منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

سقوط الحق بالتقادم.. كيف تحرم القوانين ضحايا الاغتصاب في نيبال من العدالة؟

25 يوليو 2026
نيبال.. دعوات لحماية الناجيات من الاغتصاب
نيبال.. دعوات لحماية الناجيات من الاغتصاب

في نيبال، لا تقف معاناة الناجيات من الاغتصاب عند حدود الجريمة نفسها، بل تمتد إلى منظومة قانونية تجعل الزمن خصماً إضافياً في طريق العدالة. فبدل أن تفتح القوانين الباب أمام الضحايا للإبلاغ متى امتلكن القدرة النفسية والاجتماعية على المواجهة، تضع مهلاً زمنية قصيرة قد تؤدي عملياً إلى إسقاط الحق في الملاحقة القضائية، ومنح الجناة فرصة الإفلات من العقاب.

تثير هذه الإشكالية جدلاً واسعاً بشأن عدالة قواعد التقادم في جرائم العنف الجنسي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بجرائم تتسم بالوصمة، والخوف، واختلال ميزان القوة بين الضحية والجاني. فالاغتصاب ليس مجرد اعتداء جسدي، بل انتهاك عميق للإرادة والكرامة والأمان الشخصي، وقد تحتاج الناجية سنوات طويلة قبل أن تتمكن من الكلام أو تقديم بلاغ رسمي.

ورغم التعديلات التشريعية الجزئية التي وسعت مهلة الإبلاغ عن اغتصاب البالغين من عام واحد إلى عامين، يرى حقوقيون أن هذه الخطوة لا تزال غير كافية أمام الطبيعة المعقدة للجرائم القائمة على النوع الاجتماعي، ولا تراعي الصدمة النفسية أو الضغوط الاجتماعية التي تدفع كثيراً من الضحايا إلى الصمت المؤجل.

أرقام تكشف فجوة العدالة

تظهر بيانات شرطة نيبال لعام 2025 تسجيل أكثر من 2400 حالة اغتصاب وعنف جنسي خلال العام، غير أن تقديرات حقوقية تشير إلى أن الرقم المعلن لا يمثل إلا جزءاً محدوداً من الواقع، بسبب ضعف الإبلاغ والخوف من الوصمة والانتقام.

وبحسب تقرير تحليلي صادر عن منظمة ووريك للتأهيل في نيبال في بداية عام 2026، فإن نحو 42% من الناجيات اللاتي حاولن تقديم شكاوى رسمية بعد مرور أكثر من عامين على وقوع الاعتداء قوبلن بالرفض من جانب السلطات التنفيذية للشرطة، استناداً إلى المادة المنظمة لمهلة التقادم في قانون العقوبات.

ويعني ذلك أن المهلة الزمنية لم تعد مجرد قاعدة إجرائية، بل تحولت في كثير من الحالات إلى حاجز يمنع الوصول إلى المحكمة، ويحول دون التحقيق في جرائم خطيرة لم تسقط آثارها عن الضحايا، حتى إن سقطت قانونياً بفعل مرور الوقت.

القانون والعنف الجنسي

تستند فلسفة التقادم في القوانين التقليدية إلى حماية المتهمين من ادعاءات متأخرة قد يصعب إثباتها بعد مرور سنوات، لكن تطبيق هذه الفلسفة بصورة جامدة على جرائم الاغتصاب يخلق اختلالاً عميقاً في ميزان العدالة.

فالأدلة الجنائية والطبية قد تتأثر بالفعل بمرور الزمن، لكن الجرائم الجنسية لا تقوم دائماً على الدليل المادي وحده. فالشهادات، والسياق الاجتماعي، والتحليل النفسي، وتطور أدوات التحقيق، كلها عناصر يمكن أن تساعد في الوصول إلى الحقيقة، حتى بعد فترة طويلة من وقوع الجريمة.

ولهذا، فإن إغلاق الباب أمام الناجيات بمجرد انقضاء مهلة زمنية محددة يسقط الجريمة شكلياً، ويبرئ الجاني عملياً دون محاكمة، ويخلق رسالة خطيرة مفادها أن الصمت والخوف والتأخير قد يتحولون إلى أدوات لمصلحة المعتدي.

الصراع بين الزمن والتعافي

تتصادم المهل القانونية القصيرة مع الفهم الطبي والنفسي الحديث لآثار الاغتصاب. فالناجيات من العنف الجنسي قد يمررن بمراحل طويلة من الإنكار، والشلل الانفعالي، واضطراب ما بعد الصدمة، والخوف من المجتمع أو الأسرة أو الجاني.

