منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

موريتانيا أمام اختبار المحاسبة.. فساد بالمليارات ومعارضة تطالب بكشف المسؤولين

23 أغسطس 2026
علم موريتانيا
علم موريتانيا

بين أرقام مالية ضخمة وملفات تتصل بالصحة والصفقات والتوظيف والمشروعات العامة، عاد ملف الفساد في موريتانيا إلى واجهة النقاش السياسي والحقوقي، بعدما كشف تقرير رقابي جديد عن اختلالات مالية وإدارية خلال عامي 2024 و2025.

لم تعد القضية مجرد أرقام في دفاتر المؤسسات، إذ يمكن لأي خلل في إدارة المال العام أن يصل أثره في النهاية إلى دواء مريض، أو طريق لا يكتمل، أو مدرسة لا تؤدي وظيفتها، أو خدمة عامة ينتظرها مواطن محدود الدخل، وتزداد حساسية الملف في بلد لا تزال شرائح واسعة من سكانه تواجه الفقر ونقص الخدمات الأساسية.

وقالت المفتشية العامة للدولة، في تقريرها السنوي عن نشاطها خلال عامي 2024 و2025، إنها رصدت اختلالات ذات أثر مالي بلغ نحو 2.375 مليار أوقية جديدة، أي قرابة 59.4 مليون دولار وفق سعر صرف يقارب 40 أوقية للدولار، بعد استكمال 28 مهمة تفتيش من أصل 39 مهمة أطلقت خلال الفترة.

وأضافت المفتشية، بحسب البيانات التي أوردتها وسائل الإعلام في موريتانيا عن التقرير، أن عمليات الرقابة شملت مبالغ خضعت للتدقيق تجاوزت 32.86 مليار أوقية جديدة، ما يجعل حجم الاختلالات المرصودة في حدود 7.2% من الأموال التي شملتها عمليات الفحص.

أرقام تكشف حجم الاختبار

أوضحت المفتشية العامة للدولة أن القطاعات التي شملتها عمليات التفتيش تضمنت الإسكان والعمران والمعادن والطاقة والصحة، بينما تركز جزء كبير من الأثر المالي للاختلالات في مجال الصفقات العمومية.

وبيّن التقرير أن الصفقات استحوذت على نحو 60% من الأثر المالي المرصود، مع تسجيل ممارسات شملت تجزئة النفقات، واللجوء غير المبرر إلى التفاهم المباشر، وضعف المنافسة، وقصور متابعة تنفيذ الأشغال.

وقالت المفتشية العامة للدولة إن المعالجة لم تتوقف عند تسجيل المخالفات، إذ أحالت أربعة ملفات إلى الجهات القضائية المختصة، بينها ملفان إلى النيابة العامة وملفان إلى محكمة الحسابات، فيما بلغ الأثر المالي للملفات المحالة للقضاء نحو 1.217 مليار أوقية جديدة، بما يعادل 51% من إجمالي الأثر المالي للاختلالات التي رصدها التقرير.

وأكدت المفتشية كذلك اتخاذ إجراءات إدارية شملت إقالة 20 مسؤولاً، والتحويل التلقائي لثلاثة موظفين، وتوجيه إنذارات إلى 11 موظفاً.

وأفادت المفتشية العامة للدولة بأن 524.48 مليون أوقية جديدة، أي نحو 22.1% من إجمالي الأثر المالي، أصبحت مسترجعة أو قيد الاسترجاع، بينها 45.65 مليون أوقية دخلت الخزينة نقداً، و141.64 مليون أوقية جرى استردادها عينياً من خلال إلزام مقاولين بتنفيذ أعمال ناقصة، و139.77 مليون أوقية استُعيدت عبر الاقتطاع من المستحقات، بينما بقيت 197.41 مليون أوقية في طور الاسترجاع.

انتهاك حق الحصول على خدمات صحية آمنة

كشفت المفتشية العامة للدولة أن بعض نتائج الرقابة في قطاع الصحة تجاوزت الجانب المحاسبي إلى مسائل يمكن أن تمس مباشرة حق المواطنين في الحصول على خدمات صحية آمنة وفعالة.

ورصد التقرير شراء أدوية قاربت تواريخ صلاحيتها على الانتهاء، وتراكم كميات من الأدوية منتهية الصلاحية لسنوات، إلى جانب سوء التخزين والنقل، كما سجل صرف مبالغ مقابل أدوية وتجهيزات لم يتم تسلمها، واقتناء معدات طبية مستعملة أو غير مطابقة للمواصفات التعاقدية.

