وراء واجهات المتاجر اللامعة وأسعار الملابس المنخفضة، تقف ملايين النساء داخل مصانع تمتد عبر آسيا لتغذية سلاسل التوريد العالمية. فصناعة الأزياء لا تعتمد فقط على القماش والتصميم والتسويق، بل على عمل نسائي كثيف غالباً ما يبقى غير مرئي، رغم أنه يشكل العمود الفقري للإنتاج في دول مثل بنغلاديش وكمبوديا وفيتنام.
وتطرح هذه الصناعة سؤالاً حقوقياً يتجاوز منطق الربح والكلفة.. هل يمكن اعتبار قطاع الأزياء قصة نجاح اقتصادي إذا كان جزء من هذا النجاح يقوم على أجور منخفضة، وساعات عمل طويلة، وضغوط إنتاجية، وحماية غير كافية من التمييز والتحرش؟ فالعاملات لا يطالبن فقط بفرصة عمل، بل بحقهن في عمل لائق، وأجر عادل، وبيئة آمنة، وتمثيل نقابي، وحماية اجتماعية تضمن لهن حياة أكثر كرامة.
وتبرز بنغلاديش وكمبوديا وفيتنام بوصفها نماذج كاشفة لهذه المفارقة، فهي دول حققت مكانة مهمة في صناعة الملابس العالمية، وأسهم القطاع فيها في توفير ملايين الوظائف، خصوصاً للنساء، لكنه في الوقت نفسه كشف حدود النمو الاقتصادي عندما لا يصاحبه احترام كامل للحقوق العمالية.
نساء خلف الإنتاج
تشير منظمة العمل الدولية إلى أن النساء يشكلن نسبة كبيرة من القوى العاملة في صناعة الملابس في آسيا. ففي فيتنام، تؤكد المنظمة أن النساء يمثلن نحو 75% من قوة العمل في قطاع النسيج والملابس، في حين يوضح برنامج “أفضل المصانع” في فيتنام أن النساء يشكلن 78% من العاملين في المصانع المشاركة في البرنامج.
وفي بنغلاديش وكمبوديا، تؤكد تقارير منظمة العمل الدولية ومنظمات عمالية دولية أن قطاع الملابس يعتمد بصورة واسعة على العاملات، خصوصاً في وظائف الإنتاج ذات الأجر المنخفض والكثافة العمالية العالية.
لكن هذه المشاركة الواسعة لا تعني بالضرورة تمكيناً اقتصادياً كاملاً، فكثير من العاملات يواجهن صعوبات في الحصول على أجر يكفي لتغطية تكاليف المعيشة، كما يواجهن تحديات تتعلق بساعات العمل، والقدرة على التفاوض، والاستقرار الوظيفي، والحماية من الفصل أو الانتقام عند المطالبة بالحقوق.
أجر لا يكفي
في بنغلاديش التي تعد من أكبر مصدري الملابس الجاهزة في العالم رُفع الحد الأدنى للأجر الشهري في قطاع الملابس إلى 12,500 تاكا بعد احتجاجات عمالية واسعة، غير أن منظمات عمالية، بينها حملة الملابس النظيفة، اعتبرت أن هذا الأجر لا يزال بعيداً عن مستوى الأجر المعيشي، وذكّرت بأن النقابات طالبت بـ23 ألف تاكا شهرياً.
وتؤكد تقارير حقوقية أن الأزمة لا تكمن في رقم الحد الأدنى وحده، بل في الفجوة بين الأجر القانوني والأجر القادر على ضمان حياة كريمة، فالعاملة قد تحصل على راتب شهري منتظم، لكنها تظل عاجزة عن تغطية تكاليف السكن والغذاء والنقل والرعاية الصحية والتعليم، خاصة مع ارتفاع التضخم وتكاليف المعيشة.
وفي كمبوديا، تذهب دراسات عمالية حديثة إلى أن فجوة الأجر المعيشي ما زالت قائمة داخل قطاع الملابس، إذ تشير تقديرات منشورة عام 2025 إلى أن الأجر الأساسي البالغ 208 دولارات شهرياً لا يزال دون مستوى الأجر المعيشي المقدر بنحو 232 دولاراً، وأن معظم العمال يحتاجون إلى بدلات ومكافآت للوصول إلى مستوى قريب من احتياجاتهم الأساسية.
أما في فيتنام، فتؤكد منظمة العمل الدولية وبرنامج “أفضل المصانع” أن القطاع حقق تقدماً في تحسين ظروف العمل داخل مصانع مشاركة في البرنامج، لكن الضغط المرتبط بالإنتاج، والعمل الإضافي، والقدرة على التدرج المهني، ما زالت قضايا حاضرة في بيئة عمل تعتمد بدرجة كبيرة على النساء.
التمييز داخل المصانع
لا تقتصر معاناة العاملات على الأجور، فصناعة الملابس، بوصفها قطاعاً منخفض الأجر وكثيف العمالة، تضع النساء في مواجهة مخاطر متعددة تشمل التمييز، والتحرش، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وضعف فرص القيادة والترقي.
وتؤكد مبادرات دولية معنية بالمساواة في سلاسل التوريد أن العاملات في مصانع الملابس يواجهن فجوات في الأجور والفرص، وأن مشاركة النساء الواسعة في الإنتاج لا تنعكس دائماً على مواقع القرار أو الحماية داخل أماكن العمل.
