منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

مجلس حقوق الإنسان يعتمد قراراً بشأن الحق في التنمية رغم انقسام الدول

05 أكتوبر 2026
لقطة من جلسة حقوق الإنسان
لقطة من جلسة حقوق الإنسان

اعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مشروع القرار L.1 المعنون «الحق في التنمية»، بعد تصويت مسجل انتهى بموافقة 28 دولة، مقابل رفض 14 دولة وامتناع 5 دول عن التصويت، في خطوة أعادت إلى الواجهة النقاش الدولي حول مكانة الحق في التنمية داخل منظومة حقوق الإنسان، وحدود الالتزامات الدولية المرتبطة به.

وجاء ذلك ضمن فعاليات الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، خلال الاجتماع الأربعين للمجلس، حيث طرحت أوغندا مشروع القرار نيابة عن حركة عدم الانحياز، مؤكدة أن النص يستند بصورة كبيرة إلى قرارات سابقة، مع إدخال عبارات جديدة تعكس التطورات الراهنة في مجال حقوق الإنسان والاحتياجات الإنمائية للدول، وتؤكد مسؤولية الدول عن حماية وتعزيز التمتع بالحق في التنمية.

وأكدت أوغندا، خلال تقديم مشروع القرار، أن النص يهدف إلى تعزيز الاعتراف بالحق في التنمية باعتباره جزءاً من منظومة حقوق الإنسان، مع تأكيد أهمية التعاون الدولي في هذا المجال، ومنه التعاون بين بلدان الجنوب، على ألا يكون ذلك على حساب التعاون القائم بين بلدان الشمال والجنوب أو الالتزامات المتعلقة بالمساعدة الإنمائية الرسمية.

وأشارت إلى أن مشروع القرار يأخذ في الاعتبار مخرجات حلقة النقاش التي عقدت بمناسبة الذكرى الأربعين لإعلان الحق في التنمية، والتي أتاحت للمجتمع الدولي فرصة لتقييم ما تحقق خلال العقود الأربعة الماضية، إلى جانب بحث العقبات والتحديات التي لا تزال تحول دون التنفيذ الكامل للإعلان على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.

كما يتضمن مشروع القرار طلب بث جميع الاجتماعات العامة للفريق العامل المعني بالحق في التنمية عبر شبكة تلفزيون الأمم المتحدة، استناداً إلى قرار سابق للمجلس، باعتبار أن إتاحة جلسات الفريق العامل للجمهور تعزز الوصول المباشر إلى أعمال الحوكمة الدولية وآليات رصد حقوق الإنسان وصنع السياسات.

وشددت أوغندا على أن حقوق الإنسان عالمية وغير قابلة للتجزئة ومترابطة ويعزز بعضها بعضاً، معتبرة أن ضمان الحق في التنمية يتطلب عدم حرمان الناس من وسائل البقاء الأساسية أو من الوصول إلى البنية التحتية والخدمات والسلع الحيوية التي ترتبط بحياتهم وحقوقهم الأساسية.

مصر: التنمية حق أصيل وغير قابل للتصرف

وأعلنت مصر دعمها لمشروع القرار الذي قدمته حركة عدم الانحياز، معتبرة أن اعتماده يتزامن مع الذكرى الأربعين لإعلان الحق في التنمية، وهو ما يستدعي، بحسب الوفد المصري، تجديد الالتزام بالمبادئ الواردة فيه، وفي مقدمتها الاعتراف بالتنمية باعتبارها حقاً أصيلاً وغير قابل للتصرف من حقوق الإنسان.

وقالت مصر إن أهمية القرار تتزايد في ظل التحديات العالمية والمتداخلة التي تواجه جهود التنمية، والتي تحد من قدرة الدول على تحقيق أهدافها وتوفير الخدمات الأساسية المرتبطة بالتمتع الكامل بحقوق الإنسان.

وأعربت عن أسفها لاستمرار اللجوء إلى التصويت على الحق في التنمية، رغم اعتراف المجتمع الدولي به منذ أربعة عقود، معتبرة أن عدم اعتماد القرار بتوافق الآراء يثير تساؤلات بشأن الرسالة التي يبعث بها المجلس حول مكانة التنمية داخل منظومة حقوق الإنسان.

وأكدت مصر أن التنمية عملية مستمرة تحتاج إليها جميع الشعوب، بغض النظر عن مستويات التنمية المختلفة، وأن تعزيز الحق في التنمية يتطلب تعاوناً دولياً يقوم على الشراكة والاحترام المتبادل للأولويات الوطنية، ما يضمن عدم ترك أحد خلف الركب.

ودعت أعضاء المجلس إلى اعتماد القرار بالتوافق، معتبرة أن ذلك كان سيبعث برسالة موحدة بشأن الالتزام بتعزيز الحق في التنمية وتحويله إلى واقع ملموس ينعكس على حياة الناس.

