منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

حق العودة إلى إفريقيا.. الجنسية والتعويضات “جسر لجبر إرث العبودية”

20 أغسطس 2026
جهود دولية لدعم المتضررين من إرث العبودية
جهود دولية لدعم المتضررين من إرث العبودية

أعاد حق ذوي الأصول الإفريقية في العودة إلى القارة فتح ملف العدالة التعويضية من زاوية تتجاوز الاعتذار والاعتراف التاريخي، لتصل إلى استعادة الحق في الانتماء والإقامة والجنسية، وبينما تتجه دول في غرب إفريقيا إلى فتح مسارات قانونية أمام أحفاد الأفارقة المستعبدين، تتصاعد الدعوات إلى اعتبار العودة جزءًا من جبر الضرر الذي خلّفته تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي والاستعمار.

طرح الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما، خلال زيارته إلى جامايكا أغسطس الجاري، عودة ذوي الأصول الإفريقية إلى القارة باعتبارها حقًا وليس عملًا خيريًا، وأعلن أن غانا تدرس مشروع قانون جديدًا للعودة إلى الوطن، من شأنه تقنين مسارات الإقامة والجنسية لأفراد ما وصفه بـ”الأسرة الإفريقية العالمية”.

أكد ماهاما، أمام البرلمان الجامايكي، أن حق الأشخاص من أصول إفريقية في الشتات في العودة إلى القارة الأم والاستقرار فيها إذا رغبوا يجب أن يُعامل باعتباره حقًا أصيلًا، وأشار إلى أن غانا أصدرت عام 2000 قانون “حق الإقامة”، الذي يسمح للمنحدرين من أصول إفريقية المؤهلين بالتقدم للحصول على حق العيش والعمل في البلاد دون تأشيرة، بينما تسعى حكومته الآن إلى إطار أكثر وضوحًا يشمل الإقامة والجنسية.

ودعا الرئيس الغاني كذلك إلى تجاوز حدود بلاده، معلنًا رغبته في الدفع نحو تبني الدول الإفريقية حق العودة لأفراد الشتات عندما تتولى غانا رئاسة الاتحاد الإفريقي، وربط هذا التوجه بمسار العدالة التعويضية، باعتبار استعادة الصلة بين القارة وأحفاد من أُجبر أسلافهم على مغادرتها جزءًا من معالجة آثار العبودية والاستعمار.

ما وراء العودة

استندت صحيفة “جامايكا أوبزرفر” إلى هذه الإجراءات لتوضح مسيرة غانا في تعزيز صلتها بالشتات، من خلال مبادرات مثل “عام العودة” عام 2019 و”ما وراء العودة”، فيما أكد ماهاما أن العودة لا ينبغي أن تُعامل كبادرة إنسانية، وإنما كحق لأحفاد من أُجبر أسلافهم على مغادرة القارة عبر تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي.

كما ربطت صحيفة “الغارديان” هذا التوجه بالحراك العالمي المتنامي من أجل العدالة التعويضية من بريطانيا وغيرها من القوى الاستعمارية، معتبرة أن دعم حق ذوي الأصول الإفريقية في العودة أصبح أحد ركائز هذا الحراك.

وتزامنت زيارة ماهاما مع استعداد مسؤولين جامايكيين للسفر إلى المملكة المتحدة لتقديم التماس رسمي إلى الملك تشارلز الثالث طلبًا لإرشادات قانونية بشأن مطالبة بريطانيا بتعويضات عن العبودية.

استعادة الهوية

ربطت الكاتبة والناشطة الثقافية الجامايكية باربرا بليك هانا العودة إلى إفريقيا بالهوية، موضحة أن العودة تمثل مبدأ راسخًا لدى حركة الراستافاري.

وأكدت، في كتابها “دليل التعويضات الجامايكية”، أن العودة إلى إفريقيا تمثل “أقوى مطلب مستمر” للحركة، وأن التعويضات كان يُنظر إليها باعتبارها وسيلة لتمويل العودة إلى القارة التي اقتُلع منها الأسلاف.