وفي هذا السياق، شددت المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، سيما بحوث، في التصريح الوارد بالمادة، على أن النساء العاملات في سلاسل التوريد العالمية يسهمن بصورة أساسية في الاقتصاد العالمي، لكن كثيراً منهن ما زلن يعملن في ظروف لا تضمن الحماية الاجتماعية الكافية أو الأجر المنصف، وتكشف هذه الفجوة أن الاقتصاد العالمي يستفيد من عمل النساء، لكنه لا يمنحهن في كثير من الأحيان نصيباً عادلاً من الحماية أو الأمان أو التقدير.
وأعادت كارثة انهيار مبنى رانا بلازا في بنغلاديش عام 2013 كشف الكلفة الإنسانية لصناعة الملابس العالمية، ووفق منظمة العمل الدولية، فقد قُتل أكثر من 1100 عامل وعاملة، معظمهم من عمال الملابس، وأصيب كثيرون آخرون في واحدة من أسوأ الكوارث الصناعية الحديثة.
وبعد الكارثة، تحسنت جوانب من السلامة المهنية في بنغلاديش، وازدادت عمليات التفتيش والرقابة داخل مصانع كثيرة، إلا أن منظمات عمالية تؤكد أن السلامة الإنشائية وحدها لا تكفي. فالعمل اللائق يتطلب أيضاً أجوراً عادلة، وحقاً فعلياً في التنظيم النقابي، وحماية من الانتقام، وضمانات اجتماعية لا تجعل العاملة مضطرة للاختيار بين الصمت وفقدان مصدر رزقها.
كلفة غير مرئية
يشير أستاذ علم الاجتماع، الدكتور عبد الوهاب الشارني إلى وجود تقسيم عالمي للعمل يعتمد على الاستفادة من العمالة النسائية منخفضة الأجر في الدول النامية لتلبية طلب الأسواق العالمية.
ويرى الشارني أن سعر القطعة المعروضة في المتاجر لا يعكس دائماً الكلفة الاجتماعية الحقيقية التي تتحملها العاملات في مراحل الإنتاج المختلفة.
ويكشف هذا الواقع مفارقة واضحة: فازدهار صناعة الأزياء العالمية لا ينعكس بالضرورة على تحسين أوضاع النساء اللواتي يقفن خلف خطوط الإنتاج، فالقطعة الرخيصة في السوق قد تخفي وراءها ساعات طويلة، وضغطاً إنتاجياً، وأجوراً لا تكفي، وعملاً غير مرئي داخل منظومة توريد عابرة للحدود.
ويحذر الدكتور الشارني من أن استمرار هذه الظاهرة يؤدي إلى تكريس عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، إذ تحد الأجور المنخفضة وساعات العمل الطويلة من قدرة النساء على تحسين أوضاعهن المعيشية، ما يجعل النمو الاقتصادي لا ينعكس بالضرورة على تحقيق العدالة الاجتماعية.
مسؤولية العلامات
خلال السنوات الأخيرة، تصاعد الضغط على العلامات التجارية العالمية لتحمل مسؤولية كبرى عن ظروف العمل في المصانع التي تنتج لمصلحتها، خصوصاً بعد تكرار الانتقادات الموجهة إلى الاعتماد على المراجعات الشكلية والتدقيق غير الكافي داخل سلاسل التوريد.
وتؤكد هيومن رايتس ووتش أن التشريعات الجديدة، مثل تنظيم الاتحاد الأوروبي بشأن العمل القسري، تضع الشركات أمام مسؤوليات أوضح في تحديد مخاطر العمل القسري والاستغلال داخل عملياتها وسلاسل توريدها.
ودعت المنظمة، في سياق بنغلاديش، العلامات التجارية إلى دفع أسعار عادلة للموردين، ما يسمح بتحسين أجور العمال، بدلاً من تحقيق الأرباح عبر ضغط الأسعار على المصانع.
وفي أبريل 2025 قالت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة أمينة محمد، في التصريح الوارد بالمادة، إن المستهلكين حول العالم لا يرون غالباً الأشخاص الذين يقفون خلف المنتجات التي يشترونها، مشددة على ضرورة ربط النجاح الاقتصادي باحترام حقوق العمال والعاملات.
حقوق لا كلفة
يوضح الدكتور في القانون والمحامي رائد العمارين، أن العاملات في قطاع صناعة الملابس يفترض أن يتمتعن بالحقوق التي تكفلها اتفاقيات منظمة العمل الدولية، ومنها الحق في أجر عادل، وظروف عمل آمنة، وساعات عمل معقولة، والحماية من التمييز والاستغلال.
ويؤكد أن انتهاك هذه الحقوق بصورة ممنهجة لا يمكن اعتباره مجرد مسألة اقتصادية أو تجارية، بل يتحول إلى قضية حقوق إنسان تتعلق بالتزامات الدول وأصحاب العمل والشركات المستفيدة من سلاسل الإنتاج العالمية.
وهنا يصبح الحق في العمل اللائق معياراً لا يمكن فصله عن صناعة الأزياء. فالملابس التي تصل إلى الأسواق العالمية ينبغي ألا تحمل في كلفتها الخفية حرمان العاملات من الأجر العادل، أو الصحة، أو الكرامة، أو الحق في التنظيم.

