منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

بين الاستيراد وتقلبات المناخ.. كيف يواجه المغرب تحديات تأمين القمح الاستراتيجي؟

10 أغسطس 2026
مخزون الحبوب في المغرب
مخزون الحبوب في المغرب

أعاد تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي حول وضعية المخزونات الاستراتيجية للحبوب تسليط الضوء على أحد أكثر الملفات ارتباطًا بالأمن الغذائي في المغرب، بعدما كشف عن اختلالات في منظومة التخزين والاعتماد المتزايد على الأسواق الخارجية لتأمين احتياجات المواطنين.

ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه المملكة تحديات متراكمة بسبب توالي سنوات الجفاف، وتقلب الإنتاج الزراعي، واضطراب سلاسل الإمداد الدولية، ما جعل الحبوب، وعلى رأسها القمح اللين، في قلب النقاش حول حماية القدرة الشرائية وضمان استقرار التموين.

وقال المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في المغرب في تقريره السنوي لعام 2025 إن الحبوب تمثل مادة استراتيجية بالنظر إلى مكانتها الأساسية في النظام الغذائي للمغاربة، موضحًا أن القمح اللين يحتل موقعًا محوريًا في الاستهلاك اليومي، خصوصًا لدى الفئات ذات الدخل المحدود، وأكد المجلس أن ضمان توفر هذه المادة لا يرتبط فقط بالجانب الاقتصادي، بل يرتبط أيضًا بالاستقرار الاجتماعي، لأن أي اضطراب في الإمدادات أو ارتفاع كبير في الأسعار ينعكس مباشرة على الأسر الأكثر هشاشة.

وأوضح التقرير أن متوسط استهلاك الفرد المغربي من القمح اللين يبلغ نحو 180 كيلوغرامًا سنويًا، وهو مستوى يفوق المتوسط العالمي بنحو ثلاثة أضعاف، مشيرًا إلى أن الحبوب والنباتات الجذرية توفر حوالي 59 بالمئة من إجمالي السعرات الغذائية التي يستهلكها السكان. ويكشف هذا الرقم حجم الاعتماد المجتمعي على هذه المواد الغذائية، ويجعل أي ضعف في منظومة التخزين أو التموين مصدر قلق بالنسبة للأمن الغذائي الوطني.

الاعتماد المتزايد على الخارج

أوضح المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن المغرب شهد خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا في الاعتماد على واردات الحبوب، حيث بلغ معدل الاعتماد على الاستيراد نحو 70 بالمئة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2019 و2023، مقارنة بنحو 57 بالمئة خلال الفترة بين 2015 و2019. وأضاف التقرير أن مستويات الاعتماد على الخارج اقتربت من 74 بالمئة خلال بعض السنوات الأخيرة، نتيجة تراجع الإنتاج المحلي بسبب الظروف المناخية الصعبة.

وأكدت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو” أن المغرب، مثل العديد من دول شمال أفريقيا، يواجه تحديات متزايدة في إنتاج الحبوب بسبب ندرة المياه وتغير أنماط الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، مشيرة إلى أن المنطقة أصبحت أكثر تعرضًا لتقلبات الأسواق العالمية بسبب اعتمادها المرتفع على الاستيراد.

وأشار البنك الدولي إلى أن قطاع الزراعة المغربي يتأثر بشكل مباشر بالتغير المناخي، خصوصًا موجات الجفاف المتكررة، موضحًا أن تراجع الإنتاج الزراعي ينعكس على دخل الأسر الريفية وعلى استقرار أسعار المواد الغذائية. وأكد البنك أن تعزيز القدرة على التكيف مع المناخ أصبح عنصرًا أساسيًا في حماية الأمن الغذائي في دول تعتمد بدرجة كبيرة على الإنتاج الزراعي الموسمي.

مخزون استراتيجي تحت الضغط

أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن المخزون الاحتياطي من القمح اللين في المغرب يتراوح حاليًا بين ثلاثة وأربعة أشهر من الاستهلاك، وهي مدة تسمح بتلبية الطلب الوطني في الظروف العادية، لكنها تحتاج إلى مزيد من اليقظة بسبب ارتفاع مستوى عدم اليقين في الأسواق الدولية.