وتشير أبحاث وتقارير حقوقية إلى أن الإفصاح المؤجل ليس استثناءً في جرائم العنف الجنسي، بل قد يكون نتيجة طبيعية للصدمة. فالضحية التي تنشغل بمحاولة البقاء نفسياً واجتماعياً قد لا تمتلك القدرة على مواجهة الشرطة أو القضاء خلال مهلة محدودة، خصوصاً في المجتمعات التي تلقي عبء العار على الضحية بدل الجاني.

ووفقاً لتقرير صادر عن لجنة الحقوقيات الدولية بالتعاون مع منظمات صحية نيبالية في أواخر عام 2025، فإن متوسط الوقت الذي تحتاجه الناجية من العنف الجنسي في نيبال لتتجاوز مرحلة الخوف الأولي وتصبح قادرة على الحديث علناً عن الجريمة يتراوح بين 3 و7 سنوات.

وتتضاعف هذه المدة في المناطق الريفية والجبلية النائية، حيث تزداد سلطة الأعراف الاجتماعية، وتضعف مراكز الدعم النفسي والقانوني، وتنتشر الوصمة المجتمعية التي تحمل الضحية مسؤولية الاعتداء.

وبذلك، فإن استمرار مهلة السنتين يعني عملياً إغلاق أبواب العدالة أمام نسبة واسعة من الناجيات اللاتي يحتجن وقتاً أطول للتعافي قبل امتلاك القدرة على المواجهة القانونية.

العنف الجنسي جريمة لا يجوز إسقاطها

تبدو الأزمة أكثر قسوة عند النظر إلى ملف العنف الجنسي المرتبط بالنزاع المسلح الذي شهدته نيبال بين عامي 1996 و2006 بين القوات الحكومية والمتمردين الماويين. فرغم انتهاء الحرب منذ نحو عقدين، لا تزال آلاف النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب الممنهج والاستعباد الجنسي ينتظرن الإنصاف.

وتشير انتقادات حقوقية إلى أن قوانين العدالة الانتقالية في نيبال وضعت قيوداً زمنية تعسفية على تقديم البلاغات، منها مهل قصيرة وصلت في مراحل معينة إلى ثلاثة أشهر، ما أدى إلى استبعاد أعداد كبيرة من الضحايا من مسارات العدالة والتعويض.

وبحسب تحديث صادر عن المفوضية السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة في بداية عام 2026 بشأن نيبال، تسبب الإصرار على تقييد البلاغات بمهل زمنية قصيرة في رد أكثر من 85% من ملفات العنف الجنسي المقدمة إلى الهيئات المختصة.

ورغم التعديلات التي طرأت على مشروع قانون العدالة الانتقالية في نيبال بين عامي 2024 و2025، لا تزال الثغرات المتعلقة بعدم تصنيف الاغتصاب الممنهج خلال الحرب بوصفه جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم تمثل معوقاً رئيسياً أمام المحاسبة.

ومن منظور القانون الدولي، فإن فرض تقادم زمني قصير على جرائم الحرب والعنف الجنسي المرتبط بالنزاع المسلح يتعارض مع حق الضحايا في الحقيقة والعدالة والتعويض، ويحول العدالة الانتقالية إلى مسار للمصالحة السياسية أكثر منه طريقاً لإنصاف الناجيات.

التزامات نيبال الدولية

تضع قواعد التقادم الحالية في جرائم الاغتصاب نيبال أمام اختبار واضح لالتزاماتها الدولية، باعتبارها دولة طرفاً في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة منذ عام 1991، إضافة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وتؤكد التوصية العامة رقم 35 الصادرة عن لجنة سيداو أن التزام الدول بمكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي يتطلب إزالة العوائق الإجرائية والتنظيمية التي تمنع الضحايا من الوصول إلى العدالة، وفي مقدمتها مدد التقادم القصيرة أو التعسفية التي تحول دون ملاحقة جرائم العنف الجنسي.

ويشير تقرير المراجعة الحقوقية الصادر عن المرصد الدولي لحقوق الإنسان في فبراير 2026 إلى تكرار التوصيات الموجهة إلى الحكومة النيبالية بضرورة إلغاء مهل التقادم في جرائم الاغتصاب، أو على الأقل تمديدها بحيث تبدأ من تاريخ زوال الخوف والظروف التي منعت الضحية من تقديم البلاغ.

