لم يكن الرق في موريتانيا مجرد صفحة من الماضي، بل ترك إرثاً ثقيلاً يواصل التأثير في حياة ضحايا وأسر وجماعات تعاني التهميش والفقر وتفاوت الفرص، ورغم القوانين التي جرّمت الاستعباد وشددت العقوبات، لا تزال آثار الرق تفرض تحديات تتجاوز قاعات المحاكم إلى التعليم والعمل وامتلاك الأرض والوصول إلى العدالة، وقد أعادت دعوة اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان فتح ملف يحتاج إلى معالجة جذور الأزمة، وحماية الضحايا، وضمان ألا يتحول التحرر القانوني إلى حرمان اجتماعي واقتصادي مستمر.
في بيان صدر بمناسبة اليوم الدولي لإحياء ذكرى تجارة الرقيق وإلغائها دعت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في موريتانيا إلى مواصلة مكافحة الرق وآثاره، مؤكدة أن القضاء النهائي على هذه الممارسة لا يتحقق بالتشريعات وحدها، وإنما يحتاج إلى الوقاية والتعليم والتوعية وضمان الوصول الفعلي إلى العدالة وحماية الضحايا وتكافؤ الفرص والإدماج الاجتماعي والاقتصادي.
مسؤولية جماعية
وأكدت اللجنة أن مكافحة الرق وآثاره تمثل مسؤولية جماعية تشارك فيها مؤسسات الدولة والقضاء والبرلمان والمجتمع المدني والمواطنون، لافتة إلى أن مهمتها الدستورية تتمثل في حماية حقوق الإنسان وتعزيزها ومراقبة احترامها، مع ممارسة أدوار الاستشارة والرصد والإنذار والوساطة والتقييم، وينص الدستور الموريتاني على استقلال اللجنة وتعدد تركيبتها، في حين يحدد القانون العضوي رقم 2017-016 الصادر في 5 يوليو 2017 إطار عملها.
وكشف تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بأشكال الرق المعاصرة، تومويا أوبوكاتا، أن موريتانيا حققت تقدماً واضحاً في بناء الإطار القانوني والمؤسسي، لكن الرق القائم على النسب ظل موجوداً في أجزاء من البلاد إلى جانب العمل القسري والاستغلال العمالي والخدمة المنزلية، في حين يواجه ضحايا الرق وأحفادهم أشكالاً من الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
وأشار التقرير إلى أن هذه التداعيات تظهر في صعوبة الحصول على الخدمات الأساسية والأرض والعمل اللائق، فضلاً عن استمرار التبعية الاقتصادية والاجتماعية لبعض المنحدرين من جماعات كانت خاضعة للرق.
وأظهر أحدث تقرير متاح عن الاتجار بالبشر صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية عام 2025 أن موريتانيا أحرزت تقدماً إضافياً، منه إنشاء محكمة خاصة جديدة في فبراير 2025 للنظر في قضايا الرق القائم على النسب والاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، بدلاً من المحاكم الإقليمية الثلاث السابقة.
فجوة في الملاحقات
لكن التقرير سجل فجوة واضحة في الملاحقات؛ إذ بدأت السلطات 26 تحقيقاً في جرائم الاتجار، وحاكمت 15 متهماً وأدانت 8، من دون تسجيل أي إدانة جديدة في قضايا الرق القائم على النسب خلال فترة التقرير، مقارنة بتسع ملاحقات وخمس إدانات في الفترة السابقة.
وأفادت وزارة الخارجية الأمريكية بأن السلطات الموريتانية حددت 112 ضحية للاتجار بالبشر، بينهم 66 طفلاً و46 امرأة، وكان بينهم 30 ضحية للرق القائم على النسب، وهي أول مرة منذ عدة سنوات تحدد فيها السلطات ضحايا من هذا النوع بصورة رسمية.
كما خصصت الحكومة 18.1 مليون أوقية موريتانية، ما يعادل نحو 455 ألف دولار، لصندوق دعم ضحايا الاتجار، مقارنة بـ8.1 مليون أوقية في الفترة السابقة، في حين استفاد 123 شخصاً من خدمات الصندوق.
ظروف رق حديث
وقدرت منظمة ووك فري، في مؤشر الرق العالمي لعام 2023، وجود نحو 149 ألف شخص يعيشون في ظروف رق حديث، بمعدل يبلغ 32 شخصاً لكل ألف من السكان، ما وضع موريتانيا بين الدول العشر العليا عالمياً من حيث انتشار الرق الحديث.
