منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

 بين كابوس الغرق وحلم الوصول.. جزر الكناري بوابة النور للمهاجرين إلى أوروبا

18 أبريل 2026
جزر الكناري أحد أكثر بوابات الهجرة غير النظامية استقبالا للمهاجرين على حدود أوروبا
جزر الكناري أحد أكثر بوابات الهجرة غير النظامية استقبالا للمهاجرين على حدود أوروبا

تحوّلت جزر الكناري خلال العقد الأخير من مسار هامشي نسبيًا إلى إحدى أكثر بوابات الهجرة غير النظامية حساسية على حدود أوروبا، فبحسب بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الخاصة بالطريق الأطلسي لغرب إفريقيا، بلغ عدد الواصلين بحرًا إلى الكناري 672 شخصًا في 2016، ثم 418 في 2017، و1,305 في 2018، و2,698 في 2019، قبل القفزة الكبرى إلى 23,023 في 2020 و23,042 في 2021.

ثم انخفض العدد إلى 15,682 في 2022، قبل أن يعود للارتفاع إلى 40,330 في 2023، ثم 46,843 في 2024، قبل أن يتراجع إلى 17,788 في 2025. أما في الربع الأول من 2026، فقد سجلت وزارة الداخلية الإسبانية 1,640 وافدًا فقط إلى الأرخبيل بين 1 يناير و31 مارس، بانخفاض 82.6% مقارنة بالفترة نفسها من 2025.

هذا المسار العددي يكشف ثلاث مراحل واضحة؛ مرحلة هدوء نسبي حتى 2019، ثم انفجار الطريق الأطلسي بين 2020 و2021، ثم تذبذب حاد بين 2022 و2026.

ووصفت المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي ووكالات الاتحاد هذا الطريق بأنه صار أحد أبرز خطوط الضغط على إسبانيا، خصوصًا في 2024 حين استقبلت الكناري الرقم الأعلى على الإطلاق.

البرلمان الأوروبي أشار في ورقة إحاطة ميدانية إلى أن 46,843 شخصًا وصلوا إلى الكناري في 2024، وأن ذلك كان أعلى رقم مسجل على الأرخبيل، فيما قالت رويترز في ديسمبر 2024 إن الرقم القياسي السابق لعام 2006 قد جرى تجاوزه بالفعل.

تغير المسارات وتشديد الاعتراض

التراجع الكبير في 2025 وبداية 2026 لم يكن نتيجة تراجع دوافع الهجرة بقدر ما كان نتيجة تغير المسارات وتشديد الاعتراض الخارجي.

ونقلت وكالة رويترز في يناير 2026 عن الصليب الأحمر أن القوارب بدأت تنطلق من نقاط أبعد وأكثر خطورة جنوب موريتانيا، مثل غامبيا وغينيا، بعدما شددت موريتانيا الرقابة عقب اتفاقها مع الاتحاد الأوروبي في 2024.

كما نقلت رويترز في أبريل 2026 عن المغرب أن تراجع المحاولات عبر بعض المسارات يعكس انتقال جزء من التدفقات إلى طرق أخرى، لا انتهاء الظاهرة نفسها.

وحتى داخل إسبانيا، لاحظ البرلمان الأوروبي أن انخفاض الكناري في 2025 ترافق مع ارتفاعات كبيرة في البليار ومسارات أخرى، ما يعني أن الضغط الجغرافي تغيّر أكثر مما اختفى.

آلاف المفقودين في البحر

وكشف مشروع المهاجرين المفقودين لدى المنظمة الدولية للهجرة عن أن 1,214 شخصًا على الأقل لقوا حتفهم أو فُقدوا على طريق غرب إفريقيا/الأطلسي المؤدي نحو الكناري في 2025، فيما أوردت رويترز عن IOM أن الرقم الخاص بالطريق الأطلسي نفسه في 2025 بلغ 1,047 وفاة أو فقدان وفق رصد آخر نُشر على أساس بيانات المنظمة.

وفي الوقت نفسه، تقول منظمات حقوقية مثل Caminando Fronteras إن الأعداد الفعلية أعلى بكثير من السجلات الرسمية، وقدّرت أن 10,457 شخصًا ماتوا أو فُقدوا في 2024 على الحدود الغربية الأوروبية-الإفريقية المؤدية إلى إسبانيا بحرًا، وأن 9,757 منهم كانوا على طريق الكناري تحديدًا.

هذه الفجوة بين رصد IOM وتقديرات المنظمات غير الحكومية تعني أن حصيلة الغرق الحقيقية على الأرجح أعلى من الأرقام المؤكدة، خصوصًا لأن كثيرًا من القوارب تختفي من دون أثر.

وفي السنوات الأخيرة، أصبح الطريق الأطلسي أكثر فتكًا حتى عندما انخفض عدد الواصلين، رويترز ذكرت في ديسمبر 2024 أن جزيرة إل هييرو الصغيرة وحدها سجلت وصول 33 مهاجرًا ميتًا أو ماتوا بعد الوصول بقليل خلال 2024، مقارنة بـ11 في 2023 و1 في 2022، ما يعكس الارتفاع الحاد في الخسائر البشرية على الأرخبيل نفسه.

وأشارت الوكالة في أغسطس 2025 إلى أن المنظمة الدولية للهجرة سجلت 588 حالة وفاة أو فقدان على الطريق الأطلسي إلى الكناري خلال النصف الأول من 2025، بانخفاض عن الفترة نفسها من 2024، لكن مع تأكيد الباحثين أن معدل الوفيات الحقيقي مستحيل التحديد بدقة بسبب نقص البيانات.

