منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

تصاعد الوفيات داخل مراكز الاحتجاز السورية يثير تحذيرات حقوقية ودعوات للمحاسبة

16 مايو 2026
جندي في أحد السجون السورية
جندي في أحد السجون السورية

تشهد السجون ومراكز الاحتجاز التابعة للحكومة السورية الانتقالية تصاعداً مقلقاً في أعداد الوفيات داخل المعتقلات، وسط اتهامات متزايدة بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المحتجزين، في وقت تتواصل فيه التحذيرات الحقوقية من تدهور أوضاع حقوق الإنسان وغياب الرقابة القانونية الفاعلة على مراكز الاحتجاز في سوريا.

ووثق المرصد السوري لحقوق الإنسان، بحسب بيانات وتقارير نشرها منذ مطلع عام 2026، مقتل عشرة معتقلين داخل سجون ومراكز احتجاز تابعة للحكومة الانتقالية في حوادث متفرقة شهدتها محافظات سورية عدة، من بينها حمص وحلب ودير الزور والرقة والسويداء، في ظل اتهامات بتعرض عدد من الضحايا للتعذيب الجسدي والإهمال الصحي وسوء المعاملة خلال فترة اعتقالهم.

وتعيد هذه الوقائع إلى الواجهة ملف السجون السورية والانتهاكات المرتبطة بها، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار الاعتقالات التعسفية وغياب المحاكمات القانونية العادلة، فضلاً عن ضعف آليات المساءلة والرقابة القضائية على أماكن الاحتجاز.

اتهامات بالتعذيب والإهمال

وبحسب المعلومات التي أوردها المرصد السوري، تنوعت أسباب الاعتقال بين المشاركة في احتجاجات سلمية، واتهامات بالانتماء إلى جهات سياسية أو عسكرية، في حين أكدت مصادر حقوقية وأهلية أن عدداً من الضحايا تعرضوا لتعذيب شديد أدى إلى تدهور حالتهم الصحية قبل إعلان وفاتهم أو تسليم جثامينهم إلى ذويهم.

وفي واحدة من أبرز الحوادث التي أثارت جدلاً واسعاً داخل سوريا، توفي شاب من ريف حمص الغربي في الثامن من يناير الماضي، بعد نحو أسبوعين من اعتقاله على خلفية مشاركته في مظاهرات سلمية طالبت بوقف الانتهاكات بحق أبناء الطائفة العلوية، إضافة إلى مطالب سياسية أخرى.

وأكدت مصادر حقوقية أن الشاب تعرض لتعذيب جسدي وإهمال صحي خلال احتجازه، قبل أن يتم تسليم جثمانه إلى أحد مشافي مدينة حمص وإبلاغ عائلته بوفاته.

وفي حادثة أخرى وقعت نهاية يناير، تحدث المرصد عن مقتل أربعة أشخاص من سكان حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، تحت التعذيب داخل مراكز احتجاز تابعة للحكومة المؤقتة، وذلك عقب اعتقالهم خلال التوترات الأمنية التي شهدتها المنطقة في السادس والعشرين من الشهر نفسه.

حالات وفاة متكررة

وخلال الأشهر التالية، توالت الأنباء عن وفيات جديدة داخل السجون، حيث أفرجت قوات الأمن العام في الثلاثين من مارس عن جثمان الشاب فداء غسان غبرة، الذي كان قد اعتقل مع اثنين آخرين قرب قرية صماد المحاذية لبلدة ذيبين جنوب السويداء، قبل نقلهم إلى بصرى الشام في ريف درعا الشرقي.

ووفق المعلومات المتداولة، فإن أسباب اعتقال الشبان لم تكن واضحة، في حين أثارت ظروف وفاة غبرة تساؤلات واسعة في الأوساط المحلية والحقوقية حول طبيعة الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون داخل مراكز الاحتجاز.

وفي الثالث من أبريل، برزت قضية شاب من بلدة حطلة بريف دير الزور الشرقي ينتمي إلى الطائفة الشيعية، بعد إعلان وفاته داخل أحد مراكز الاحتجاز التابعة للحكومة الانتقالية.

وأفادت روايات رسمية بأن الشاب توفي نتيجة فشل كلوي عقب محاولة انتحار عبر تناول مادة سامة خلال احتجازه، غير أن مصادر أهلية اتهمت الجهات المشرفة على احتجازه بتعذيبه بشكل عنيف، ما تسبب بتدهور حالته الصحية وإصابته بفشل كلوي حاد قبل نقله إلى المستشفى ووفاته لاحقاً.

