منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

موريتانيا وملف العبودية.. أحكام قضائية تعيد الجدل حول حماية المدافعين عن حقوق الإنسان

17 أغسطس 2026
أحكام قضائية تثير الجدل حول العبودية في موريتانيا
أحكام قضائية تثير الجدل حول العبودية في موريتانيا

أعاد الحكم الصادر عن محكمة الجنايات في نواكشوط بسجن ثلاثة نشطاء من حركة “إيرا” المناهضة للعبودية لمدة أربع سنوات نافذة الجدل مجددا حول واقع مكافحة العبودية في موريتانيا، وحدود حماية المدافعين عن حقوق الإنسان الذين يعملون على كشف الحالات المشتبه في ارتباطها بممارسات استعبادية.

وقضت المحكمة بإدانة كل من المنسق العام لحركة إيرا الحاج ولد العيد، ومسؤول حقوق الإنسان في المنظمة عبد الله آبو جوب، ومنسق الولاية الجنوبية وعضو اللجنة الإعلامية بو الناس احميده، بتهمة “البلاغ الكاذب”، بعد قيام المنظمة بالإبلاغ عن حالة فتاة قالت إنها قد تكون ضحية لممارسات استعبادية، وهو ما نفته النيابة العامة.

وفي المقابل، أطلقت المحكمة سراح ثلاثة متهمين آخرين في الملف، هم محمد فاضل أعليات، ولَاله عيشة، ورشيدة السالك، فيما نظم نشطاء من الحركة وأقارب الموقوفين احتجاجات للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين.

بين تطبيق القانون وحماية المبلغين

تقول السلطات الموريتانية إن ملاحقة النشطاء جاءت على خلفية بلاغ اعتبرته النيابة العامة غير قائم على أساس قانوني، وإن القضاء تعامل مع القضية باعتبارها ملفا جزائيا يتعلق بادعاءات لم تثبت صحتها.

وترى الجهات الرسمية أن مكافحة العبودية لا تعني السماح بتوجيه اتهامات غير مثبتة، وأن حماية حقوق الأشخاص تتطلب أيضا احترام الإجراءات القانونية والتحقق من الادعاءات قبل نشرها أو تداولها.

وفي المقابل، تعتبر منظمات حقوقية أن ملاحقة ناشطين بسبب الإبلاغ عن حالات يشتبه في كونها استعبادا قد تؤدي إلى خلق بيئة من الخوف لدى الضحايا والمبلغين، وتحد من قدرة المجتمع المدني على كشف الانتهاكات.

تاريخ طويل مع العبودية

تعد موريتانيا من الدول التي واجهت إرثا تاريخيا معقدا مرتبطا بالعبودية والتفاوتات الاجتماعية، إذ ألغت الرق رسميا عام 1981، ثم جرّمت ممارسته عام 2007، قبل أن تصنفه قانونيا عام 2015 باعتباره جريمة ضد الإنسانية.

ورغم الإطار القانوني، تؤكد منظمات حقوقية أن آثار العبودية ما تزال حاضرة في بعض المجتمعات، خصوصا من خلال الفقر والتهميش وصعوبة الوصول إلى التعليم والعمل والعدالة بالنسبة لبعض الفئات المنحدرة من أصول عبيد سابقين.

وتعد حركة “إيرا” (المبادرة الانعتاقية)، التي أسسها الناشط والسياسي بيرام الداه اعبيد عام 2008، واحدة من أبرز الحركات التي ركزت على ملف مكافحة العبودية وملاحقة آثارها الاجتماعية.

أرقام حول العبودية الحديثة

تشير تقديرات منظمة العمل الدولية والمنظمة الدولية للهجرة ومنظمة “Walk Free” في تقرير العبودية الحديثة لعام 2022 إلى وجود نحو 50 مليون شخص يعيشون في أوضاع عبودية حديثة حول العالم، ونحو 28 مليون شخص في العمل القسري، ونحو 22 مليون شخص في زيجات قسرية.

وتشير التقارير الدولية إلى أن الفقر والنزاعات والتمييز وضعف الحماية القانونية من أبرز العوامل التي تزيد مخاطر الاستغلال والعبودية الحديثة.

ورغم عدم وجود تقدير حديث متفق عليه لأعداد ضحايا العبودية في موريتانيا، تؤكد منظمات دولية أن استمرار الفقر والتهميش الاجتماعي يجعل معالجة آثار العبودية القديمة تحديا مستمرا.

انتقادات حقوقية دولية

أثارت قضايا ملاحقة نشطاء حركة “إيرا” انتقادات من منظمات حقوقية دولية خلال السنوات الماضية، إذ دعت جهات مثل منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش السلطات الموريتانية في مناسبات مختلفة إلى ضمان عدم استخدام قوانين التشهير أو البلاغات الكاذبة لتقييد عمل المدافعين عن حقوق الإنسان.

وتؤكد المنظمات الحقوقية أن مكافحة العبودية تتطلب توفير بيئة آمنة للضحايا والمبلغين، لأن الخوف من الملاحقة قد يدفع بعض الأشخاص إلى عدم الإبلاغ عن الانتهاكات.

وتشدد مبادئ الأمم المتحدة الخاصة بالمدافعين عن حقوق الإنسان، على أن الأشخاص الذين يكشفون الانتهاكات أو يقدمون المساعدة للضحايا يجب ألا يتعرضوا للانتقام بسبب نشاطهم الحقوقي.

موقف حركة إيرا

ترى حركة “إيرا” أن الحكم الصادر بحق نشطائها يمثل تضييقا على عملها الحقوقي، وتؤكد أن الإبلاغ عن الحالات المشتبه في كونها عبودية يدخل ضمن دور المجتمع المدني في حماية الضحايا.

ويقول أنصار الحركة إن وجود بلاغات عن حالات استعباد يجب أن يُنظر إليه باعتباره فرصة للتحقيق والحماية، وليس سببا لمعاقبة من يثيرون القضية.

وتطالب الحركة منذ تأسيسها بتعزيز تطبيق قوانين مكافحة العبودية، وتوفير حماية أكبر للضحايا، وضمان استقلالية القضاء في التعامل مع هذا الملف.

حرية العمل الحقوقي

يرى مراقبون أن قضية نشطاء إيرا تعكس تحديا أوسع تواجهه دول عديدة، يتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين محاسبة البلاغات غير الصحيحة، وضمان عدم تحول ذلك إلى وسيلة لإسكات المدافعين عن حقوق الإنسان.

ففي قضايا العبودية والانتهاكات الخطيرة، لا يرتبط الأمر فقط بإثبات واقعة واحدة، وإنما بقدرة النظام القانوني على تشجيع الضحايا على التحدث، وضمان وصولهم إلى العدالة، وحماية كل من يساعد في كشف الانتهاكات.

ويبقى ملف العبودية في موريتانيا مرتبطاً ليس فقط بالنصوص القانونية، وإنما بقدرة المؤسسات على تحويل تلك النصوص إلى حماية فعلية للفئات الأكثر هشاشة.