يستعد مجلس حقوق الإنسان لعقد دورته الثانية والستين في مدينة جنيف السويسرية، خلال الفترة الممتدة من 15 يونيو إلى 10 يوليو 2026.
وتأتي هذه الدورة في منعطف محوري لتقييم الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء العنف ضد النساء والفتيات، ومناقشة الوثائق والتحضيرات المرتبطة بهذا الملف الإنساني العاجل، وفي هذا السياق، أحال الأمين العام للأمم المتحدة مذكرة تتضمن التقرير السنوي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة حول أنشطة صندوق الأمم المتحدة الاستئماني لدعم الإجراءات المتخذة للقضاء على العنف ضد المرأة.
ويكشف التقرير المرفوع إلى الدورة الـ 62 للمجلس والدورة الـ 70 للجنة وضع المرأة، عن أرقام وتقييمات ميدانية تعكس حجم التحديات الهيكلية والمادية التي تواجه حركات حقوق المرأة في الخطوط الأمامية.
تؤكد البيانات الرسمية الصادرة في التقرير أن العنف ضد النساء لا يزال يشكل حالة طوارئ عالمية ونمطاً واسع الانتشار من انتهاكات حقوق الإنسان التي تتنامى في ظل الإفلات من العقاب.
وتشير الإحصاءات الدولية الموثقة إلى أن امرأة واحدة من بين كل ثلاث نساء، أي ما يعادل مجتمعاً يتراوح بين 736 و852 مليون امرأة حول العالم، تتعرض للعنف خلال فترة حياتها.
وتكشف التقارير الميدانية عن فظاعة المشهد اليومي، حيث تفقد حوالي 140 امرأة وفتاة حياتهن يومياً على يد عشيرهن أو أحد أقربائهن المقربين، بمعدل جريمة قتل تقع كل 10 دقائق.
وشهدت الفترة الممتدة بين عامي 2023 و2025 تصاعداً حاداً في الانتهاكات، إذ وثقت الأمم المتحدة زيادة بنسبة 87 % في حالات العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات المسلحة، إلى جانب ارتفاع حالات تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية بنسبة 15 % مقارنة بالتقديرات العالمية الصادرة قبل ثماني سنوات.
وعلى الرغم من تسارع وتيرة العنف الذي تيسره التكنولوجيا الحديثة، فإن نسبة البلدان التي تمتلك تشريعات قانونية للتصدي له تقل عن 40 % عالمياً.
تتحمل منظمات المجتمع المدني العبء الأكبر في تقديم خدمات الحماية والعدالة، خصوصاً في ظل تدابير التقشف والتراجع في الخدمات العامة، ويوضح التقرير أن الإنفاق الوطني على مكافحة العنف يظل دون نسبة واحد % من الميزانيات الحكومية في معظم الدول.
ويسعى صندوق الأمم المتحدة الاستئماني، الذي أنشأته الجمعية العامة بموجب قرارها 50/166 وتديره هيئة الأمم المتحدة للمرأة، إلى سد هذه الفجوات التمويلية.
وأدار الصندوق خلال عام 2025 حافظة مالية بلغت قيمتها 74.5 مليون دولار، شملت دعم 159 منظمة في 71 بلداً وإقليماً.
وتوزعت المبادرات النشطة عالمياً لتغطي 25 % في أفريقيا، و24 % في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، و20 % في أوروبا وآسيا الوسطى، و16 % في آسيا والمحيط الهادئ، و14 % في الدول العربية وشمال أفريقيا، بالإضافة إلى نحو واحد % للمبادرات الأقاليمية.
تضمنت 65 % من هذه المشروعات استراتيجيات مخصصة لتسهيل لجوء الناجيات إلى العدالة، وهو ما يمثل استثماراً متعدد السنوات بقيمة 50 مليون دولار عبر 103 جهات شريكة.
تواجه هذه الجهود الحقوقية رياحاً معاكسة وضغوطاً بيروقراطية ومالية شديدة أدت إلى تقليص الحيز المدني. وأظهر الاستقصاء العالمي لعام 2025، الذي شمل 411 منظمة لحقوق المرأة في 44 موقعاً من مواقع الأزمات، أن 90 % من هذه المنظمات تضررت مالياً جراء خفض المساعدات الدولية، وتوقع نصفها الإغلاق التام في غضون ستة أشهر في حال استمرار الظروف الراهنة.
وبيّن التقييم السريع الذي أجراه الصندوق في فبراير 2025 أن 60 % من شركائه تأثروا مباشرة بتخفيضات التمويل، مما دفع 78 % منهم إلى تقليص الخدمات الأساسية، وأجبر 73 % على تعليق أو إغلاق الملاجئ ومراكز الأزمات وخدمات المساعدة القانونية.
وتتزامن هذه الأزمات المالية مع ردود فعل عنيفة وممنهجة ضد حقوق المرأة أُبلغ عنها في ربع عدد البلدان تقريباً، حيث تستخدم أدوات قانونية لإعاقة الإصلاحات وتجميد القوانين، مثلما حدث في صربيا حيث أوقفت المحكمة الدستورية إنفاذ قانون المساواة بين الجنسين في عام 2024.
كما فرضت دول أخرى قيوداً صارمة على التمويل الأجنبي، مثل قانون شفافية النفوذ الأجنبي في جورجيا، وتعديلات قانون الوكالة البيروفية للتعاون الدولي في بيرو لعام 2025، وقانون تعديل المنظمات الطوعية الخاصة في زيمبابوي.
تستمر منظمات الخطوط الأمامية في الابتكار وتقديم نماذج ناجحة للعدالة والرعاية رغم هذه البيئات المعقدة، ونجح التحالف من أجل وقف العنف ضد المرأة في أرمينيا بانتزاع تعديلات تاريخية في قانون العقوبات يجرم المطاردة ويلغي إجراءات المصالحة الإلزامية.
وطورت رابطة التعاطف من أجل الحياة للتنمية المتكاملة في إثيوبيا شبكة إحالة عبر تدريب 50 من العاملين في الخطوط الأمامية على بروتوكولات الرعاية النفسية والجسدية.
واستطاع اتحاد التمكين الاقتصادي للمرأة في نيجيريا تطبيق نموذج للمساءلة أدى إلى رفع وعي المستهدفين بقانون حظر العنف ضد الأشخاص إلى 91 %، وتوثيق 300 حالة جديدة أفضت ست حالات اعتداء جنسي منها على الأقل إلى ملاحقات قضائية ناجحة.
وفي الكاميرون، قدمت جمعية ليبرا للأرامل مساعدات قانونية شملت أكثر من 850 ناجية وضمنت المقاضاة الفعالة في 78 قضية عنف جنساني في ست مناطق متأثرة بالنزاعات.
وبادرت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في كينيا بدمج تطبيق “ميديكابت” الرقمي لجمع الأدلة الجنائية، مما ساعد في توثيق ما يقرب من 2000 حالة عنف جنسي وتوفير الدعم الصحي لنحو 17932 ناجية.
يطلق تقرير الصندوق الاستئماني، بالتزامن مع الذكرى الثمانين لتأسيس الأمم المتحدة والذكرى الثلاثين لإنشاء الصندوق، دعوة عاجلة للمجتمع الدولي والوزراء والدبلوماسيين المشاركين في دورة جنيف للوفاء بالالتزامات السياسية.
ويركز الصندوق في دعوته لتقديم المقترحات لعام 2025، المعنونة “توفير الموارد لتحقيق القدرة على الصمود”، على سد الفجوة بين حجم الطلب الذي بلغ 1.5 بليون دولار وحجم الموارد المتاحة فعلياً.
وتتراوح قيمة المنح المستهدفة في هذه الدعوة بين 150000 دولار و800000 دولار لدعم الاستدامة المالية لمنظمات المجتمع المدني.
ويطالب التقرير قادة المجتمع الدولي بتوفير تمويل مرن ومستدام طويل الأجل، وحماية الحيز المدني، والاعتراف بالدور المحوري للمنظمات النسائية، باعتبارها ركيزة أساسية لترجمة المعاهدات الدولية إلى تغيير حقيقي على أرض الواقع.