ويختلف هذا التقدير عن الأرقام الرسمية للقضايا التي تصل إلى الشرطة أو المحاكم؛ لأن المؤشر يقيس نطاق الرق الحديث بصورة تقديرية تشمل أنماطاً متعددة من العمل القسري والاستغلال، في حين تعكس البيانات القضائية الحالات التي تمكنت السلطات من اكتشافها وتسجيلها.
ووثقت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، في ملاحظاتها الختامية لعام 2024، استمرار مشكلات تنفيذ القوانين الخاصة بالرق رغم اعترافها بالتقدم التشريعي.
وقالت اللجنة إن محدودية الموارد واستمرار القبول الاجتماعي والثقافي لبعض الممارسات المشابهة للرق يعرقلان التنفيذ، كما أشارت إلى استمرار العمل القسري والاستغلال الاقتصادي، خصوصاً في العمل المنزلي والزراعي.
دعوات للتحقيق والتطبيق القضائي
ودعت اللجنة موريتانيا إلى التحقيق الكامل في جميع الحالات، ومحاسبة الجناة، وتزويد المحاكم المتخصصة بالموارد البشرية والمالية والتقنية، وضمان التعويض وإعادة الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للضحايا.
وربطت اللجنة الأممية بين إرث الرق وبين معوقات أوسع تمس الحياة اليومية للضحايا وأحفادهم؛ إذ سجلت استمرار صعوبات الحصول على وثائق الهوية والتسجيل المدني، خصوصاً بين أفراد مجتمعات الحراطين والموريتانيين من أصول إفريقية وضحايا الرق وأحفادهم.
وأوضحت أن غياب الوثائق يمكن أن يحرم الإنسان من التعليم والعمل الرسمي وامتلاك الأرض وبعض الخدمات الاجتماعية، ما يحول مشكلة الرق من جريمة محددة إلى دائرة متوارثة من الفقر والإقصاء، كما دعت إلى ضمان التسجيل المدني دون تمييز وتوسيع الوصول إلى خدمات التعليم والعمل والأرض.
وتشير الخلفية القانونية إلى مسار طويل بدأ بإلغاء الرق رسمياً عام 1981، قبل أن يصبح جريمة جنائية صريحة عام 2007، ثم نص الدستور عام 2012 على حظر الرق والاستعباد واعتبارهما من الجرائم ضد الإنسانية، وفي سبتمبر 2015 اعتمدت موريتانيا القانون رقم 2015-031 الذي وسع تعريف الجرائم الاسترقاقية وشدد العقوبات وأنشأ أساساً للمحاكم المتخصصة، ثم جاء قانون 2020-017 لمكافحة الاتجار بالبشر والعمل القسري ومواءمة التشريع الوطني مع بروتوكول الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار بالبشر.
وأكد تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة أن قانون 2015 رفع عقوبة الرق إلى السجن من 10 إلى 20 عاماً، وسمح للضحايا بالمطالبة بالتعويض المدني والحصول على المساعدة القانونية، كما أتاح للمنظمات الحقوقية المستوفية للشروط القانونية المشاركة في الدعاوى.
لكن التقرير كشف في المقابل أن التطبيق القضائي ظل أبطأ من التطور التشريعي؛ إذ كانت بعض قضايا الرق تستغرق سنوات، في حين واجه الضحايا صعوبات في الوصول إلى المحاكم والحصول على التعويضات وتنفيذ الأحكام.
استبعاد قضايا الرق من آليات المصالحة غير الرسمية
وسجل المقرر الخاص أن 38 قضية كانت أمام المحاكم المتخصصة أثناء زيارته، و15 قضية أمام المحكمة العليا، و16 أمام محاكم الاستئناف، و7 أمام محاكم الدرجة الأولى، في حين صدرت أحكام في 51 قضية رق واتجار بالبشر بين أغسطس 2022 ومارس 2023، وظلت 46 قضية أخرى قيد الانتظار. وأشار التقرير إلى أن بعض القضايا ظلت معلقة خمس سنوات أو أكثر، وأن بعض الأحكام أعادت توصيف الوقائع باعتبارها جرائم أقل خطورة، في حين ظلت عقوبات كثيرة دون الحدود المنصوص عليها في القانون.