وأوضح المجلس أن نظام التخزين الحالي يعتمد بدرجة كبيرة على القطاع الخاص، حيث توجد غالبية المخزونات لدى الفاعلين الخواص، رغم الطابع الاستراتيجي للحبوب.

وأشار إلى أن هذا النموذج يحتاج إلى تطوير لضمان قدرة أكبر على التدخل السريع خلال فترات الأزمات أو اضطراب الأسواق العالمية.

وبيّن التقرير أن منظومة تتبع المخزون تعتمد بدرجة كبيرة على التصريحات التي يقدمها الفاعلون الاقتصاديون، مع قيام المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني بعمليات مراقبة مفاجئة للتحقق من صحة البيانات. واعتبر المجلس أن الاعتماد على التصريح الذاتي لا يوفر دائمًا رؤية دقيقة وفورية حول الكميات الحقيقية المتوفرة، وهو ما قد يحد من فعالية التخطيط في حالات الطوارئ.

فجوة بين التخزين والحاجات المستقبلية

كشف تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن قدرة المغرب على تخزين الحبوب ارتفعت من 51 مليون قنطار عام 2015 إلى 59 مليون قنطار عام 2025، بمتوسط نمو سنوي بلغ نحو 1.5 بالمئة. ورغم هذا التطور، اعتبر المجلس أن منظومة التخزين لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بتوزيع المنشآت وجودة البنيات التحتية.

وأوضح التقرير أن شبكة التخزين تضم 308 متدخلين، من بينهم 121 مؤسسة للتخزين و141 مطحنة صناعية، مع وجود تفاوت بين المنشآت الحديثة والتقليدية.

وأشار إلى أن المخازن التقليدية تمثل نحو 59 بالمئة من إجمالي قدرات التخزين، مقابل 41 بالمئة للمستودعات، ما يطرح تحديات تتعلق بالكفاءة والظروف الصحية وتقليل الفاقد.

وأضاف المجلس أن تمركز جزء مهم من منشآت التفريغ والتخزين بالقرب من الموانئ، خصوصًا ميناء الدار البيضاء، قد يؤدي إلى ضغوط لوجستية خلال فترات ارتفاع الواردات أو حدوث أزمات دولية في الإمداد، كما أن جزءًا من المخزونات الموجودة لدى الضيعات والاستغلاليات الفلاحية لا يدخل بشكل كامل ضمن منظومة التتبع والمراقبة.

الجفاف يضاعف التحديات

أكدت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات المغربية أن تراجع التساقطات المطرية خلال السنوات الأخيرة أثر بشكل مباشر على إنتاج الحبوب في المغرب، خصوصًا القمح والشعير، ما دفع الدولة إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد لتغطية حاجيات السوق المحلية.

وأظهرت بيانات الوزارة أن الإنتاج الوطني للحبوب يعرف تقلبات حادة بين موسم وآخر بسبب الاعتماد الكبير على الأمطار، حيث شهدت بعض المواسم انخفاضات كبيرة مقارنة بالسنوات ذات التساقطات الجيدة. ويجعل هذا الوضع الأمن الغذائي المغربي مرتبطًا بدرجة كبيرة بقدرة البلاد على إدارة الواردات وتوفير مخزونات كافية لمواجهة فترات النقص.

وأكدت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن تحسين التخزين وتنويع مصادر الاستيراد وتطوير الزراعة القادرة على مواجهة الجفاف تمثل عناصر أساسية لتعزيز قدرة الدول على الصمود أمام أزمات الغذاء العالمية.

ويتضح من المعطيات الرسمية أن تحدي الحبوب في المغرب لا يرتبط فقط بحجم المخزون الحالي، بل بقدرة المنظومة بأكملها على الانتقال من التدبير التقليدي للأزمات إلى سياسة استباقية تضمن الاستقرار الغذائي في ظل عالم يشهد اضطرابات متكررة في المناخ والأسواق.

