شهدت عدة مناطق ذات غالبية كردية في غرب إيران خلال الأيام الماضية سلسلة من الاعتقالات الأمنية التي أعادت إلى الواجهة ملف الاعتقال التعسفي والاحتجاز في أماكن غير معلنة، وسط تقارير حقوقية تتحدث عن مداهمات للمنازل واعتقالات من دون إبراز مذكرات قضائية في بعض الحالات، إضافة إلى عدم تمكن عدد من العائلات من معرفة أماكن احتجاز أبنائها أو طبيعة التهم الموجهة إليهم.
ووفق تقارير نشرتها منظمة “ههنگاو” لحقوق الإنسان، جرى خلال الفترة بين 13 و16 أغسطس توقيف عدد من المواطنين الأكراد في مدن وقرى شملت بوكان ومياندواب وأشنوية ومهاباد وسنندج وأورمية.
وتقول المنظمة إن بعض الاعتقالات نُفذت في ساعات الليل أو الفجر، وإن عناصر أمنية فتشت منازل وصادرت هواتف وأجهزة إلكترونية، في حين بقيت أماكن احتجاز بعض المعتقلين غير معلنة حتى وقت نشر التقارير، ولا تتوافر حتى الآن بيانات رسمية شاملة توضح أسباب جميع حالات التوقيف أو التهم الموجهة إلى كل شخص بصورة منفصلة.
مداهمات واعتقالات في إيران
في واحدة من أحدث الحالات، قالت “ههنگاو” إن قوة تابعة لاستخبارات الحرس الثوري طوقت قرية كاشاله التابعة لأورمية في الساعات الأولى من 16 أغسطس، قبل أن تداهم منازل ثلاثة رجال وتعتقلهم.
وبحسب المنظمة، لم تبرز القوة مذكرات قضائية خلال عمليات التوقيف، ولم تتمكن العائلات لاحقاً من الحصول على معلومات واضحة بشأن مكان وجود المعتقلين أو الجهة التي تحتجزهم أو طبيعة الاتهامات الموجهة إليهم.
وفي سنندج، وثقت المنظمة اعتقال داريوش رحيمي من منزله في 15 أغسطس، وقالت إن عناصر الأمن فتشوا المنزل وصادروا هاتفيه وهاتف زوجته قبل اقتياده إلى جهة غير معلنة، واستمرت الأسرة، بحسب التقرير، في البحث عن معلومات بشأن وضعه القانوني ومكان احتجازه، من دون أن تتلقى إجابات واضحة في الساعات التالية للاعتقال.
لكن إحدى أكثر الحالات إثارة للجدل تتعلق بعائلة بادسار في بوكان، فبحسب “ههنگاو”، توجه عناصر أمن إلى منزل الأسرة بحثاً عن زكريا بادسار، وعندما لم يجدوه اعتقلوا والده إسماعيل بادسار، وتقول المنظمة إن الأسرة أُبلغت بأن الأب لن يطلق سراحه ما لم يسلم الابن نفسه، وهو ما حدث لاحقاً؛ إذ توجه زكريا إلى إدارة الاستخبارات وسلّم نفسه، فجرى توقيفه والإفراج عن والده.
اعتقال وإشكالية حقوقية
إذا ثبت أن الأب احتجز فقط لإجبار ابنه على تسليم نفسه، فإن هذه الواقعة تثير إشكالية حقوقية مستقلة عن القضية الأصلية، فالمسؤولية الجنائية في القانون تقوم على أساس فردي، ولا يفترض أن يتحول احتجاز قريب أو فرد من الأسرة إلى أداة ضغط على شخص آخر مطلوب للسلطات، كما أن استخدام الحرمان من الحرية لتحقيق غرض غير مرتبط بسلوك الشخص المحتجز نفسه يمكن أن يضع الحالة ضمن نطاق الاعتقال التعسفي.
وخلال الفترة ذاتها، تحدثت “ههنگاو” عن اعتقال آخرين في أشنوية ومهاباد وبوكان ومياندواب، بينهم مغنٍ وناشطون مدنيون، وقالت إن بعض المنازل تعرضت للتفتيش وإن أجهزة إلكترونية وممتلكات شخصية صودرت خلال المداهمات، وفي عدد من هذه الحالات، لم تكن التهم أو أماكن الاحتجاز معلنة وقت صدور التقارير، في حين قالت المنظمة إن العائلات لم تتمكن من التواصل مع المعتقلين أو الحصول على معلومات كافية عن أوضاعهم.
