منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

إعداد فريق الدراسات والأبحاث في منصة صفر

موريتانيا تقبل 229 توصية حقوقية وتحفظات على الإعدام والأحوال الشخصية

22 يونيو 2026
موريتانيا تقدم نفسها كدولة تسعى إلى متابعة حقوق الإنسان ضمن خطة وطنية
موريتانيا تقدم نفسها كدولة تسعى إلى متابعة حقوق الإنسان ضمن خطة وطنية

خضعت موريتانيا للمراجعة ضمن آلية الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان، في إطار الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، حيث ينظر المجلس في نتائج مراجعة عدد من الدول.

وتعد موريتانيا من الدول التي يتوفر عنها تقرير الفريق العامل ورد الدولة الرسمي على التوصيات، ما يسمح بقراءة أوضح لموقفها من الملفات الحقوقية المطروحة.

وبحسب رد الدولة الرسمي، تلقت موريتانيا 271 توصية ضمن الاستعراض الدوري الشامل، قبلت منها 229 توصية، وأخذت علماً بـ39 توصية، في حين قبلت جزئياً بـ3 توصيات.

وتعكس هذه الأرقام مستوى قبول مرتفعاً من حيث العدد، لكنها تكشف أيضاً أن بعض الملفات التي لم تُقبل بالكامل ترتبط بقضايا حساسة مثل عقوبة الإعدام، حقوق النساء، قوانين الأحوال الشخصية، الجنسية، وحرية الدين.

خطة وطنية لحقوق الإنسان

قدمت موريتانيا ردها على التوصيات ضمن سياق إصلاحي، مشيرة إلى الاستراتيجية الوطنية لترقية حقوق الإنسان 2024–2028 التي تم تطويرها بدعم فني من مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان، وتعرض الدولة هذه الاستراتيجية باعتبارها إطاراً وطنياً يشمل الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويربط الالتزامات الدولية بالأولويات الوطنية والإصلاحات المؤسسية الجارية.

وتظهر أهمية هذا الإطار في أن موريتانيا لا تقدم نفسها فقط بوصفها دولة تتلقى التوصيات، بل دولة تسعى إلى تنظيم متابعة حقوق الإنسان ضمن خطة وطنية، لكن الاختبار الحقيقي سيكون في مدى قدرة هذه الاستراتيجية على ترجمة التوصيات المقبولة إلى إجراءات عملية ومؤشرات قابلة للقياس.

ويعد ملف عقوبة الإعدام من أبرز الملفات الحساسة في مراجعة موريتانيا، فقد أكدت الدولة أنها تطبق وقفاً فعلياً للتنفيذ منذ عام 1987، لكنها في الوقت نفسه أخذت علماً بالتوصيات المتعلقة بالانضمام إلى البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والهادف إلى إلغاء عقوبة الإعدام، واعتبرت الدولة أن هذا الملف يحتاج إلى مراجعة دستورية وجنائية عميقة وتوافق وطني واسع.

وتعكس هذه الصيغة موقفاً وسطاً: الدولة لا تنفذ العقوبة فعلياً منذ عقود، لكنها لا تزال تحتفظ بها قانونياً، وهذا يطرح سؤالاً حقوقياً مهماً حول الفرق بين الوقف الفعلي للتنفيذ والإلغاء القانوني الكامل.

حقوق النساء في موريتانيا

قبلت موريتانيا عدداً من التوصيات المتعلقة بتعزيز حقوق النساء ومكافحة العنف والتمييز، لكنها أخذت علماً بتوصيات أخرى ترتبط بسحب التحفظات على بعض مواد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، أو الانضمام إلى البروتوكول الاختياري للاتفاقية، وسوغت الدولة لذلك بالحاجة إلى حوار وطني واسع يراعي الدستور والمبادئ الأساسية للشريعة، خاصة في مسائل الأحوال الشخصية.

هذا الملف يكشف نمطاً واضحاً في موقف الدولة: القبول بالتوصيات العامة المتعلقة بتحسين أوضاع النساء، مقابل التحفظ على التوصيات التي تتطلب تغييرات قانونية أعمق في منظومة الأحوال الشخصية أو المرجعيات الدينية والاجتماعية.