كوبا: الحق في التنمية لا يزال طموحاً للجنوب العالمي

من جانبها، دعمت كوبا مشروع القرار، مشيرة إلى أن الجمعية العامة اعترفت قبل 40 عاماً بالحق في التنمية باعتباره حقاً عالمياً وغير قابل للتصرف من حقوق الإنسان، إلا أن هذا الحق لا يزال، بالنسبة إلى غالبية بلدان الجنوب العالمي، أقرب إلى كونه هدفاً لم يتحقق بصورة كاملة.

وأكدت أن الحق في التنمية حق شامل، وأن إعماله يمثل عنصراً أساسياً للتمتع بالحقوق الإنسانية الأخرى.

ودعت كوبا إلى اعتماد صك دولي بشأن الحق في التنمية، استناداً إلى النص الذي أوصى به مجلس حقوق الإنسان في عام 2023، معتبرة أن وجود اتفاقية دولية من شأنه وضع الحق في التنمية على قدم المساواة مع حقوق الإنسان الأخرى باعتباره مجموعة من الالتزامات الدولية القابلة للإنفاذ.

كما دعت إلى إدماج الحق في التنمية بصورة منهجية في عمل المجلس وآلياته وإجراءاته الخاصة، بحيث يصبح منظور التنمية حاضراً في تنفيذ مختلف الولايات والمهام.

إندونيسيا وإثيوبيا وباكستان: التنمية مسؤولية مشتركة

وأكدت إندونيسيا أن الحق في التنمية يمثل إطاراً متكاملاً لتحقيق جميع حقوق الإنسان، ومنها الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مشيرة إلى أن تحديات التنمية لا تقتصر على دول الجنوب؛ إذ لا يزال ملايين الأشخاص في الاقتصادات المتقدمة معرضين للفقر والاستبعاد الاجتماعي.

واعتبرت أن إعمال الحق في التنمية مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع الدول، وجددت دعمها للعمل من أجل اعتماد صك دولي بشأن هذا الحق.

أما إثيوبيا، فرأت أن إعمال الحق في التنمية يمثل عنصراً محورياً لتعزيز التمتع الكامل بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، ويتطلب توفير بيئة تمكّن الأفراد والشعوب من المشاركة في التنمية والاستفادة منها على قدم المساواة وبكرامة وعدالة.

وربطت إثيوبيا بين الحق في التنمية وأهداف التنمية المستدامة، خصوصاً في مواجهة الفقر وعدم المساواة والحواجز الهيكلية، مؤكدة أهمية عمل الفريق العامل والآلية والخبراء المستقلين المعنيين بالحق في التنمية.

بدورها، أكدت باكستان أن إعلان الحق في التنمية الذي صدر قبل أربعة عقود وضع الإنسان في صميم عملية التنمية، وأن التقدم ينبغي ألا يقتصر على خلق الثروة، بل يجب أن يسهم في التنمية الاجتماعية ويحافظ على كرامة الإنسان.

وأشارت إلى تحديات تواجه العديد من الدول النامية، منها أعباء خدمة الديون، والكوارث الطبيعية، والفجوات التكنولوجية، داعية إلى إصلاح النظام المالي الدولي، والوفاء بالتزامات المساعدة الإنمائية الرسمية، وتفعيل صندوق الخسائر والأضرار المرتبطة بتغير المناخ، وسد الفجوات الرقمية.

انقسام غربي حول مشروع القرار

وفي المقابل، ظهرت خلافات واضحة بين عدد من الدول الغربية والدول الداعمة لمشروع القرار، خصوصاً بشأن الدفع نحو وضع صك دولي ملزم قانوناً بشأن الحق في التنمية.

وقالت المملكة المتحدة إنها ملتزمة بالتنمية المستدامة والحد من الفقر وتعزيز حقوق الإنسان، لكنها ترى أن الحق في التنمية يمكن إعماله بصورة فُضلى من خلال تنفيذ الالتزامات الدولية القائمة في مجال حقوق الإنسان.

وأعربت عن قلقها من سعي مشروع القرار إلى الدفع نحو وضع صك جديد ملزم قانوناً، معتبرة أن الإطار الدولي الحالي لحقوق الإنسان يوفر منظومة واسعة من الالتزامات، كما أبدت تحفظاً على ما وصفته بزيادة التركيز على العلاقات والالتزامات بين الدول بدلاً من التركيز على الأفراد باعتبارهم أصحاب الحقوق.

وأعلنت المملكة المتحدة لذلك طلب إجراء تصويت، وصوتت ضد مشروع القرار.

