قالت منظمة بتسيلم الإسرائيلية لحقوق الإنسان إن 47 عائلة فلسطينية تضم أكثر من 300 شخص تواجه خطر التهجير الوشيك من منازلها في شمال غور الأردن، بعدما فقدت مصادر المياه التي تعتمد عليها في الشرب والزراعة وتربية المواشي.
وأضافت المنظمة في بيان أن الأطفال يشكلون نحو نصف أفراد هذه العائلات، ما يجعل أزمة المياه تهديداً مباشراً للحياة اليومية ومستقبل الأسر التي تتمسك بأرضها رغم الظروف القاسية.
ذكرت بتسيلم أن القوات الإسرائيلية والمستوطنين قطعوا خلال الأسبوع الماضي آخر أنابيب المياه التي كانت تغذي العائلات في مناطق رأس الأحمر والثعلة وشرق عاطوف.
وأوضحت المنظمة أن السلطات الإسرائيلية تمنع في حالات كثيرة نقل المياه إلى المنطقة، الأمر الذي يترك السكان أمام خيار بالغ الصعوبة بين تحمل العطش أو مغادرة منازل ارتبطت بها حياتهم ومصادر رزقهم لعقود.
وتؤكد معطيات “بتسيلم” أن الضغط على التجمعات الفلسطينية في الأغوار يتواصل عبر العنف والقيود على الوصول إلى الأرض والمياه.
الماء يتحول إلى خط فاصل
أوضحت “بتسيلم” أن العائلات المتضررة تعتمد بصورة أساسية على الزراعة وتربية المواشي، ولذلك فإن قطع المياه لا يمس احتياجات الشرب وحدها، بل يضرب أساس الاقتصاد الذي يسمح لهذه الأسر بالبقاء، ومع غياب المياه تتراجع قدرة المزارعين على ري المحاصيل وسقي قطعانهم، في حين ترتفع كلفة الحصول على المياه المنقولة بالصهاريج، في وقت تقيد فيه السلطات الإسرائيلية وصول السكان إلى مصادر المياه وشبكاتها.
وأظهرت شهادات جمعتها “بتسيلم” من سكان الأغوار حجم العبء الذي يفرضه نقص المياه على الأسر الرعوية، وقال أحد السكان إن عائلته تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه يومياً للإنسان والماشية، في حين يضطر آخرون إلى شراء المياه ونقلها لمسافات طويلة بتكاليف تثقل كاهلهم وتدفع بعضهم إلى بيع جزء من مواشيهم لتغطية النفقات.
وتكشف هذه الشهادات أن أزمة المياه تحولت إلى عامل اقتصادي واجتماعي يهدد قدرة العائلات على الاستمرار في أراضيها.
التجريف يوسع دائرة الخطر
أشارت المنظمة الحقوقية الإسرائيلية إلى أن قطع خطوط المياه يتزامن مع أعمال حفر وتجريف مرتبطة بمشروع الخيط القرمزي في شمال غور الأردن.
وتظهر تقارير فلسطينية ودولية أن المشروع يتضمن شق طريق عسكرية وإقامة حاجز يفصل مناطق في شمال الأغوار، في حين امتدت أعمال الحفر إلى أراض زراعية وخطوط مياه ومنشآت مرتبطة بالإنتاج الزراعي.
وذكرت وكالة الأنباء الفلسطينية وفا أن عمليات التجريف ألحقت أضراراً بمئات الأشجار وخطوط مياه تخدم مساحات زراعية واسعة في مناطق عاطوف وسهل البقيعة.
وأضافت “بتسيلم” أن الأضرار التي لحقت بالمنطقة منذ بدء أعمال الحفر في مارس 2026 شملت اقتلاع أشجار زيتون، وتدمير محاصيل وبيوت زجاجية، وهدم أجزاء من خطوط المياه والري، والإضرار بأراضٍٍ يعتمد عليها عشرات السكان في كسب عيشهم، مؤكدة أن استمرار هذه العمليات يهدد بتجريد التجمعات الفلسطينية من المقومات الأساسية التي تسمح لها بالبقاء في المنطقة.
الأغوار أمام واقع متغير
تكتسب هذه التطورات خطورتها من موقع الأغوار وأهميتها الزراعية والاقتصادية للفلسطينيين، وتشير تقارير حديثة إلى أن مشروع الخيط القرمزي يتضمن في مرحلته الحالية حاجزاً يمتد نحو 22 كيلومتراً بين عين شبلي وتياسير، مع أعمال حفر تستهدف فصل تجمعات فلسطينية عن أراضيها الزراعية، كما تحدثت تقارير عن أوامر للاستيلاء على أراضٍٍ ومسارات عسكرية جديدة يمكن أن تعزل مساحات زراعية واسعة عن أصحابها.
وتأتي أزمة العائلات الـ47 في سياق أوسع شهد خلال عام 2026 نزوح تجمعات فلسطينية من أجزاء مختلفة من الأغوار نتيجة تداخل هجمات المستوطنين والقيود العسكرية وعمليات الهدم ومصادرة الممتلكات.
وسجلت “بتسيلم” خلال مارس وحده حالات تهجير لعائلات في الخريبات وفصايل الوسطى ومناطق أخرى من الأغوار، في حين استمرت عمليات الضغط على التجمعات الرعوية خلال الأشهر التالية.
ويمثل غور الأردن إحدى أكثر المناطق حساسية في الضفة الغربية، ويعتمد سكان التجمعات الفلسطينية فيه بدرجة كبيرة على الزراعة والرعي ومصادر المياه المحلية، وتتركز أجزاء واسعة من المنطقة ضمن المنطقة ج الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية وفق ترتيبات أوسلو، ما جعل وصول الفلسطينيين إلى الأرض والمياه والبنية التحتية خاضعاً لقيود واسعة.
وفي عام 2026 تصاعدت أعمال التجريف المرتبطة بمشروع الخيط القرمزي، بالتوازي مع أضرار طالت شبكات المياه والأراضي الزراعية، وقد أفادت “وفا” في يوليو بأن تدمير خطوط المياه في سهل البقيعة أدى إلى انقطاع المياه عن نحو 30 ألف دونم زراعي، في حين قالت إن المشروع الحالي يستهدف إنشاء طريق عسكرية وحاجز بطول يقارب 22 كيلومتراً.
وتضع هذه التطورات عشرات العائلات أمام أزمة تتجاوز نقص المياه إلى تهديد مباشر لاستقرارها الاقتصادي والاجتماعي، فحين تنقطع المياه عن المنزل والحقل والقطيع في الوقت نفسه، تصبح القدرة على البقاء في الأرض أكثر صعوبة، ويغدو التهجير نتيجة محتملة لضغط يتراكم يوماً بعد يوم.