الأمن الغذائي 

أكدت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن الأمن الغذائي لم يعد يرتبط فقط بحجم الإنتاج الزراعي، بل أصبح يعتمد بصورة متزايدة على قدرة الدول على بناء مخزونات استراتيجية مرنة، وتنويع مصادر الاستيراد، وتطوير سلاسل الإمداد القادرة على الصمود أمام الأزمات.

وأوضحت المنظمة في تقاريرها بشأن الأمن الغذائي والتغذية أن اضطرابات التجارة العالمية، والحروب، والتغيرات المناخية، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، فرضت على الدول المستوردة للحبوب مراجعة سياسات التخزين والتموين بصورة مستمرة.

وأوضح برنامج الأغذية العالمي أن اضطرابات أسواق الغذاء العالمية منذ عام 2022 أظهرت أهمية الاحتياطيات الاستراتيجية للدول المستوردة، لأن أي تأخر في وصول الشحنات أو ارتفاع مفاجئ في الأسعار ينعكس مباشرة على أسعار الخبز والمواد الغذائية الأساسية، ويؤثر بصورة أكبر في الأسر محدودة الدخل.

انعكاسات مباشرة على الأسر

أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المغربي أن القمح اللين يمثل الغذاء الأساسي لشريحة واسعة من المواطنين، ولذلك فإن أي اضطراب في منظومة الإمداد أو ارتفاع في تكاليف الاستيراد يحمل آثارًا اجتماعية مباشرة، خاصة على الفئات الهشة والأسر ذات الدخل المحدود.

وأوضح البنك الدولي أن ارتفاع أسعار الغذاء يمثل أحد أكبر مصادر الضغط على مستويات المعيشة في الدول المستوردة للغذاء، مشيرًا إلى أن الأسر الفقيرة تنفق نسبة أكبر من دخلها على الغذاء مقارنة بالفئات الأخرى، وهو ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية.

وأضافت منظمة الأغذية والزراعة أن ضمان استقرار إمدادات الحبوب ينعكس مباشرة على تحقيق الهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالقضاء على الجوع، كما يعزز قدرة الدول على حماية الأمن الغذائي وتقليل مخاطر سوء التغذية والفقر.

تغير المناخ يفاقم الأزمة

أكدت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن منطقة البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا تعد من أكثر المناطق تعرضًا لآثار التغير المناخي، مع تزايد موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الموارد المائية، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة على إنتاج الحبوب.

وأوضحت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات المغربية أن توالي سنوات الجفاف أدى إلى انخفاض الإنتاج المحلي في عدد من المواسم الزراعية، الأمر الذي فرض زيادة الواردات للحفاظ على استقرار السوق الوطنية.

وأشار البنك الدولي إلى أن المغرب أطلق خلال السنوات الأخيرة برامج لتعزيز كفاءة استخدام المياه، وتحديث أنظمة الري، وتنفيذ استراتيجية “الجيل الأخضر”، بهدف رفع إنتاجية القطاع الزراعي وزيادة قدرته على مواجهة آثار التغير المناخي.

المنظومة القانونية 

كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن الإطار القانوني المنظم للمخزون الاحتياطي للحبوب لا يزال بحاجة إلى استكمال، رغم وجود القانون رقم 12.94 المنظم للمكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني وتنظيم سوق الحبوب والقطاني.

وأوضح التقرير أن القرار التنظيمي الخاص بكيفيات إنشاء وتمويل المخزون الاحتياطي، والمنصوص عليه في المرسوم رقم 2.96.305، لم يصدر حتى الآن، الأمر الذي جعل تدبير المخزون يعتمد بصورة كبيرة على قرارات إدارية ودوريات تنظيمية متجددة، بدلاً من منظومة قانونية متكاملة تحدد المسؤوليات وآليات التدخل في الظروف الاستثنائية.

وأضاف المجلس أن تعزيز الأمن الغذائي يتطلب إطارًا تشريعيًا أكثر وضوحًا يحدد مستويات المخزون الإلزامية، وآليات التمويل، وطرق المراقبة، والمسؤوليات بين القطاعين العام والخاص.