وتزداد حدة التناقض عندما تقارن هذه القواعد بالدستور النيبالي لعام 2015 الذي ينص في المادة 38 على حق المرأة في الحماية من العنف والاستغلال بجميع أشكاله، ويضمن الحق في الوصول إلى العدالة بوصفه حقاً أساسياً.

سطوة الجاني وسلاح الصمت

قال الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، إن الجرائم المرتبطة بجرائم الاعتداء الجنسي والاغتصاب والتحرش غالباً ما تشهد تأخراً ملحوظاً في إبلاغ الضحايا عنها نتيجة عوامل نفسية واجتماعية معقدة، وفي مقدمتها الخوف الشديد والنفوذ الذي يتمتع به الجاني.

وأشار فرويز، في تصريحات لـ”صفر”، إلى أن المتعدي في كثير من الأحيان يمتلك سلطة ترهيبية أو واجهة اجتماعية مرموقة تُكبل الضحية وتمنعها من الإفصاح عما تعرضت له، سواء كانت هذه السلطة أمنية، أو قضائية، أو وظيفية، أو حتى سلطة أسرية واجتماعية تفرضها قرابة معينة كالوالد أو الأخ أو العم أو الخال.

وأكد فرويز أن اختلال التوازن في القوى يجعل الضحية تخشى الاستهانة بشهادتها أو التكذيب وعدم التصديق من قبل المجتمع، ما يدفعها إلى الصمت لسنوات طويلة إلى أن تتغير الظروف وتملك الجرأة والإرادة أو الدعم الكافي للمطالبة بحقها المسلوب.

وأوضح الخبير النفسي أن التاريخ الإنساني مليء بنماذج تؤكد هذه الظاهرة، مستشهداً بإحدى القضايا الشهيرة في المملكة المتحدة لشخص حظي بألقاب شرفية وتكريمات رفيعة وكان يُشار إليه بـ”أبو الأيتام”، حيث ظل يمارس انتهاكاته لسنوات طويلة تحت ستار مكانته، ولم يُكشف أمره إلا بعدما امتلك أحد الضحايا، عقب مروره بسنوات طويلة وبعد بلوغه سن الرشد، الشجاعة لتقديم أول بلاغ رسمي ضده، ليتوالى بعد ذلك أكثر من مئتي شهادة وبلاغ من ضحايا آخرين كانوا يلتزمون الصمت لنفس الأسباب.

ونبه استشاري الطب النفسي إلى أن غرف العيادات النفسية تشهد يومياً سرد قضايا وحوادث اعتداء جنسي عديدة يرويها أصحابها بوصفها جزءاً من العلاج والتفريغ الوجداني دون أن تكون لديهم القدرة أو الرغبة في تقديم بلاغات رسمية للسلطات القضائية، وهو ما يستدعي إعادة النظر في الأطر القانونية وعدم تقييد جرائم الاعتداء الجنسي بمدد زمنية محددة للسقوط بالتقادم، بل فتح المجال كاملاً أمام الضحايا للإبلاغ في الوقت الذي يسترجعون فيه توازنهم النفسي ويملكون القدرة على مواجهة الجاني.

وأضاف الأكاديمي والباحث أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق المؤسسات المجتمعية والقانونية، والتي يجب عليها العمل بتكامل لتوفير بيئة آمنة تضمن الحماية الكاملة والسرية التامة للضحايا، مؤكداً أن تشجيع المتضررين وتسهيل الإجراءات القانونية والإدارية أمامهم يعزز من ثقتهم في المنظومة ويساعدهم على الاندماج مجدداً في المجتمع بشكل صحي وطبيعي.

وشدد فرويز على أن التبعات النفسية الناتجة عن الصمت القسري والإفلات من العقاب تُعد شديدة الخطورة؛ إذ تبدأ باضطرابات حادة في النوم والأكل وحالات اكتئاب جسيمة، وقد تمتد لتشكل أزمة هوية وانتماء خطيرة لدى الفرد، موضحاً أنه عندما يشعر الإنسان بأن حقه مُهان أو عاجز عن استرداده داخل وطنه، فإن ذلك يولد مشاعر عميقة من الاحتقان والكراهية تجاه بيئته ومؤسساته ورجال العدالة فيها.