وأضافت المفتشية العامة للدولة أن المعاينات الميدانية كشفت أيضاً عن تجهيزات طبية غير مستغلة، وعدم تنفيذ بعض أعمال الصيانة الوقائية والتصحيحية، إلى جانب مشروعات حكومية لم تنفذ بالكامل رغم صرف مبالغ بشأنها. وتكشف هذه الحالات، من منظور حقوقي، أن آثار سوء إدارة المال العام لا تتوقف عند الخزانة، وإنما قد تمتد إلى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها في الصحة والتعليم والبنية الأساسية والخدمات الاجتماعية.

 الفقر يجعل كلفة الفساد أكثر قسوة

أظهرت أحدث بيانات البنك الدولي أن نحو 25.2% من سكان موريتانيا كانوا يعيشون تحت خط الفقر في 2025، بينما تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن 58% من السكان كانوا يعانون من الفقر متعدد الأبعاد، الذي يشمل أوجه الحرمان في التعليم والصحة وفرص العمل وظروف المعيشة، ويعني ذلك أن كفاءة الإنفاق العام ليست مسألة إدارية مجردة، بل ترتبط مباشرة بقدرة الدولة على توجيه الموارد إلى الفئات الأكثر احتياجاً.

وقال البنك الدولي في يونيو 2025 إن موريتانيا شرعت في برنامج بقيمة 50 مليون دولار لتعزيز كفاءة الإنفاق العام وتحسين تقديم الخدمات في قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، ضمن المرحلة الثالثة من استراتيجية إدارة المالية العامة للفترة 2025-2030.

وأكد البنك أن الهدف يتمثل في جعل الموارد العامة أكثر كفاءة ومساءلة، وضمان وصول أثر الإنفاق إلى المواطنين، خصوصاً في القطاعات الاجتماعية.

 المعارضة تطالب بكشف الأسماء

انتقد حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية “تواصل”، أكبر أحزاب المعارضة، عدم كشف التقرير أسماء المسؤولين أو الجهات التي ارتبطت بالاختلالات المرصودة، وطالب الحزب السلطات الموريتانية بالابتعاد عن التعمية والتستر، ونشر نتائج المتابعة القضائية والإدارية كاملة، مؤكداً أن تقارير الرقابة يجب ألا تتحول إلى وثائق تحفظ في الأدراج.

ودعا حزب “تواصل” إلى تنفيذ توصيات أجهزة الرقابة ضمن آجال محددة، وإصلاح منظومة الصفقات العمومية، وإغلاق المنافذ التي تسمح بالتلاعب بالمال العام.

ويعكس هذا الموقف جوهر الخلاف السياسي الحالي: فالحكومة تقدم الأرقام والإحالات والعقوبات باعتبارها دليلاً على تفعيل الرقابة، بينما ترى المعارضة أن قيمة الرقابة تظل محدودة ما لم تقترن بكشف المسؤوليات ومتابعة نتائج القضاء. ويظل تحديد المسؤولية الجنائية، قانوناً، من اختصاص القضاء لا الأجهزة الرقابية.

إصلاحات وقواعد جديدة

وقد أعلنت الحكومة الموريتانية خلال يناير 2025 عن مشاريع قوانين جديدة تتعلق بمكافحة الفساد والتصريح بالممتلكات والمصالح وإنشاء سلطة وطنية لمكافحة الفساد، وقال مجلس الوزراء الموريتاني إن الإصلاحات تستهدف سد ثغرات ظهرت خلال 18 عاماً من تطبيق الإطار السابق، وتعزيز الشفافية ومنع تضارب المصالح ومكافحة الإثراء غير المشروع، إلى جانب تشديد الأحكام المتعلقة بالصفقات العمومية.

وأوضحت الحكومة أمام البرلمان في يناير 2026 أن عمليات التفتيش خلال 2025 غطّت نحو 43 مليار أوقية قديمة من النفقات، ورصدت اختلالات تسييرية بقيمة 900 مليون أوقية قديمة، استُعيد منها نحو 700 مليون، بنسبة 78%، كما أحيل 11 ملفاً يتعلق بشبهات فساد مالي إلى القضاء خلال العام.

وتؤكد هذه الأرقام الرسمية أن مكافحة الفساد أصبحت جزءاً معلناً من إدارة المالية العامة، وإن كانت مقارنة الأرقام بين التقارير تتطلب الانتباه إلى اختلاف نطاق الفحص ووحدة العملة المستخدمة.

الشفافية وحق الجمهور في المعرفة

أثارت مسألة عدم تسمية الأشخاص أو الجهات التي ارتبطت بها الاختلالات نقاشاً موازياً حول حدود الشفافية وقرينة البراءة وحماية البيانات الشخصية.

وكانت المفتشية العامة للدولة قد نظمت في فبراير 2025 بالتعاون مع سلطة حماية البيانات ذات الطابع الشخصي يوماً تحسيسياً حول القانون الموريتاني لحماية البيانات، وأكدت أهمية تحقيق التوازن بين الشفافية وحماية المعلومات الحساسة الواردة في التقارير الرقابية.

