منذ سنوات، يشكل ملف النساء والأطفال المشتبه في ارتباطهم بتنظيم “داعش” أحد أعقد ملفات ما بعد الحرب في سوريا، ففي شمال شرق البلاد، وخصوصًا في مخيمي الهول وروج، بقيت عائلات كاملة في حالة احتجاز فعلي أو شبه احتجاز، بعد انهيار “الخلافة” المعلنة للتنظيم في مارس 2019.
ومع مرور الوقت، لم يعد السؤال مقتصرًا على الأمن ومحاربة التطرف، بل اتسع ليشمل حقوق الطفل، والاحتجاز التعسفي، والحق في الجنسية، وواجب الدول في استعادة رعاياها، ومصير آلاف النساء والأطفال الذين يعيشون في بيئة مغلقة ومضطربة.
وحتى منتصف 2025، كانت التقديرات الدولية تشير إلى أن أكثر من 30 ألف شخص بقوا في الهول وروج ومراكز احتجاز مرتبطة بهما، بينهم نحو 8,500 أجنبي من أكثر من 60 دولة، ومعظمهم من النساء والأطفال.
هذا الرقم ورد في المؤتمر الدولي رفيع المستوى حول إعادة الأشخاص من الهول والمخيمات المحيطة وأماكن الاحتجاز، الذي استضافته الأمم المتحدة في 2025.
انخفاض أعداد المحتجزين
في يناير 2026، قالت منظمة إنقاذ الطفل Save the Children ، إن عدد المقيمين في الهول وروج انخفض إلى نحو 30 ألف شخص، لكن المخيمين ما زالا يضمان نحو 20 ألف طفل، كثير منهم لا يعرفون وطنًا غير الخيام والأسلاك والحراسة.
وأضافت المنظمة أن من بين هؤلاء 8,500 أجنبي من نحو 60 دولة، فيما تظل الغالبية الساحقة من القاطنين نساءً وأطفالًا.
أما اليونيسف فقالت في مارس 2025 إن نحو 10 آلاف طفل وأمهاتهم كانوا لا يزالون محتجزين في المخيمات ومراكز الاحتجاز في شمال شرق سوريا، مؤكدة أنهم يأتون من أكثر من 60 بلدًا ويعيشون في ظروف قاسية مع محدودية شديدة في التعليم والرعاية والخدمات الأساسية.
تركيبة السكان في هذه المواقع شديدة التعقيد، فهناك نساء وأطفال سوريون ونساء وأطفال عراقيون ورعايا أجانب من أوروبا وآسيا الوسطى وشمال إفريقيا ودول أخرى.
وغالبًا ما يكون الأطفال هم الفئة الأوسع عددًا والأكثر هشاشة، حيث إن كثير منهم وُلدوا داخل مناطق سيطرة التنظيم أو داخل المخيمات لاحقًا، وبعضهم لا يحمل أوراقًا ثبوتية واضحة، ما يجعلهم عرضة لدوامة من انعدام الجنسية، والحرمان من التعليم، وانهيار الرعاية الأسرية، والوصم الأمني الجماعي.
لماذا ازداد الغموض؟
مطلع 2026 غيّر المشهد جذريًا، فمع تجدد المواجهات والتوترات في شمال شرق سوريا، دخل ملف المخيمات مرحلة أكثر اضطرابًا.
وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش في فبراير 2026، إن إغلاق مخيم الهول وما رافقه من نقل غير منظم للسكان ترك نحو 8,500 شخص، معظمهم من النساء والأطفال الأجانب، في وضع شديد الغموض.
وأشارت المنظمة إلى أن الإعلان عن الإغلاق أعقب تغيرات ميدانية وسياسية واسعة، ما جعل وضع المحتجزين أكثر هشاشة.
كما قالت منظمة أطباء بلا حدود في 27 فبراير 2026 إن إغلاق الهول بشكل مفاجئ وغير منسق عرّض آلاف الأشخاص، بينهم أطفال ومرضى مزمنون، لمخاطر مضاعفة، خصوصًا بسبب انقطاع الرعاية الصحية والمياه والخدمات الأساسية أثناء النقل والتشتيت.
وفي حين تشير تقارير حديثة إلى أن مخيم روج بقي قائمًا داخل مناطق لا تزال تحت سيطرة الإدارة الذاتية الكردية، فإن الهول دخل في مسار تفكيك أو إغلاق، مع نقل قاطنيه إلى مواقع أخرى أو توزيعهم داخل مناطق متعددة، وهو ما جعل العائلات الأجنبية، ومنها الفرنسية، تعيش حالة انتظار مضاعفة: لا عودة مؤكدة إلى الوطن، ولا وضع قانوني مستقر داخل سوريا.
مطالبات الأكراد بالترحيل
الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا طالبت مرارًا الدول الأجنبية بإعادة رعاياها، معتبرة أن المخيمات لا يمكن أن تبقى إلى ما لا نهاية حلًا بديلًا عن المسؤولية القانونية والسياسية للدول.
هذا الموقف لا يستند فقط إلى العبء الأمني، بل أيضًا إلى العبء الإداري والإنساني: المخيمات تحتاج إلى حراسة، وتمويل، ورعاية صحية، وتعليم، وآليات حماية، وكل ذلك في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية واقتصادية.
ومن هنا، فإن مطلب “الترحيل والعودة إلى الوطن الأم” لا يُقدَّم فقط باعتباره مطلبًا إنسانيًا، بل أيضًا باعتباره الخيار الأكثر توافقًا مع القانون الدولي.
مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، والمقررة الخاصة المعنية بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب، شددتا على أن الإعادة العاجلة والمنظمة إلى البلدان الأصلية هي الاستجابة الأكثر امتثالًا للقانون الدولي في ظل الأوضاع اللاإنسانية داخل المخيمات.
ماذا تقول المنظمات الحقوقية؟
الموقف الحقوقي الدولي بات أكثر وضوحًا خلال السنوات الأخيرة، ولا تنكر المنظمات الأممية والحقوقية التعقيد الأمني، لكنها تعتبر أن استمرار إبقاء النساء والأطفال في هذه المخيمات لفترات مفتوحة ومن دون مسار قضائي أو حماية كافية يرقى إلى انتهاكات خطيرة.
ووصفت منظمة هيومن رايتس ووتش المخيمات مرارًا بأنها أماكن احتجاز تعسفي للفئات الأشد هشاشة، ودعت إلى إعادة جميع الأجانب، وخاصة الأطفال، إلى بلدانهم الأصلية.
كما شددت المؤسسات الأوروبية على أن الدول الأعضاء مطالبة بإعادة رعاياها، لا سيما الأطفال، مع إخضاع البالغين للمحاسبة القانونية العادلة وتوفير مسارات تأهيل وإدماج.
وفي نوفمبر 2025، قالت المفوضية السامية لحقوق الإنسان إن الدول يجب أن تعيد رعاياها من الهول، بمن فيهم النساء، لحمايتهم من مزيد من الانتهاكات، مشيرة إلى أن الوضع لا يمكن تركه معلقًا تحت ذريعة التعقيد السياسي.
الأطفال في قلب الأزمة
الجانب الأشد قسوة في هذا الملف هو أن معظم المقيمين المتبقين أطفال، هؤلاء لا يواجهون فقط خطر الفقر والبرد وسوء التغذية والمرض، بل أيضًا خطر النشأة في بيئة احتجاز وعنف ووصم دائم.
وقالت منظمة إنقاذ الطفل Save the Children، إن مصير نحو 20 ألف طفل في شمال شرق سوريا أصبح أكثر غموضًا مع التدهور الأمني في يناير 2026، محذرة من أن هؤلاء الأطفال يدفعون ثمن أفعال لم يرتكبوها.
كما تؤكد اليونيسف أن الأطفال في هذه المخيمات محرومون من كثير من الخدمات الأساسية، وهي التعليم المنتظم، الرعاية الصحية الكافية، الملابس والتدفئة، الأمان النفسي، لمّ الشمل الأسري والحماية القانونية الواضحة.
ضغط حقوقي على فرنسا
فرنسا كانت من أكثر الدول الأوروبية تعرضًا للضغط الحقوقي بسبب ملف رعاياها في شمال شرق سوريا، وعلى مدى سنوات، واجهت باريس انتقادات لبطء عمليات الإعادة، قبل أن تسرّعها تدريجيًا.
وفي 16 سبتمبر 2025 أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية تنفيذ عملية جديدة أعادت 10 أطفال و3 نساء فرنسيات من مخيمات شمال شرق سوريا.
وأوضحت الوزارة أن الأطفال سُلّموا إلى أجهزة الرعاية الاجتماعية، فيما أُحيلت النساء إلى السلطات القضائية المختصة.
ورغم هذه العملية، فإن الملف الفرنسي لم يُغلق بالكامل، لأن السؤال لم يعد فقط: كم عدد من عادوا؟ بل أيضًا: ماذا سيحدث لمن بقوا؟ خصوصًا مع التبدلات الجديدة في شمال شرق سوريا ومع إعادة رسم العلاقة بين الإدارة الجديدة في دمشق والقوى الكردية المحلية.
أمن أم حقوق؟
كثير من الحكومات الغربية دافعت طويلًا عن التردد في إعادة النساء والبالغين بحجة الأمن القومي، لكن الاتجاه الدولي الحقوقي بات يرد على ذلك بأن الإبقاء على العائلات في المخيمات لا يحل المشكلة الأمنية، بل يجمّدها ويزيدها تعقيدًا.
فالمخيمات نفسها تحولت خلال السنوات الماضية إلى بيئات عنف وتطرّف وخوف وابتزاز، بما يجعل الأطفال ينشَؤون داخل دائرة مغلقة من الإقصاء والوصم، وهو ما قد يفاقم المخاطر بدل احتوائها.