واتخذ الاتحاد الأوروبي موقفاً مشابهاً؛ إذ أوضحت إستونيا، نيابة عن دول الاتحاد الأوروبي الأعضاء في المجلس، أن الاتحاد ينظر إلى التنمية باعتبارها حقاً عالمياً متجذراً في الكرامة الإنسانية، لكنه يتمسك في الوقت ذاته بمبدأ أن الأفراد هم أصحاب الحقوق وأن الدول هي الجهات المكلفة بالواجبات.

وأكد الاتحاد الأوروبي دعمه لنهج قائم على حقوق الإنسان لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة والقضاء على الفقر والتمييز وعدم المساواة، لكنه أبدى تحفظات بشأن النهج المتعلق بوضع صك ملزم قانوناً.

وقالت إستونيا إن الاتحاد الأوروبي شارك بصورة بناءة في المشاورات بشأن النص، لكنه لا يستطيع دعم مشروع القرار بصيغته المعروضة، مع استمرار استعداده للمشاركة في النقاش الدولي حول هذه المسألة.

اليابان وإسبانيا وأيسلندا

وأعلنت اليابان أيضاً معارضتها لمشروع القرار، مشيرة إلى تاريخ طويل من تقديم المساعدة الإنمائية الرسمية ودعم مشاريع في مجالات الصحة والبنية التحتية والتعليم وبناء القدرات.

لكنها شددت على أن كل فرد يجب أن يُعترف به باعتباره صاحب حق، بغض النظر عن مكان إقامته، معتبرة أن مشروع القرار يمنح اهتماماً أكبر للجهات الفاعلة بين الدول مقارنة بالأفراد.

وأبدت اليابان كذلك تحفظات على الإشارة إلى صك ملزم قانوناً، داعية إلى إجراء نقاشات موضوعية قبل استباق نتائج المفاوضات، وأعلنت التصويت ضد القرار.

أما إسبانيا، فأيدت موقف الاتحاد الأوروبي، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن الحق في التنمية يمثل جزءاً من الإطار العالمي لحقوق الإنسان، وأن إعماله يجب أن يتسق مع عالمية حقوق الإنسان وعدم قابليتها للتجزئة وترابطها.

وأشارت إلى أهمية التمويل في تحقيق الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لكنها اعتبرت أن القرار بصيغته الحالية لا يمكن دعمه، مع تأكيد استمرار المشاركة البناءة في النقاشات المتعلقة بالحق في التنمية.

في المقابل، أعلنت أيسلندا امتناعها عن التصويت، موضحة أن التنمية جزء لا يتجزأ من إطار حقوق الإنسان، وأن الديمقراطية والتنمية واحترام حقوق الإنسان مترابطة ويعزز بعضها بعضاً.

وأشارت إلى استمرار مخاوفها بشأن بعض الإشارات الواردة في النص، ولا سيما المتعلقة بصك ملزم قانوناً، مع تقديرها لانفتاح أوغندا وحركة عدم الانحياز خلال المشاورات.

الصين: الحق في التنمية حق غير قابل للتصرف

وأعلنت الصين تصويتها لمصلحة القرار، معتبرة أن إعلان الحق في التنمية قبل 40 عاماً نص بوضوح على أن هذا الحق غير قابل للتصرف.

وقالت إن التحديات المتزايدة، ومنها النزاعات الجيوسياسية والانقسامات بين الشمال والجنوب ومشكلات الحوكمة، تفرض عقبات إضافية أمام إعمال الحق في التنمية.

ودعت إلى تهيئة بيئة أكثر ملاءمة للتنمية المتساوية، ومواجهة تحديات التنمية بصورة مشتركة، مع تأكيد أهمية القضاء على الفقر وعدم المساواة.

القرار يعتمد بأغلبية 28 صوتاً

وفي ختام المناقشات، وبناءً على طلب المملكة المتحدة واليابان، أُجري تصويت مسجل على مشروع القرار L.1.

وأعلن رئيس الجلسة نتائج التصويت التي أظهرت حصول المشروع على 28 صوتاً مؤيداً، مقابل 14 صوتاً معارضاً، و5 أصوات امتناع عن التصويت.

وبذلك اعتمد مجلس حقوق الإنسان مشروع القرار المعنون «الحق في التنمية».

ويعكس التصويت استمرار وجود اختلافات في الرؤى داخل المجلس بشأن طبيعة الحق في التنمية وآليات إعماله، ولا سيما مسألة إنشاء صك دولي ملزم قانوناً، مقابل التوافق الأوسع على أهمية التنمية في تعزيز التمتع بحقوق الإنسان ومواجهة الفقر وعدم المساواة.

ويعيد اعتماد القرار تأكيد حضور الحق في التنمية ضمن أجندة مجلس حقوق الإنسان، في وقت تتواصل فيه المناقشات الدولية حول كيفية تحويل هذا الحق من مبدأ معترف به منذ أربعة عقود إلى التزامات وسياسات وممارسات ملموسة تضمن استفادة الأفراد والشعوب من ثمار التنمية بصورة عادلة وشاملة.