شهدت موريتانيا منذ استقلالها عام 1960 تحديات سياسية واجتماعية معقدة ارتبطت بالتفاوتات العرقية والطبقية والإرث التاريخي للعبودية، وخلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، شهدت البلاد انتهاكات تعرف محلياً باسم “الإرث الإنساني”، ما دفع منظمات حقوقية للمطالبة بالمحاسبة وجبر الضرر للضحايا.
ورغم الإصلاحات القانونية التي تبنتها الحكومات المتعاقبة، لا تزال التقارير الدولية تشير إلى استمرار تحديات تتعلق بالحريات والتمييز والفقر والهجرة والعدالة الاجتماعية، وبينما تحاول نواكشوط تعزيز صورتها كشريك أمني وتنموي مهم في منطقة الساحل، تؤكد المنظمات الحقوقية أن نجاح الإصلاحات سيظل مرهوناً بقدرة الدولة على تحويل القوانين إلى واقع ملموس يشعر به المواطنون والفئات الأكثر هشاشة.
داخل المجتمع الموريتاني تتداخل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مع ملفات أكثر حساسية تتعلق بالعبودية الموروثة وحرية التعبير وحقوق المهاجرين والنساء، في وقت تحاول فيه الحكومة تقديم نفسها بوصفها نموذجاً للاستقرار والإصلاح في منطقة الساحل الأفريقي المضطربة.
وأكد مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، خلال المراجعة الدورية الشاملة الخاصة بموريتانيا لعام 2025، أن السلطات الموريتانية اتخذت خطوات تشريعية ومؤسساتية مهمة خلال السنوات الأخيرة، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى استمرار تحديات خطيرة تتعلق بالتمييز الاجتماعي والإفلات من العقاب وحرية التعبير وأوضاع السجون والعبودية القائمة على النسب.
إصلاحات رسمية تحت الاختبار
تقول الحكومة الموريتانية إن البلاد قطعت شوطاً مهماً في تعزيز المنظومة القانونية المتعلقة بحقوق الإنسان، خاصة في ملفات مكافحة العبودية والاتجار بالبشر وحماية الفئات الهشة، وأكدت مفوضية حقوق الإنسان والعمل الإنساني والعلاقات مع المجتمع المدني، خلال جلسات الأمم المتحدة في جنيف عام 2025، أن موريتانيا عززت آليات الحماية القانونية ورفعت مستوى التعاون مع الهيئات الأممية والمنظمات الدولية.
كما أشارت الحكومة إلى توسيع برامج الحماية الاجتماعية والتنمية المحلية، خاصة في المناطق الريفية والفقيرة، ضمن خطط تستهدف تقليص الفوارق الاجتماعية وتحسين ظروف التعليم والصحة والخدمات الأساسية.
لكن منظمات حقوقية دولية تعتبر أن هذه الإصلاحات لا تزال محدودة مقارنة بحجم التحديات. وقالت منظمة العفو الدولية، في تقريرها السنوي لعام 2025، إن السلطات الموريتانية واصلت تقييد بعض الحريات العامة، وسجلت حالات احتجاز تعسفي وملاحقات ضد نشطاء وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان.
العبودية.. إرث لم ينتهِ
يبقى ملف العبودية أكثر الملفات حساسية في موريتانيا، رغم أن البلاد ألغتها رسمياً عام 1981 وجرمتها قانونياً عام 2007 قبل تشديد العقوبات لاحقاً واعتبارها جريمة ضد الإنسانية.
وتشير تقارير مؤشر العبودية العالمي ومنظمات حقوقية موريتانية إلى أن آثار العبودية القائمة على النسب لا تزال حاضرة داخل بعض البنى الاجتماعية والاقتصادية، خاصة في المناطق الريفية الفقيرة، كما يؤكد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن فئات واسعة من “الحراطين” تعاني مستويات مرتفعة من الفقر والتهميش وضعف الوصول إلى العدالة والخدمات الأساسية.
تجدر الإشارة إلى أن الحراطين هم فئة اجتماعية واسعة في موريتانيا ودول مغاربية وإفريقية مجاورة، ويُنظر إليهم تاريخياً على أنهم أحفاد العبيد السابقين أو الفئات التي ارتبطت تاريخياً بنظام الرق التقليدي في المجتمع الموريتاني.
ويشكل “الحراطين” إحدى أكبر المجموعات السكانية في موريتانيا، ويتحدث معظمهم اللغة العربية الحسانية، وينتمون ثقافياً إلى المجتمع الموريتاني العربي الصحراوي، لكن منظمات حقوقية وأممية تقول إن كثيراً منهم ما زالوا يعانون آثار التهميش الاجتماعي والاقتصادي المرتبط بالإرث التاريخي للعبودية.
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية، في تقريرها السنوي حول أوضاع حقوق الإنسان في موريتانيا لعام 2025، إن عدداً محدوداً فقط من قضايا العبودية يصل إلى المحاكم، رغم استمرار تقارير تتحدث عن ممارسات استغلالية مرتبطة بالإرث الاجتماعي التاريخي.
كما تؤكد منظمة “إيرا” الموريتانية المناهضة للعبودية أن ضحايا العبودية يواجهون صعوبات كبيرة في الإبلاغ عن الانتهاكات بسبب الضغوط الاجتماعية والخوف من الانتقام وضعف الإمكانيات القانونية والاقتصادية.
ووفق بيانات البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يعيش جزء كبير من سكان المناطق الريفية في ظروف هشاشة اقتصادية، بينما تحتل موريتانيا مراتب متأخرة في مؤشرات التنمية البشرية والتعليم والصحة، وهو ما تعتبره منظمات حقوقية عاملاً يفاقم استمرار التمييز الاجتماعي.
حرية التعبير والإعلام
يشكل ملف حرية التعبير أحد أبرز مصادر الجدل الحقوقي في موريتانيا، فقد أظهر التصنيف العالمي لحرية الصحافة الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود لعام 2025 استمرار التحديات المتعلقة باستقلالية الإعلام والضغوط السياسية والرقابة الذاتية داخل المؤسسات الإعلامية.
وأكد تقرير “مينا رايتس غروب” المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن السلطات استخدمت في بعض الحالات قوانين تتعلق بالأمن أو النظام العام لملاحقة ناشطين ومدونين وصحفيين.
كما تحدثت منظمة العفو الدولية عن تسجيل حالات توقيف بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي أو المشاركة في احتجاجات سلمية، معتبرة أن هذه الممارسات تؤثر على حرية التعبير والتجمع.
وفي المقابل، تقول الحكومة إن البلاد تشهد هامشاً متزايداً من حرية الإعلام والعمل السياسي مقارنة بسنوات سابقة، وإن السلطات تعمل على تحقيق توازن بين حماية الأمن والاستقرار واحترام الحقوق الدستورية.
المهاجرون بين العبور والانتهاكات
تحولت موريتانيا خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة رئيسية لعبور المهاجرين غير النظاميين القادمين من دول غرب إفريقيا نحو أوروبا، خاصة عبر المحيط الأطلسي باتجاه جزر الكناري الإسبانية.
وقالت المنظمة الدولية للهجرة إن طريق غرب إفريقيا نحو أوروبا أصبح واحداً من أخطر مسارات الهجرة في العالم، حيث سجلت آلاف الوفيات خلال السنوات الأخيرة نتيجة حوادث الغرق أو ظروف التهريب القاسية.
وفي أغسطس 2025، نقلت صحيفة الغارديان البريطانية أن 69 مهاجراً لقوا مصرعهم بعد انقلاب قارب قبالة السواحل الموريتانية، في واحدة من أكثر الحوادث المأساوية على هذا الطريق البحري.
كما قالت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير صدر عام 2025، إن قوات الأمن الموريتانية ارتكبت انتهاكات ضد مهاجرين وطالبي لجوء، شملت الاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة والطرد الجماعي والعنف على الحدود، خاصة في سياق التعاون الأمني مع الاتحاد الأوروبي لمكافحة الهجرة غير النظامية.
وأثار هذا الملف انتقادات داخل البرلمان الأوروبي، حيث طالب نواب أوروبيون المفوضية الأوروبية بضمان عدم استخدام التمويل الأوروبي المخصص لمراقبة الحدود في ارتكاب انتهاكات ضد المهاجرين.
الفقر والتفاوت الاجتماعي
تتقاطع التحديات الحقوقية في موريتانيا مع أوضاع اقتصادية واجتماعية معقدة تجعل ملف الحقوق الأساسية مرتبطاً بصورة مباشرة بالفقر والبطالة وضعف التنمية. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن التفاوت بين المناطق الحضرية والريفية ما يزال واسعاً، بينما تواجه فئات كبيرة من السكان صعوبات في الوصول إلى الخدمات الأساسية وفرص العمل، خاصة في المناطق الداخلية والحدودية. وتؤكد تقارير البنك الدولي أن هشاشة البنية الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر يشكعاطلان أحد أبرز التحديات التي تعيق تحقيق تنمية شاملة ومستدامة في البلاد.
ويقول برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في تقرير التنمية البشرية لعام 2025، إن موريتانيا جاءت في المرتبة 163 من أصل 193 دولة بمؤشر تنمية بشرية بلغ 0.563، ما يضعها ضمن فئة الدول ذات التنمية البشرية المنخفضة، وأوضح التقرير أن البلاد لا تزال تواجه تحديات تتعلق بضعف البنية التحتية والخدمات الأساسية والتفاوت الاجتماعي والجغرافي بين المدن والمناطق الريفية.
وتكشف بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الفقر متعدد الأبعاد لا يزال يؤثر على قطاعات واسعة من السكان، خصوصاً في المناطق الريفية جنوب وشرق البلاد، حيث تعاني الأسر من ضعف الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والمياه النظيفة وفرص العمل، كما تشير التقارير الأممية إلى أن آثار الجفاف والتغير المناخي وتراجع الموارد الزراعية تزيد من هشاشة المجتمعات الفقيرة، ما ينعكس على الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
وفي ملف البطالة، تؤكد تقارير محلية ودولية أن الشباب يمثلون الفئة الأكثر تضرراً من الأزمة الاقتصادية. وأشار تقرير حول البطالة واحتياجات الشباب في موريتانيا إلى أن غالبية الشباب يعتبرون البطالة أحد أخطر التحديات التي تواجههم، في ظل محدودية فرص التشغيل وضعف الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، كما أظهر استطلاع “أفروباروميتر” أن نسبة كبيرة من الشباب ترى أن الحكومة لا تحقق تقدماً كافياً في توفير فرص العمل وتحسين الأوضاع الاقتصادية.
كما تؤكد وزارة الاقتصاد والمالية الموريتانية أن تمكين الشباب أصبح أولوية وطنية ضمن الاستراتيجية الحكومية للفترة 2024 ـ 2030، في ظل إدراك رسمي لخطورة البطالة والتهميش على الاستقرار الاجتماعي والهجرة غير النظامية، وقالت الوزارة، خلال احتفال اليوم العالمي للسكان لعام 2025، إن الحكومة تسعى إلى توفير برامج تدريب وتأهيل مهني تستهدف الشباب والفئات الهشة لتعزيز مشاركتهم الاقتصادية.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الوصول إلى الخدمات الأساسية ما يزال محدوداً في عدد من المناطق الريفية، حيث تعاني بعض القرى من نقص المياه الصالحة للشرب وضعف الخدمات الصحية والتعليمية والبنية التحتية، وتقول منظمات تنموية إن النساء والأطفال هم الأكثر تأثراً بهذه الفجوات، خاصة في المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية الكبرى.
كما يربط خبراء التنمية بين الفقر والتفاوت الاجتماعي وبين استمرار بعض الظواهر الحقوقية المرتبطة بالتمييز والعبودية الموروثة والتسرب المدرسي والهجرة غير النظامية، ويرى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن غياب التنمية المتوازنة يزيد من احتمالات التهميش الاجتماعي ويضعف فرص الاستقرار طويل الأمد.
وقال وزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوك، خلال كلمته أمام الأمم المتحدة في سبتمبر 2025، إن العالم يواجه فجوة متزايدة بين دول تتجه بسرعة نحو الثورة الصناعية والذكاء الاصطناعي، وأخرى لا تزال تعاني الفقر والتهميش وضعف التنمية، مؤكداً أن العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية تمثلان شرطاً أساسياً لحماية الكرامة الإنسانية ومواجهة التطرف والهجرة غير النظامية.
النساء والأطفال
تؤكد تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية أن النساء في موريتانيا ما زلن يواجهن تحديات تتعلق بالعنف القائم على النوع الاجتماعي والزواج المبكر وضعف الحماية الاقتصادية والاجتماعية.
وقالت منظمة العفو الدولية إن خبراء أمميين حذروا من استمرار ثقافة الإفلات من العقاب في بعض قضايا العنف ضد النساء، بينما تواجه الفتيات في المناطق الريفية معدلات مرتفعة من التسرب المدرسي والزواج المبكر.
كما تشير تقارير اليونيسف إلى أن الأطفال في بعض المناطق يعانون ضعف الوصول إلى التعليم والخدمات الصحية، إلى جانب مخاطر عمالة الأطفال والتسرب من المدارس بسبب الفقر.
الأمن وحقوق الإنسان
تقدم موريتانيا نفسها منذ سنوات باعتبارها واحدة من أكثر دول الساحل الأفريقي استقرارا أمنيا، خاصة مقارنة بالأوضاع المتدهورة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، التي شهدت خلال الأعوام الأخيرة انقلابات عسكرية وتصاعداً في هجمات الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيمي “القاعدة” و”داعش”، وتقول الحكومة الموريتانية إن المقاربة الأمنية التي اعتمدتها ساهمت في تجنيب البلاد موجات العنف الواسعة التي ضربت دول الجوار، مع تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود.
وأكدت مفوضية حقوق الإنسان والعمل الإنساني والعلاقات مع المجتمع المدني في موريتانيا، خلال مشاركتها في الدورة الثامنة والخمسين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف عام 2025، أن الحكومة بدأت تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لترقية وحماية حقوق الإنسان للفترة 2024 ـ 2028، معتبرة أن البلاد حققت إنجازات كبيرة في بناء دولة القانون وتعزيز الحقوق والحريات.
لكن منظمات حقوقية دولية ترى أن التركيز المتزايد على الأمن وضبط الحدود لا يجب أن يأتي على حساب الحقوق الأساسية، خصوصاً مع تصاعد الدور الذي تلعبه موريتانيا في السياسات الأوروبية المتعلقة بمكافحة الهجرة غير النظامية،وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير صدر عام 2025 بعنوان “سنوات من الانتهاكات في إطار ضبط الهجرة”، إن قوات الأمن الموريتانية ارتكبت انتهاكات ضد مهاجرين وطالبي لجوء بين عامي 2020 و2025 شملت التعذيب والعنف الجنسي والاحتجاز التعسفي والطرد الجماعي وسوء المعاملة العنصرية، وأوضحت المنظمة أنها وثقت شهادات 77 مهاجراً وطالب لجوء، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى مواطن موريتاني قال إنه تعرض للتعذيب أثناء استجوابه في قضايا مرتبطة بتهريب المهاجرين.