توصيات لتعزيز المخزون الاستراتيجي

دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى الانتقال من سياسة التدخل بعد وقوع الأزمات إلى سياسة استباقية تقوم على بناء احتياطيات إضافية خلال فترات انخفاض الأسعار العالمية، بما يحد من تأثير التقلبات الدولية على السوق الوطنية.

كما أوصى بتعزيز قدرات المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني في مجالات المراقبة والتخطيط، واستبدال نظام التصريح الذاتي بمنظومة رقابة ميدانية منتظمة تعتمد على التفتيش المباشر، وربط الدعم العمومي بمؤشرات الأداء والشفافية.

وأكد التقرير أهمية إنشاء طاقات تخزين عمومية حديثة إلى جانب الطاقات الخاصة، وتشجيع الاستثمار في المستودعات العصرية، وتحسين توزيع منشآت التخزين بالقرب من مناطق الإنتاج الزراعي، بما يخفف الضغط على الموانئ ويعزز سرعة الاستجابة في حالات الطوارئ.

البعد الحقوقي للأمن الغذائي

أكدت لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن الحق في الغذاء الكافي يمثل حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، ويلزم الدول باتخاذ التدابير اللازمة لضمان توافر الغذاء وسهولة الحصول عليه بصورة مستدامة.

وأوضحت منظمة الأغذية والزراعة أن بناء مخزونات استراتيجية فعالة يشكل أحد الأدوات الرئيسية لحماية هذا الحق، خاصة في الدول التي تعتمد على الواردات لتغطية جانب كبير من احتياجاتها الغذائية.

كما شددت المؤسسات الأممية على أن الأمن الغذائي لا يقتصر على توفير الغذاء، بل يشمل ضمان استمرارية الإمدادات، وجودة المنتجات، والقدرة الاقتصادية للأسر على الحصول على الغذاء دون التعرض لأزمات معيشية.

تحول تدريجي

شهد المغرب خلال العقود الماضية تحولًا تدريجيًا في سياسة الحبوب، مع الانتقال من نظام يقوم على تدخل الدولة المباشر في السوق إلى نموذج يعتمد بدرجة أكبر على تحرير التجارة وإشراك القطاع الخاص في عمليات الاستيراد والتخزين والتوزيع.

ومع تزايد تأثير التغيرات المناخية وارتفاع الاعتماد على الأسواق الخارجية، عاد ملف المخزون الاستراتيجي إلى صدارة النقاش الوطني، خصوصًا بعد الأزمات العالمية المتعاقبة، وفي مقدمتها جائحة كوفيد 19، ثم اضطرابات أسواق الحبوب الناتجة عن الحرب في أوكرانيا، وما تبعها من ارتفاع غير مسبوق في الأسعار العالمية واضطرابات في سلاسل الإمداد.

وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن المغرب استطاع حتى الآن الحفاظ على استمرارية التموين الغذائي رغم هذه التحديات، إلا أن استمرار ارتفاع الاعتماد على الواردات يجعل تعزيز الإنتاج المحلي وتطوير منظومة التخزين من أهم الأولويات الاستراتيجية خلال السنوات المقبلة.

ويؤكد مجمل ما ورد في تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مدعومًا ببيانات الحكومة المغربية والمؤسسات الدولية، أن الأمن الغذائي في المملكة لم يدخل مرحلة الخطر المباشر، لكنه يواجه تحديات هيكلية تتطلب إصلاحات متسارعة. ويتمثل أبرز هذه التحديات في ارتفاع الاعتماد على الاستيراد، وتأثير الجفاف المتكرر، وعدم اكتمال الإطار التنظيمي للمخزون الاستراتيجي، وتفاوت جودة البنية التحتية للتخزين.

وترى المؤسسات الأممية أن الاستثمار في الاحتياطيات الاستراتيجية، وتحديث منظومة التخزين، وتنويع مصادر التوريد، وتعزيز الإنتاج الزراعي القادر على التكيف مع التغير المناخي، تمثل الركائز الأساسية لضمان استقرار الأمن الغذائي المغربي وحماية الحق في الغذاء للأجيال المقبلة.