وكشف التقرير الأممي أيضاً عن عامل اجتماعي وقضائي بالغ التأثير يتمثل في اللجوء إلى التسويات العرفية خارج النظام القضائي، وذكر أن ضحايا قد يتعرضون لضغوط لسحب الشكاوى أو قبول تسويات مالية، في ظل تفاوت كبير في القوة الاجتماعية والاقتصادية بين الضحايا ومن يتهمون بالاستعباد.
ولذلك أوصى المقرر الخاص باستبعاد قضايا الرق من آليات المصالحة غير الرسمية، لضمان ألا تتحول الأعراف المحلية إلى وسيلة لتعطيل التحقيق أو إضعاف العقوبة أو حرمان الضحايا من التعويض.
التطورات والمرجعية الدولية
وأظهرت التطورات الدولية خلال 2026 أن الملف لا يزال حاضراً في آليات المراجعة الأممية، ففي المراجعة الدورية الشاملة الرابعة لموريتانيا أمام مجلس حقوق الإنسان في يناير 2026، تلقت البلاد 271 توصية، وقبلت لاحقاً 229 توصية، أي 84.5% منها.
كما دعت بريطانيا، خلال المراجعة، إلى تعزيز التحقيقات والملاحقات والمساءلة بشأن الرق، ما فيه الرق القائم على النسب، وضمان المساواة في الوصول إلى الحقوق وتوفير الدعم الفعال للضحايا.
وأبدت منظمات حقوقية دولية ومحلية اهتماماً مستمراً بمشكلة الرق القائم على النسب والتمييز ضد المنحدرين من أصول العبيد، وفي السياق قدمت منظمة مناهضة الرق الدولية، بالتعاون مع منظمتي “إس أو إس إسكلاف” و”تيميدت”، أدلة إلى المقرر الخاص للأمم المتحدة حول استمرار الرق القائم على النسب في موريتانيا ومالي والنيجر، مؤكدة أن المشكلة لا تنتهي بمجرد خروج الشخص من علاقة الاستعباد المباشرة؛ لأن آثارها قد تستمر عبر التمييز والحرمان من الأرض والموارد والفرص.
وتفرض المرجعية الدولية على موريتانيا التزامات واسعة في هذا المجال؛ إذ انضمت إلى اتفاقية العمل الجبري لمنظمة العمل الدولية رقم 29 عام 1961، وصادقت على اتفاقية إلغاء العمل الجبري رقم 105، واتفاقية أسوأ أشكال عمل الأطفال رقم 182، كما انضمت عام 1986 إلى الاتفاقية التكميلية للأمم المتحدة بشأن إلغاء الرق وتجارة الرقيق والممارسات الشبيهة بالرق.
وتربط هذه الالتزامات بين تجريم الاستعباد والعمل القسري وحماية الأطفال والعمال وضمان سبل الانتصاف، ما يجعل مكافحة الرق جزءاً من منظومة قانونية دولية تتجاوز الحدود الوطنية.
وتؤكد هذه المعطيات أن التحدي الموريتاني لم يعد يتمثل في غياب النصوص، بقدر ما يرتبط بقدرة المؤسسات على تحويلها إلى حماية فعلية تصل إلى المناطق الريفية والنساء والأطفال والفئات المحرومة من الوثائق والأرض والعمل.
وتلتقي دعوة اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان مع توصيات الأمم المتحدة في ضرورة الجمع بين إنفاذ القانون والتعليم والتوعية وحماية الضحايا والتعويض والإدماج الاقتصادي والاجتماعي، بحيث لا يخرج الضحية من علاقة الاستعباد ليجد نفسه أمام الفقر والتهميش والتبعية ذاتها.
وتكشف حصيلة 2025 ونتائج المراجعة الأممية في 2026 عن مسار مزدوج: تشريعات أكثر صرامة، ومحاكم وآليات دعم أكثر تخصصاً، مقابل استمرار فجوات في اكتشاف الضحايا وملاحقة مرتكبي الرق القائم على النسب وتنفيذ الأحكام وضمان الوصول إلى الأرض والوثائق والتعليم والعمل.
ومن هذا المنظور، تبدو دعوة اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان إلى تكثيف مكافحة الرق وآثاره امتداداً مباشراً لمسار حقوقي دولي يربط القضاء على الاستعباد بالعدالة الاجتماعية وإعادة الإدماج وحماية الكرامة الإنسانية، لا بمجرد إصدار قانون جديد.