ولا يعني عدم إعلان مكان الاحتجاز تلقائياً أن كل حالة تشكل «اختفاءً قسرياً» بالمعنى القانوني الدقيق، فهذا الوصف يتطلب توافر عناصر محددة، منها حرمان الشخص من حريته من جانب الدولة أو من يعمل بإذنها، ثم رفض الاعتراف بذلك الحرمان أو إخفاء مصير المحتجز أو مكانه، ما يخرجه من حماية القانون، لكن استمرار عدم معرفة الأسرة بمكان الشخص، أو منعه من التواصل مع محامٍ أو أقاربه، يمكن أن يثير مخاوف جدية من الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، وقد يتحول إلى اختفاء قسري إذا استمرت العناصر القانونية اللازمة.
تصاعد استهداف الأقليات
تأتي هذه الاعتقالات بعد تحذير أصدره خبراء مستقلون تابعون للأمم المتحدة في 6 أغسطس بشأن ما وصفوه بتصاعد استهداف الأقليات القومية والإثنية في إيران، ولا سيما الأكراد والبلوش، وأعرب الخبراء عن قلقهم من تقارير تتعلق بالاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة والإعدامات، معتبرين أن تلك الفئات تأثرت بصورة غير متناسبة بحملات أمنية نفذتها السلطات خلال الأشهر الماضية.
وسبق أن أثارت آليات أممية مخاوف من تقارير عن توقيف أشخاص ونقلهم إلى أماكن غير معلنة وحرمانهم من الاتصال بعائلاتهم ومحاميهم، وهي ممارسات تكتسب خطورة كبرى في البيئات التي تخضع فيها المناطق الحدودية لتدابير أمنية مشددة.
وتقول السلطات الإيرانية، من جانبها، إن المناطق الغربية والحدودية تواجه مخاطر مرتبطة بالجماعات المسلحة والانفصالية والتسلل والاستخبارات الأجنبية، وإن الإجراءات الأمنية تستهدف حماية الأمن القومي وملاحقة من يشتبه في تورطهم في نشاطات غير قانونية، لكن وجود مخاطر أمنية حقيقية لا يلغي الضمانات الأساسية التي تحكم أي عملية توقيف، فإيران طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يحظر الاعتقال التعسفي وينص على ضرورة إبلاغ المقبوض عليه بأسباب توقيفه والتهم المنسوبة إليه، كما يضمن حقه في الطعن في قانونية احتجازه والوصول إلى ضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة.
غموض حول مكان الاحتجاز
تتجاوز آثار عدم الكشف عن مكان المحتجز الشخص نفسه لتطول أسرته أيضاً، فعندما لا تعرف العائلة أين يوجد ابنها، فإنها لا تستطيع التأكد من سلامته أو معرفة ما إذا كان يحتاج إلى علاج أو أدوية أو توكيل محامٍ للدفاع عنه، ويصبح الغموض حول مكان الاحتجاز جزءاً من الأزمة نفسها، لا مجرد نقص في المعلومات، خصوصاً إذا امتد لساعات أو أيام من دون قناة رسمية تسمح للأسرة بمتابعة القضية.
ولهذا فإن السؤال الحقوقي الذي تطرحه موجة الاعتقالات الأخيرة لا يتعلق فقط بما إذا كانت لدى السلطات الإيرانية أسباب للتحقيق مع هؤلاء الأشخاص، فالدولة تملك حق التحقيق في الجرائم وملاحقة المشتبه بهم، ومنها القضايا المتعلقة بالأمن القومي والعنف، لكن هذا الحق يجب أن يمارس ضمن إطار واضح من الإجراءات القانونية، بحيث يعرف المعتقل سبب توقيفه، وتعرف عائلته مكان وجوده، ويستطيع الوصول إلى محامٍ، ويعرض على جهة قضائية مستقلة خلال مدة معقولة.
وفي ظل تكرار التقارير عن اعتقالات تنتهي بنقل الأشخاص إلى جهات غير معلنة، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة للعائلات بسيطاً ومباشراً: ليس فقط لماذا اعتُقل أبناؤنا، بل أين هم؟ وهي نقطة تختصر جوهر الإشكالية الحقوقية الحالية؛ فكلما طالت الفترة التي يبقى فيها مصير المحتجز ومكانه مجهولين، تحولت القضية من إجراء أمني إلى اختبار حقيقي لمدى خضوع أجهزة الدولة نفسها للقانون.