وقالت المفتشية العامة للدولة في أبريل 2026، قبل نشر التقرير الحالي، إن إعداد تقرير 2024-2025 يجري وفق مسار منهجي يشمل تحليل نتائج الرقابة وتقييم تنفيذ التوصيات، مؤكدة الالتزام بالضوابط القانونية المتعلقة بحماية البيانات الشخصية وضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة، وأعلنت في الوقت نفسه العمل على منصة رقمية لتتبع تنفيذ التوصيات بهدف تعزيز المتابعة.

مؤشرات دولية

أظهرت منظمة الشفافية الدولية في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، الصادر في فبراير 2026، حصول موريتانيا على 30 نقطة من أصل 100، واحتلالها المرتبة 130 من أصل 182 دولة وإقليماً، من دون تغير في درجتها مقارنة بالعام السابق. ويقيس المؤشر التصورات المتعلقة بفساد القطاع العام، ولا يمثل إحصاءً مباشراً لحجم الأموال المختلسة أو عدد قضايا الفساد، ولذلك لا يمكن استخدامه لإثبات قيمة الاختلالات التي كشفها التقرير الموريتاني، لكنه يقدم مؤشراً دولياً مستقلاً على بيئة النزاهة العامة.

الأمم المتحدة تربط الفساد بالحقوق

أكد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في دليله العملي لعام 2025 أن الفساد يمكن أن يؤثر في جميع حقوق الإنسان، المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لأنه يحرف الموارد العامة ويضعف المؤسسات ويؤثر في قدرة الدولة على تقديم خدمات أساسية مثل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والعدالة.

كما أشار الدليل إلى أن الفئات الفقيرة والمهمشة تكون أكثر عرضة للتضرر لأنها تعتمد بدرجة أكبر على الخدمات العامة ولا تملك غالباً موارد بديلة للحصول عليها.

واعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في يوليو 2025 القرار 59/6 بشأن الأثر السلبي للفساد على التمتع بحقوق الإنسان، بما يؤكد انتقال القضية في المنظومة الدولية من كونها ملفاً مالياً وإدارياً فقط إلى قضية ترتبط بحماية الحقوق وسيادة القانون والتنمية.

 ويعني ذلك أن مكافحة الفساد لا تقتصر على استعادة الأموال، وإنما تشمل أيضاً ضمان عدم تمييز المواطنين في الحصول على الخدمات العامة وحماية الضحايا والمبلغين وتعزيز المساءلة.

التزامات دولية واختبار مؤسسي

أصبحت موريتانيا طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في 25 أكتوبر 2006، وأكملت الجولة الأولى من آلية استعراض تنفيذ الاتفاقية المتعلقة بالتجريم والتعاون الدولي، بينما ظلت الجولة الثانية الخاصة بالتدابير الوقائية واسترداد الموجودات قيد الاستكمال وفق الشبكة العربية لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد.

كما أشار استعراض الأمم المتحدة إلى أن موريتانيا لم تكن قد أنشأت آنذاك هيئة متخصصة مستقلة لمكافحة الفساد، وهو ما دفع لاحقاً إلى طرح إنشاء سلطة وطنية لمكافحة الفساد ضمن الإصلاحات الحكومية

وأعلنت السلطات الموريتانية في تقريرها الوطني أمام الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان في يناير 2026 إنشاء السلطة الوطنية لمكافحة الفساد وتحديث الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، إلى جانب تفعيل آليات التصريح بالممتلكات. واعتبرت الحكومة هذه الإجراءات جزءاً من مسار أوسع لتعزيز دولة القانون والشفافية، بينما يضع التقرير الرقابي الأخير هذه الالتزامات أمام اختبار عملي يتعلق بمدى تنفيذ التوصيات واستعادة الأموال ومحاسبة من تثبت مسؤوليته.

مكافحة الفساد

يكشف التقرير الجديد مفارقة أساسية في معركة الفساد الموريتانية، فالدولة باتت تنتج قدراً أكبر من المعلومات الرقابية وتعلن إحالات وعقوبات واسترداداً جزئياً للأموال، لكن الجدل السياسي والحقوقي ينتقل الآن إلى السؤال الأصعب، وهو ما الذي سيحدث بعد اكتشاف الخلل؟ وهنا يصبح نجاح الرقابة قابلاً للقياس من خلال سرعة استرداد المال العام، ونتائج التحقيقات القضائية، وإصلاح الثغرات التي سمحت بالمخالفات، وقدرة المواطنين على معرفة ما جرى من دون المساس بقرينة البراءة أو حقوق الدفاع.