وترى المنظمة أن الدعم الأوروبي والإسباني لموريتانيا في ملف مراقبة الحدود ساهم في تشديد الإجراءات الأمنية دون توفير ضمانات حقوقية كافية لحماية المهاجرين واللاجئين، كما أشار التقرير إلى أن عدد الواصلين بحراً إلى جزر الكناري الإسبانية بلغ مستوى قياسياً خلال 2024 وصل إلى 46 ألفاً و843 شخصاً، بينما وصل نحو 11 ألفاً و500 مهاجر بين يناير ويوليو 2025، وهو ما زاد الضغوط الأمنية على السلطات الموريتانية.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة الموريتانية أن الإجراءات الأمنية تستهدف شبكات التهريب والهجرة غير النظامية وليس المهاجرين أنفسهم. وقال وزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوك، في مقابلة مع إذاعة فرنسا الدولية، إن موريتانيا ليست حارس حدود لأوروبا، لكنها مصممة على مواجهة شبكات التهريب والجريمة المنظمة، وأضاف الوزير أن السلطات الموريتانية تمكنت من تفكيك أربع شبكات للهجرة غير النظامية خلال فترة قصيرة.
كما أعلن مفوض حقوق الإنسان والعمل الإنساني والعلاقات مع المجتمع المدني، سيد أحمد ولد بنان، أن موريتانيا قامت بتسوية وضعية أكثر من 136 ألف مهاجر، وأنشأت مراكز استقبال للاجئين والأطفال غير المصحوبين، إضافة إلى تقديم مساعدات قانونية وإنسانية للمهاجرين وطالبي اللجوء، وأوضح المفوض أن الحكومة تعمل ضمن استراتيجية وطنية لإدارة الهجرة للفترة الممتدة بين 2011 و2030، تشمل تدريب الأجهزة الأمنية والقضائية على المعايير الحقوقية المتعلقة بالمهاجرين.
وتشير بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن موريتانيا تستضيف أكثر من 162 ألف لاجئ وطالب لجوء مسجلين حتى نهاية 2024، معظمهم من مالي، في ظل استمرار الاضطرابات الأمنية والإنسانية في منطقة الساحل، كما أوضحت المفوضية أن إجمالي الأشخاص النازحين أو عديمي الجنسية أو العائدين من النزوح داخل موريتانيا بلغ نحو 164 ألفاً و733 شخصاً، بينما تحتاج عمليات المفوضية في البلاد إلى تمويل يقدر بـ45.5 مليون دولار خلال 2025 لتغطية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.
وفي سبتمبر 2025، أشاد المقرر الأممي الخاص المعني بحقوق الإنسان للمهاجرين، جهاد ماضي، ببعض الإصلاحات القانونية التي نفذتها موريتانيا، خصوصاً في مجالات مكافحة الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين وتعزيز عمليات البحث والإنقاذ البحري، لكنه حذر في الوقت نفسه من استمرار انتهاكات حقوقية ضد المهاجرين، معتبراً أن بعض الممارسات الأمنية تضع البلاد أمام تحديات تتعلق بالتزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان.
وتواجه موريتانيا معادلة معقدة بين الحفاظ على الاستقرار الأمني الداخلي وبين الاستجابة للضغوط الحقوقية الدولية، خصوصاً مع تصاعد أهمية نواكشوط كشريك أمني رئيسي للاتحاد الأوروبي في ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة، كما أن التوسع في الصلاحيات الأمنية وعمليات ضبط الحدود يحتاج إلى آليات رقابة قانونية وقضائية أكثر قوة لضمان عدم تحول الإجراءات الأمنية إلى مصدر لانتهاكات حقوقية ضد المهاجرين أو النشطاء أو الفئات الهشة.
وفي هذا السياق، تؤكد الأمم المتحدة أن تحقيق الاستقرار في منطقة الساحل لا يمكن أن يعتمد فقط على المقاربة الأمنية، بل يتطلب أيضاً تعزيز العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية واحترام الحقوق الأساسية، خاصة في الدول التي تواجه تحديات مرتبطة بالفقر والهجرة والتغيرات المناخية والصراعات الإقليمية.