ومن الملفات البارزة في رد الدولة قبولها لتوصيات متعددة تتعلق بمكافحة العبودية والاتجار بالبشر، وأشارت موريتانيا إلى أنها جعلت العبودية جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، وعززت الإطار القانوني من خلال قانون عام 2015، وأنشأت ثلاث محاكم جنائية متخصصة، إضافة إلى منح مفوضية حقوق الإنسان والعمل الإنساني والعلاقات مع المجتمع المدني صلاحية الانتصاب بوصفها طرفاً مدنياً إلى جانب الضحايا.

هذا الملف يمثل محوراً مركزياً في تقييم التقدم الحقوقي في موريتانيا، لكن المتابعة يجب ألا تقتصر على النصوص القانونية، بل يجب أن تشمل عدد القضايا، الأحكام، حماية الضحايا، الوصول إلى العدالة، ومدى تأثير هذه الإجراءات في الممارسات الفعلية.

الجنسية وعدم التمييز

أخذت موريتانيا علماً ببعض التوصيات المتعلقة بالمساواة في قوانين الجنسية والأحوال الشخصية، وأشارت إلى أنها تفضل مقاربة تدريجية وتوافقية في الإصلاحات المرتبطة بهذه الملفات، مع التركيز حالياً على ضمان التسجيل المدني الشامل والآمن لجميع الأطفال دون تمييز.

ويظهر هذا الملف بوصفه واحداً من الملفات التي تحتاج متابعة لاحقة؛ لأنه يرتبط بحقوق النساء، الأطفال، وعديمي الجنسية أو الأشخاص المعرضين لخطر الحرمان من الوثائق المدنية.

وقبلت موريتانيا عدداً من التوصيات المتعلقة بالحريات العامة، وأشارت إلى إصلاحات قانونية، منها اعتماد قانون الجمعيات لعام 2021 الذي استبدل نظام الترخيص المسبق بنظام التصريح، وتعرض الدولة هذا الإصلاح باعتباره خطوة لتسهيل ممارسة حرية تكوين الجمعيات والتجمع.

لكن هذا الملف يحتاج متابعة عملية: هل أدى الانتقال من الترخيص إلى التصريح إلى توسيع فعلي للفضاء المدني؟ وهل تعمل الجمعيات بحرية؟ وهل تطبق أي قيود تتوافق مع مبدأي الضرورة والتناسب؟

قراءة حقوقية

تعكس مراجعة موريتانيا حالة تجمع بين قبول واسع للتوصيات وتحفظات واضحة على ملفات حساسة، فمن جهة، قبلت الدولة أغلبية التوصيات، وأبرزت وجود استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان ومسار إصلاحي في ملفات مثل مكافحة العبودية والاتجار بالبشر والحماية الاجتماعية، ومن جهة أخرى، تكشف التوصيات التي أخذت بها، علماً أن قضايا مثل عقوبة الإعدام، حقوق النساء، الأحوال الشخصية، الجنسية، وحرية الدين لا تزال تواجه سقفاً قانونياً واجتماعياً وسياسياً.

والأهم في قراءة موريتانيا أن النسبة الرقمية العالية للقبول لا تكفي وحدها، فبعض التوصيات غير المقبولة بالكامل هي توصيات ذات وزن حقوقي كبير، ولذلك يجب تحليل نوعية التوصيات وليس عددها فقط.

وتظهر موريتانيا في الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان بوصفها دولة منفتحة رقمياً على التوصيات، لكنها تتحفظ على ملفات ذات حساسية قانونية ودينية واجتماعية، وستكون المرحلة القادمة مرتبطة بقدرة الدولة على تحويل التوصيات المقبولة إلى إجراءات ملموسة، خاصة في ملفات مكافحة العبودية، الحماية الاجتماعية، حقوق النساء، والجنسية، إلى جانب متابعة موقفها من الإلغاء القانوني لعقوبة الإعدام.

 

 

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email
Print