جادلت بليك هانا بأن قسوة العبودية لم تُمح بالتحرر، وأن التراث وحقوق الأرض واللغة والعادات التي انتُزعت من الشعوب الإفريقية لم تُستعد، معتبرة إعادة التوطين عودة روحية إلى الوطن وحقًا لمن فقدوا هويتهم نتيجة صدمة العبودية.

وأكدت الدكتورة جون سومر، العضو المؤسس في اللجنة الوطنية للتعويضات في سانت لوسيا، أن إعادة التوطين لا تنفصل عن الهوية، وأن العودة إلى إفريقيا، سواء بصورة فعلية أو عبر استعادة الصلة بالتاريخ والثقافة اللذين مزقتهما العبودية عبر الأطلسي، مهمة لذوي الأصول الإفريقية، واستحضرت زيارتها الأولى إلى جوهانسبرغ، قائلة إنها شعرت بأنها تعود إلى الوطن.

وسّع ستيفن غولدينغ، من المجلس الوطني للتعويضات في جامايكا، مفهوم العودة ليشمل إعادة بناء الروابط الاقتصادية والثقافية والنفسية التي قطعتها العبودية، موضحًا أنها لا تعني بالضرورة انتقال الجميع فعليًا إلى إفريقيا، وإنما يمكن أن تبدأ باعتراف القارة بهم كمواطنين واستعادة الروابط التي فقدوها.

أضاف غولدينغ أن العبودية والاستعمار تسببا في فقدان اللغة والثقافة والدين بصورة منهجية، مستشهدًا بسوابق تاريخية للعودة الفعلية إلى إفريقيا، بينها أيوبا ديالو وعبد الرحمن، وإنشاء بريطانيا والولايات المتحدة سيراليون وليبيريا لإعادة توطين أفارقة تحرروا من العبودية، ومنح الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي أراضي لأفارقة الشتات في القرن العشرين.

حق أم أداة للتنمية؟

كشفت بيانات معهد سياسات الهجرة الأمريكي أن غانا وبنين وسيراليون وغينيا بيساو أصبحت الدول الإفريقية الوحيدة التي تقدم حاليًا برامج للجنسية لأفراد الشتات، فيما حصل ما لا يقل عن 1213 شخصًا على الجنسية بموجب هذه السياسات في الدول الأربع، وفق البيانات المتاحة علنًا، مع احتمال أن يكون العدد الفعلي أعلى لعدم وجود بيانات مركزية.

وكان معظم الحاصلين من الأمريكيين من أصول إفريقية، إلى جانب أشخاص من كندا والمملكة المتحدة ودول الكاريبي، ومن بينهم الموسيقار ستيفي وندر والمغنية سيارا والمخرج سبايك لي.

ومنحت غانا الجنسية لأفراد الشتات للمرة الأولى عام 2016، بينما أطلقت سيراليون وبنين وغينيا بيساو مبادراتها الخاصة منذ عام 2021.

تستهدف هذه السياسات بصورة أساسية أحفاد الأفارقة المستعبدين، وإن اختلفت الشروط ومسارات الحصول على الجنسية من دولة إلى أخرى.

علّقت غانا في فبراير 2026 إجراءات التجنس لأفراد الشتات مؤقتًا بعد جدل حول إدخال شرط تقديم عينات من الحمض النووي لإثبات وجود صلة بغانا، بالتزامن مع رفع الرسوم من 2500 سيدي غاني، أي نحو 220 دولارًا، إلى 25 ألف سيدي، أي نحو 2220 دولارًا، ثم أعيد العمل بالإجراء لاحقًا دون شرط الحمض النووي، فيما تقدم 3 آلاف شخص بطلبات عام 2026، وحصل 150 منهم على الجنسية خلال مراسم عامة في مارس.