ولفت إلى أن هذا الشعور بالغبن والظلم قد يتطور لدى بعض الحالات الحادة ليتحول إلى حالة من الاغتراب السياسي والاجتماعي الكامل، بل قد يصل بالبعض إلى التعاون مع أعداء الوطن لمجرد الرغبة في الانتقام النفسي من المجتمع الذي لم يوفر لهم الحماية والعدالة.

واختتم استشاري الطب النفسي تصريحه بتأكيد أن الوصمة الاجتماعية والخوف المترسخ في الوجدان هما المحرك الأساسي لحالة الصمت التام أو التأخر الحاد في اتخاذ قرار المواجهة والإبلاغ، ما يستوجب مواجهة مجتمعية شاملة تُعيد ترتيب المفاهيم وتوفر الدعم النفسي والقانوني والاجتماعي لكل ضحية.

من حماية الجاني إلى إنصاف الضحية

قال ياسر سعد، الباحث في الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، إن تطبيق قواعد التقادم الزمني في قضايا العنف الموجهة ضد النساء والأطفال والأقليات يُمثّل إجحافاً صريحاً يُحمّل الضحية وحدها تبعات الجريمة والمسؤولية الكاملة عنها، مشيراً إلى أن هذا النهج يتنافى جوهرياً مع الفلسفة التي بُني عليها نظام التقادم أساساً، والتي وُجدت لتستفيد منها الأطراف في القضايا التي تلتزم فيها الدولة بإدارة الحقوق المدنية والجنائية حمايةً للمتهم من إرجاء الإجراءات القانونية دون مبرر، وليس لإهدار حقوق الفئات الأكثر هشاشة.

وأكد سعد في تصريحات خاصة لـ”صفر” أن ضحايا العنف يستغرقون فترات زمنية طويلة للغاية على المستويات النفسية والاقتصادية والاجتماعية ليتسنى لهم امتلاك القدرة والجرأة على اتخاذ مسار إجرائي وقانوني ضد الجاني.

ولفت إلى أن الأسباب المسببة للردع والصمت متعددة ومتشابكة؛ وتأتي في مقدمتها الآثار النفسية القاسية الناجمة عن صدمة الجريمة ذاتها، إلى جانب المعوقات الاقتصادية الصارمة، خصوصاً إذا كان الجاني يُشغّل الضحية أو يمتلك نفوذاً ومكانة مؤثرة في مجال عملها، بالإضافة إلى الضغوط والقيود الاجتماعية العاتية المتمثلة في الوصم المجتمعي والخوف الشديد من ردود أفعال الأسر والأهالي، وهو ما يجعله يطالب بقوة بضرورة إلغاء مهل التقادم كلياً في هذه القضايا، وبخاصة تلك التي تُرتكب خلال فترات النزاعات المسلحة.

ونبه الباحث الحقوقي إلى أن إلغاء مهل التقادم لا يُعد كافياً بمفرده ما لم يُشفع بسن تشريعات وقوانين خاصة تُوفر الحماية الكاملة والناجزة للضحايا والناجيات، وتُحدد آليات وأدوات محاسبة واضحة تضمن تقديم الجناة إلى محاكمات عادلة، مع الإبقاء المستمر على مساحات إجرائية مفتوحة لمباشرة التحقيقات واتخاذ التدابير التي تحمي الضحايا والشهود من أي تهديدات أو انتقام.

وأوضح سعد أن البيئة القضائية تتطلب إنشاء محاكم متخصصة تضم نخبة من الأطباء والاخصائيين النفسيين والاجتماعيين، على أن تتمتع تقاريرهم الفنية بقيم عالية من الشفافية والحيادية، وأن تكون ذات أثر مباشر وملموس في توجيه الإجراءات القانونية، وتسبيب الأحكام القضائية، وتنفيذها على أرض الواقع.

واختتم الباحث في الحقوق الاجتماعية والاقتصادية تصريحه بالتشديد على أن إدماج وتنفيذ الاتفاقيات الدولية لتتطابق تماماً مع التشريعات الوطنية يُمثل الركيزة الأساسية لتأكيد احترام الدولة لالتزاماتها في مجال حقوق الإنسان.

وبين أن على الدولة المراجعة الشاملة والدورية لكافة قوانينها الداخلية لتتوافق مع المواثيق الدولية، ولا سيما اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، باعتبار أن الالتزام بهذه الأطر الدولية لا يُشكل على الإطلاق أدنى تدخل في السيادة الوطنية أو القرار السياسي للدولة، بل يُمثل ضمانة حقيقية لترسيخ العدالة وحماية المجتمع.