إنقاذ عشرات الآلاف

وحول من تم إنقاذهم، قالت شركة الإنقاذ البحري الإسبانية Salvamento Marítimo إنها قدمت العون في الكناري إلى 43,994 شخصًا في 2023، بينهم 20,997 مهاجرًا، ثم إلى 52,172 شخصًا في 2024.

ثم انخفض عدد المهاجرين الذين أنقذتهم في الكناري إلى 8,674 في 2025، بانخفاض 55% عن العام السابق.

هذه الأرقام لا تعني أن كل الواصلين أُنقذوا بالطريقة نفسها، لكنها تؤكد أن الإنقاذ البحري أصبح أحد أعمدة إدارة الطريق الأطلسي، وأن حجم عمليات البحث والمساعدة ارتفع بشدة مع انفجار عدد الرحلات.

التعامل مع المهاجرين

ويبدأ تعامل إسبانيا مع الوافدين بالإنقاذ أو الاعتراض قرب الجزر، ثم الاستقبال الأولي من قبل الصليب الأحمر، ثم إجراءات الشرطة للتعرف على الهوية التي قد تستغرق حتى 72 ساعة، وفق تقرير بعثة الجمعية البرلمانية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا بعد زيارة الكناري في مارس 2025.

ويحصل الواصلين عادة على أمر بالعودة إداريًا، لكن كثيرين منهم قد يكونون مؤهلين لطلب الحماية الدولية أو لبرامج إقامة أخرى، ثم يُنقلون إلى مراكز استقبال يمكن أن يبقوا فيها حتى ثلاثة أشهر قبل نقلهم أو إدماجهم في مسارات أخرى.

صور رويترز من أبريل 2026 أظهرت أيضًا استمرار هذا النمط: إنزال الوافدين في موانئ مثل أرغينيغين، ثم تقديم المساعدة الطبية الأولية من الصليب الأحمر، ونقل الحالات المتعبة أو المصابة على الكراسي المتحركة أو سيارات إسعاف عند الحاجة.

انتقادات حقوقية

لكن المعالجة الإنسانية لا تلغي الانتقادات الحقوقية، تقرير AIDA/ECRE عن إسبانيا لعام 2024، المنشور في 2025، قال إن الكناري ما زالت تواجه نواقص في الوصول إلى إجراءات اللجوء، ومشكلات في المساعدة القانونية، وضغطًا مستمرًا على مرافق الاستقبال، وخاصة للأطفال غير المصحوبين بذويهم.

التقرير أشار أيضًا إلى أن الحكومة الإسبانية زادت منذ 2021 ميزانيات الاستقبال والتحويل إلى البرّ الرئيسي، لكن التحويلات ظلت غير كافية مقارنة بحجم الوافدين.

كما وثّق أن بعض مرافق CATE في تينيريفي وإل هييرو وُصفت بأنها مكتظة وفي ظروف سيئة، وأن منظمات عديدة حذرت من خطر إيواء قاصرين في مراكز للبالغين أو إجراء تقييمات عمر من دون ضمانات قانونية كافية.

ملف القاصرين غير المصحوبين أصبح بدوره أحد أكثر الجوانب حساسية، البرلمان الأوروبي قال إن الكناري كانت تستضيف في 2025 أكثر من 5,000 قاصر غير مصحوبين بذويهم، فيما ذكر تقريره أن الحكومة الإسبانية بدأت في مارس 2025 خطة لنقل نحو 4,000 منهم إلى البرّ الإسباني لتخفيف الضغط، بينما ظلت الجزر حتى منتصف 2025 تستضيف حوالي 37% من جميع هؤلاء القاصرين الموجودين في إسبانيا.

ومع أن مبدأ “تقاسم المسؤولية” بين الأقاليم تقدّم سياسيًا، فإن منظمات حقوقية وبرلمانية قالت إن التنفيذ كان أبطأ من المطلوب، وإن الخدمات التعليمية والنفسية والحماية المتخصصة لم تكن دائمًا بمستوى الحاجة.

الحاجة إلى الحماية

من منظور الحماية الدولية، تؤكد المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن انخفاض أعداد الوصول لا يعني انخفاض الحاجة إلى الحماية، ففي يناير 2026 قالت المفوضية إن تراجع الوافدين إلى إسبانيا في 2025 ترافق مع استمرار وجود احتياجات حماية مرتفعة، لا سيما أن كثيرًا من الواصلين يفرون من نزاعات واضطهاد وفقر شديد.

الكناري خلال عشر سنوات لم تكن مجرد نقطة وصول، بل مختبرًا لسياسات أوروبية-إسبانية مزدوجة: الإنقاذ والاستقبال من جهة، والردع الخارجي وتفويض الضبط إلى دول غرب إفريقيا من جهة أخرى.

بالأرقام، ارتفعت معدلات الوصول من أقل من ألف في 2016 إلى عشرات الآلاف في بعض السنوات، ثم تراجعت بقوة في 2025 والربع الأول من 2026.

لكن هذا التراجع لم ينهِ المأساة الإنسانية، لأن الطريق الأطلسي ما زال من أكثر طرق الهجرة فتكًا في العالم، ولأن الجدل الحقوقي حول ظروف الاستقبال، وحقوق اللجوء، وحماية القاصرين، وتوثيق الموتى والمفقودين، لا يزال مفتوحًا.