات الحرارة المرتفعة، إضافة إلى استخدام المبيدات الزراعية في بعض الأعمال.

وتحذّر منظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية من تأثيرات الإجهاد الحراري على العمال الذين يعملون في بيئات مفتوحة، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة المرتبط بالتغير المناخي.

وفي عام 2024، أطلقت منظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية تحذيرات بشأن زيادة مخاطر الإجهاد الحراري على ملايين العمال حول العالم، داعيتين إلى تعزيز إجراءات الحماية في أماكن العمل.

وتصبح هذه المخاطر أكثر حدة بالنسبة للنساء اللواتي يعملن في وظائف منخفضة الدخل ولا يملكن القدرة على التوقف عن العمل بسبب المرض أو الظروف المناخية.

العاملات القاصرات.. ملف الحماية

أثارت قضية تشغيل الأطفال في القطاع الزراعي اهتمام منظمات حقوق الطفل، حيث تؤكد منظمة العمل الدولية أن الزراعة تعد من أكثر القطاعات التي تستوعب عمالة الأطفال عالمياً.

وتشير اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 138 بشأن الحد الأدنى لسن العمل واتفاقية رقم 182 بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال إلى ضرورة حماية الأطفال من الأعمال التي تعرض صحتهم أو سلامتهم للخطر.

وفي تونس، تؤكد منظمات مدنية أن تشغيل الأطفال في بعض المناطق الريفية يمثل تحدياً مرتبطاً بالفقر وضعف فرص التعليم والحاجة الاقتصادية للأسر.

الحقوق لا تكتمل بالقوانين

ترى منظمات حقوقية تونسية ودولية أن تحسين وضع العاملات الفلاحات يحتاج إلى الانتقال من الاعتراف القانوني بحقوق المرأة إلى ضمان تطبيق هذه الحقوق في الحياة اليومية.

وتطالب الجهات الحقوقية بعدة إجراءات، من بينها تعزيز الحماية الاجتماعية للعاملات في القطاع الزراعي وتوفير نقل آمن يحترم معايير السلامة وضمان الوصول إلى الرعاية الصحية ومكافحة تشغيل الأطفال وتحسين ظروف العمل والأجور وحماية النساء من التمييز والاستغلال.

وتؤكد منظمة العمل الدولية أن تحقيق المساواة بين النساء والرجال في سوق العمل لا يرتبط فقط بإزالة القيود القانونية، بل أيضاً بضمان فرص عمل آمنة ولائقة.

حقوق المرأة في تونس

تكشف أوضاع العاملات الفلاحات عن الفرق بين الحقوق المكتوبة والممارسة اليومية، فالمساواة لا تقاس فقط بالقوانين التي تمنح المرأة حقوقاً مدنية، وإنما أيضاً بقدرتها على العمل في بيئة آمنة والحصول على حماية اجتماعية ودخل يضمن لها حياة كريمة.

وبينما تمثل مجلة الأحوال الشخصية رمزاً لمسار طويل من الإصلاحات المتعلقة بالمرأة في تونس، يبقى ملف العاملات الفلاحيات أحد الاختبارات الأساسية لمدى قدرة السياسات العامة على تحويل هذه المكاسب إلى واقع اقتصادي واجتماعي ملموس.