تجارة الرقيق عبر الأطلسي

أقرّت بنين القانون رقم 2024-31 في سبتمبر 2024، وربطت صراحة منح الجنسية لأشخاص من أصول إفريقية بالتعويض عن تجارة الرقيق عبر الأطلسي.

وأطلقت عام 2025 برنامج “My Afro Origins” لأحفاد الأفارقة المستعبدين، مع اشتراط اختبار الحمض النووي لإثبات صلة بإفريقيا جنوب الصحراء، ويمنح المسار المتقدمين من الخارج جنسية مؤقتة لثلاث سنوات، دون جواز سفر أو حقوق سياسية كاملة في البداية.

أتاحت سيراليون مسارًا للجنسية لأفراد الشتات منذ 2021، ومسارًا آخر عن طريق الاستثمار أُطلق عام 2025 ويتطلب استثمارًا بقيمة 100 ألف دولار، مع إمكانية صدور الموافقات خلال 60 يومًا، أما غينيا بيساو فمنحت 29 شخصًا الجنسية بين يناير وأكتوبر 2025، قبل توقف العملية بسبب عدم الاستقرار السياسي.

وأوضح معهد سياسات الهجرة أن هذه السياسات تكشف توترًا بين اعتبار الجنسية وسيلة للعدالة التعويضية وبين استخدامها أداة للتنمية الاقتصادية، إذ تسعى الدول إلى جذب أفراد الشتات باعتبارهم مصدرًا للتحويلات والاستثمارات والمهارات والسياحة، بينما تقدم حكومات العودة أيضًا باعتبارها استعادة للروابط التي قطعتها تجارة الرقيق والاستعمار.

وربطت غانا مبادرات العودة بالسياحة والتنمية، إذ استقبلت في 2019 نحو 1.1 مليون زائر دولي، بزيادة تقارب 18% عن العام السابق، وحققت مبادرة “عام العودة” 1.9 مليار دولار وفق هيئة السياحة الغانية، وحصل 126 فردًا من أبناء الشتات على الجنسية عام 2019، و674 فردًا منذ بدء برنامج “ما وراء العودة” في 2020.

وأثارت هذه السياسات تساؤلات حول قدرتها على تحقيق العدالة التعويضية، خصوصًا عندما تُربط بشروط اقتصادية أو اختبارات للحمض النووي، وأدى إدخال غانا المفاجئ لشرط الحمض النووي وزيادة الرسوم إلى ردود فعل معارضة، إذ رأى منتقدون أن ربط الأهلية بإثبات صلة بغانا يتعارض مع الهوية الوحدوية الإفريقية للبلاد.

أوجدت عودة أفراد الشتات تحديات داخلية أيضًا، إذ أبدى بعض السكان مخاوف من تأثير العائدين على الاقتصادات المحلية، خصوصًا في أكرا، حيث أُلقي باللوم على عودة أفراد الشتات في ارتفاع تكاليف المعيشة، كما ظهرت نزاعات على الأراضي في قرية عموم إفريقيا في أسيبو.

تقاطع الهجرة والجنسية والهوية

تكشف هذه التحولات أن حق العودة يقع عند تقاطع الهجرة والجنسية والهوية والعدالة التعويضية، وبينما تنظر حركات الشتات إلى العودة باعتبارها استعادة لهوية قُطعت جذورها بالقوة، تسعى الحكومات في الوقت نفسه إلى الاستفادة من الروابط الاقتصادية والثقافية التي يمكن أن ينشئها العائدون.

وتضع التجارب القائمة المسار في بدايته، فغانا تدفع نحو توسيع حق العودة، وبنين تقنن الجنسية لأحفاد المستعبدين باعتبارها شكلًا من أشكال التعويض، فيما تختبر سيراليون وغينيا بيساو مسارات مختلفة.

ويبقى التحدي في بناء سياسات أكثر وضوحًا وشفافية وإنصافًا، تضع الحق في العودة والانتماء والهوية وجبر الضرر التاريخي في صلبها.