منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

سجن الجوية في دير الزور.. شهادات جديدة تكشف انتهاكات ممنهجة وابتزازاً مالياً داخل مراكز الاحتجاز

28 أبريل 2026
أهالي معتقلين ومختفين قسريا يحملون صور ذويهم
أهالي معتقلين ومختفين قسريا يحملون صور ذويهم

كشفت شهادات ميدانية حديثة لمعتقل سابق في قوات سوريا الديمقراطية عن ممارسات غير إنسانية داخل أحد مراكز الاحتجاز في مدينة دير الزور يقع في مبنى سابق تابع لفرع المخابرات الجوية، وتصف الشهادة التي نقلها المرصد السوري لحقوق الإنسان أنماطاً متعددة من الانتهاكات تشمل التعذيب وسوء المعاملة والضغط النفسي والابتزاز المالي، ولا تأتي هذه الشهادة في فراغ، بل تتقاطع مع تقارير حقوقية دولية وأممية توثق استمرار الانتهاكات في مراكز الاحتجاز السورية.

وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، سجل عام 2025 ما لا يقل عن 1108 حالات اعتقال تعسفي واحتجاز في مختلف مناطق سوريا، إضافة إلى مئات الحالات الشهرية المتكررة التي وثقت خلال العام نفسه، ما يعكس استمرار نمط الاعتقال خارج إطار القضاء أو المحاكمة العادلة، وتشير اللجنة الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن منظومة الاحتجاز في سوريا ما تزال تعاني من غياب الشفافية واستمرار خطر التعذيب وسوء المعاملة والاختفاء القسري.

طبيعة الانتهاكات 

تتحدث الشهادة التي نقلها المرصد السوري لحقوق الإنسان عن ممارسات تشمل الضرب المبرح والإهانات اللفظية والتهديد المباشر بالقتل، إضافة إلى استخدام أساليب ترهيب نفسي مثل إجبار المعتقلين على نطق عبارات دينية تحت تهديد السلاح، كما تشير إلى ممارسات أكثر قسوة مثل الإطفاء بالسجائر داخل أماكن الاحتجاز، وهي أساليب سبق أن وثقتها منظمات دولية مثل منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية في تقاريرها حول مراكز الاحتجاز في سوريا.

أبعاد طائفية وعرقية 

بحسب الشهادة نفسها، يجري استهداف معتقلين على خلفيات طائفية وعرقية، مع فرض دروس دينية قسرية على بعض المحتجزين من المكون الكردي، واتهامهم بالردة، إضافة إلى احتجاز أفراد من مكونات أخرى في زنازين منفصلة بناءً على خلفياتهم، وتشير تقارير لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة لعام 2025 إلى أن الانتهاكات ذات البعد الطائفي والتمييز القائم على الهوية ما يزالان من السمات المثيرة للقلق في سياق النزاع السوري المستمر.

الابتزاز المالي

تسلط الشهادة الضوء على وجود نظام اقتصادي غير رسمي داخل السجون، يقوم على فرض مبالغ مالية مقابل خدمات أساسية، وتشمل هذه الممارسات فرض ما يقارب خمسين دولاراً مقابل إجراء مكالمة هاتفية واحدة، ومبالغ مماثلة للحصول على احتياجات بسيطة، كما تشير إلى دفع عائلات لمبالغ وصلت إلى 2500 دولار مقابل وعود بالإفراج عن أبنائهم دون تنفيذ فعلي، وتؤكد منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها لعام 2025 أن الابتزاز المالي في مراكز الاحتجاز يمثل نمطاً متكرراً في عدة مناطق سورية ويشكل أحد أشكال الاستغلال المرتبط بانهيار آليات الرقابة.

المعتقلون والمختفون قسرياً

تشير الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها السنوي لعام 2025 إلى أن وتيرة الاعتقال التعسفي ما تزال مستمرة بوتيرة مرتفعة، حيث وثقت أكثر من 1100 حالة اعتقال واحتجاز تعسفي خلال العام ذاته في مختلف المناطق السورية، وتؤكد الشبكة أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى الموثق فقط؛ نظراً لصعوبة الوصول إلى العديد من مراكز الاحتجاز وغياب الشفافية.

كما توضح الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها التراكمي حول ملف الاعتقال منذ عام 2011 أن عدد المعتقلين والمختفين قسرياً يتجاوز 100 ألف شخص، بينهم آلاف الحالات التي لم يُعرف مصيرها حتى الآن، وتشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة من هؤلاء لا يزالون محتجزين في أماكن غير معلنة أو خارج أي إطار قضائي رسمي، ما يجعل ملف الاختفاء القسري أحد أكثر الملفات تعقيداً في النزاع السوري.

وفي السياق ذاته، أفادت اللجنة الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا في تقريرها الصادر خلال عام 2025 أن آلاف الأشخاص ما زالوا محتجزين في ظروف توصف بأنها غير إنسانية، داخل مراكز رسمية وأخرى غير رسمية، بعضها لا يخضع لأي رقابة دولية أو أممية، كما حذرت اللجنة من استمرار نمط الاحتجاز التعسفي بوصفه جزءاً من أزمة أوسع تتعلق بانهيار منظومة العدالة وضمانات المحاكمة العادلة.