وأشار المرصد إلى أن الشاب كان قد اعتقل على خلفية اتهامات بالانتساب إلى إحدى الميليشيات الإيرانية خلال فترة سيطرة النظام السابق على المنطقة، من دون وجود معلومات مؤكدة حول طبيعة تلك الاتهامات أو مدى صحتها.

توسع دائرة الانتهاكات

وفي السابع من إبريل، توفي شاب من أبناء الطائفة العلوية داخل سجن البالونة في حمص، بعد نحو عام من اعتقاله، على خلفية مداهمة نفذتها قوى أمنية استهدفت تجمعاً لعائلات علوية في منطقة حوش العسس جنوب السعن الأسود بريف حمص.

كما شهدت محافظة دير الزور حادثة جديدة في الحادي والعشرين من أبريل، بعدما توفي شاب من بلدة الهرموشية داخل أحد سجون الأمن العام بمدينة دير الزور، بعد أيام من اعتقاله دون توجيه تهمة رسمية إليه.

وأكدت المعلومات أن عائلة الشاب تلقت لاحقاً خبر وفاته وتسلمت جثمانه، وسط غموض يحيط بملابسات احتجازه وظروف وفاته.

وفي مطلع مايو، وثق المرصد مقتل شاب من المكون الكردي في مدينة الرقة، بعد أقل من يومين على اعتقاله من منزله في حي الأكراد.

ووفقاً للمعلومات، فإن الشاب كان يعمل في تجارة السيارات وينحدر من مدينة عين العرب كوباني، قبل أن يتم اعتقاله من قبل دورية تابعة للأمن العام ونقله إلى مركز احتجاز، حيث توفي لاحقاً تحت التعذيب بحسب ما أكدته مصادر محلية وحقوقية.

دعوات للتحقيق والمحاسبة

وأثارت هذه الحوادث موجة من المطالبات الحقوقية بفتح تحقيقات مستقلة وشفافة في أوضاع السجون السورية، والكشف عن مصير المعتقلين وضمان محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

وجدد المرصد السوري لحقوق الإنسان دعواته إلى المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية للتحرك العاجل من أجل الضغط على السلطات المعنية لوقف الانتهاكات المستمرة داخل مراكز الاحتجاز.

وأكد المرصد أن ما يجري داخل السجون يعكس استمرار تعرض المعتقلين لأشكال متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي، إضافة إلى الإهمال الصحي المتعمد وحرمانهم من أبسط حقوقهم الإنسانية، في ظل غياب أي إجراءات فعلية للمساءلة أو المحاسبة القانونية.

وأشار إلى أن استمرار هذه الانتهاكات يهدد بتفاقم الأزمة الحقوقية في سوريا، ويقوض أي جهود مستقبلية لتحقيق الاستقرار أو بناء مؤسسات تحترم سيادة القانون وحقوق الإنسان.

مخاوف حقوقية متصاعدة

وتعكس التطورات الأخيرة حالة القلق المتزايدة لدى المنظمات الحقوقية المحلية والدولية من استمرار الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز السورية، خصوصاً في ظل المعلومات المتكررة حول التعذيب وسوء المعاملة وغياب الرقابة القضائية المستقلة.

يعد ملف المعتقلين والسجون من أبرز القضايا الحقوقية المرتبطة بالأزمة السورية منذ اندلاع الاحتجاجات عام 2011، حيث وثقت منظمات دولية ومحلية على مدى سنوات انتهاكات واسعة داخل مراكز الاحتجاز، شملت التعذيب والاختفاء القسري والإعدام خارج القانون وسوء المعاملة، وتتهم جهات حقوقية مختلف الأطراف المتصارعة في سوريا بارتكاب انتهاكات بحق المحتجزين، وسط صعوبات كبيرة تواجه عمليات التوثيق والوصول إلى أماكن الاحتجاز بسبب تعقيدات الوضع الأمني والسياسي. وتطالب الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان بشكل متكرر بالكشف عن مصير المعتقلين وضمان خضوع السجون لرقابة قضائية مستقلة، باعتبار أن معالجة هذا الملف تمثل خطوة أساسية نحو تحقيق العدالة والمصالحة في سوريا.