البعد الإنساني للأزمة

يرتبط ملف الاعتقال في سوريا ارتباطاً وثيقاً بالأزمة الإنسانية العامة التي تعيشها البلاد، ووفقاً لتقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية لعام 2025، فإن أكثر من 16.7 مليون شخص داخل سوريا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وهو ما يمثل نحو 70 في المئة من السكان، في واحدة من أعلى النسب عالمياً.

ويشير التقرير نفسه إلى أن نحو 90 في المئة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، مع تدهور حاد في القدرة الشرائية وانعدام الأمن الغذائي في العديد من المناطق، وتنعكس هذه الأوضاع بشكل مباشر على عائلات المعتقلين والمختفين قسرياً التي تتحمل أعباءً مالية إضافية في سبيل البحث عن معلومات أو محاولة تأمين ظروف أفضل لأبنائها داخل مراكز الاحتجاز.

كما تؤكد المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن آلاف العائلات السورية تنفق جزءاً كبيراً من دخلها على النقل والوساطة القانونية أو دفع مبالغ غير رسمية للحصول على معلومات حول ذويها، في ظل غياب أي نظام رسمي شفاف لتتبع أوضاع المحتجزين.

التداعيات النفسية والاجتماعية

تشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2025 إلى أن آثار الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري في سوريا لا تقتصر على فترة الاحتجاز، بل تمتد إلى ما بعد الإفراج أو استمرار الغياب، لتشكل أزمة نفسية واجتماعية طويلة الأمد.

ووفقاً لدراسة تحليلية صادرة عن البرنامج، تعاني نسبة كبيرة من الناجين من الاعتقال من اضطرابات ما بعد الصدمة، تشمل القلق المزمن والاكتئاب واضطرابات النوم، إضافة إلى صعوبات في الاندماج الاجتماعي والاقتصادي، كما تؤكد الدراسة أن هذه الأعراض تتفاقم في غياب خدمات دعم نفسي متخصصة أو برامج إعادة تأهيل.

أما على مستوى العائلات، فتشير البيانات إلى أن غياب المعيل نتيجة الاعتقال أو الاختفاء يؤدي إلى تدهور مباشر في الاستقرار المعيشي، حيث تتحول العديد من الأسر إلى الاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية، كما يخلق غياب المعلومات حول مصير المعتقلين حالة مستمرة من القلق وعدم اليقين، تعرف في الأدبيات الحقوقية بمصطلح الغموض المؤلم، وهو ما يضاعف الأثر النفسي على المدى الطويل.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الأزمات المرتبطة بالنزاع في سوريا أسهمت في ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية في المجتمع، مع محدودية شديدة في توفر خدمات الصحة النفسية، حيث لا يتلقى سوى جزء محدود من المحتاجين أي نوع من العلاج أو الدعم.

الإطار القانوني الدولي

تنص اتفاقيات جنيف والقانون الدولي لحقوق الإنسان على حظر التعذيب والمعاملة القاسية والاعتقال التعسفي، كما يضمن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الحق في محاكمة عادلة والاحتجاز القانوني، وتؤكد المفوضية السامية لحقوق الإنسان أن استمرار هذه الممارسات في سوريا يشكل انتهاكاً جسيماً للالتزامات الدولية، ويستدعي آليات مساءلة فعالة.

ردود الفعل الحقوقية الدولية

دعت منظمة العفو الدولية إلى فتح تحقيقات مستقلة في جميع مراكز الاحتجاز في سوريا وضمان وصول مراقبين دوليين، كما طالبت منظمة هيومن رايتس ووتش بإغلاق مراكز الاحتجاز غير القانونية ومحاسبة المسؤولين عن التعذيب، وأكدت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة أن الإفلات من العقاب ما يزال أحد أبرز المعوقات أمام تحسين أوضاع حقوق الإنسان في البلاد.

لا يمكن فصل ما يجري في دير الزور عن السياق السوري العام، إذ تشير تقارير حقوقية حديثة إلى أن أنماط الاعتقال التعسفي والاحتجاز وسوء المعاملة ما تزال منتشرة في عدة مناطق سورية، مع اختلاف الجهات المسيطرة، وتوثق الشبكة السورية لحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية استمرار هذه الانتهاكات في مناطق متعددة خلال عام 2025، رغم تغير الخريطة السياسية والعسكرية.

منذ اندلاع النزاع في سوريا عام 2011، أصبح ملف الاعتقال أحد أبرز ملفات الانتهاكات الحقوقية، وقد وثقت منظمات دولية مثل الأمم المتحدة وهيومن رايتس ووتش والشبكة السورية لحقوق الإنسان عشرات الآلاف من حالات الاعتقال والاختفاء القسري، ومع استمرار النزاع، تحولت مراكز الاحتجاز إلى ملف مركزي في أي نقاش حول العدالة الانتقالية والمصالحة المستقبلية.

تكشف المعطيات والشهادات والتقارير الحقوقية أن ملف الاحتجاز في سوريا، ومنه ما يرد عن سجن الجوية في دير الزور، لا يقتصر على حالات فردية، بل يعكس بنية أوسع من التحديات المرتبطة بغياب الرقابة والمساءلة، وبينما تتعدد الروايات والشهادات، تبقى الحاجة قائمة إلى تحقيقات مستقلة وشاملة تضمن توثيق الحقيقة وتحديد المسؤوليات ضمن إطار القانون الدولي وحقوق الإنسان.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية