منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان

زواج الأطفال يحاصر ملايين الفتيات.. الأمم المتحدة تدعو لتحرك عاجل لإنهاء الزواج المبكر

12 يونيو 2026
زواج الصغيرات أزمة دولية تحتاج لتحرك عاجل
زواج الصغيرات أزمة دولية تحتاج لتحرك عاجل

حذر تقرير جديد لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان من استمرار انتشار ظاهرة زواج الأطفال والزواج المبكر والزواج القسري في مختلف أنحاء العالم، مؤكداً أن التقدم المحرز في مكافحة هذه الممارسات الضارة لا يزال بطيئاً وغير كافٍ لتحقيق الأهداف الدولية الرامية إلى القضاء عليها خلال السنوات المقبلة.

وأشار التقرير، الذي يُعرض أمام الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمنعقدة خلال الفترة من 15 يونيو إلى 10 يوليو، إلى مجموعة من المبادئ التوجيهية والتوصيات العملية التي تستهدف دعم الدول في تطوير التشريعات والسياسات والبرامج الكفيلة بمنع زواج الأطفال والزواج المبكر والزواج القسري والقضاء عليها، استناداً إلى نهج قائم على حقوق الإنسان.

ويؤكد التقرير أن زواج الأطفال لا يزال يشكل أحد أبرز انتهاكات حقوق الإنسان التي تطال الفتيات والنساء حول العالم، حيث يُعرّف بأنه أي زواج يكون أحد طرفيه دون سن الثامنة عشرة.

ويشمل مفهوم الزواج المبكر الحالات التي قد يكون فيها الطرفان قد بلغا السن القانونية، لكنهما يفتقران إلى النضج الجسدي أو النفسي أو الاجتماعي الذي يسمح باتخاذ قرار حر ومستنير بشأن الزواج.

أما الزواج القسري، وفق التقرير، فهو أي زواج يتم دون موافقة حرة وكاملة من أحد الطرفين أو كليهما، أو عندما يكون أحدهما غير قادر على إنهاء العلاقة الزوجية أو الانسحاب منها بسبب الضغوط أو التهديد أو الإكراه الاجتماعي أو الأسري. وبذلك يُعد زواج الأطفال والزواج المبكر من أبرز أشكال الزواج القسري.

ووفقاً للبيانات التي استعرضها التقرير، تتزوج نحو 12 مليون فتاة سنوياً قبل بلوغ سن الثامنة عشرة، في حين تشير التقديرات إلى أن نحو 650 مليون امرأة وفتاة على قيد الحياة اليوم تزوجن قبل بلوغ هذه السن.

وتتركز النسبة الكبرى من الفتيات المتزوجات في جنوب آسيا، تليها منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ثم شرق آسيا والمحيط الهادئ.

ورغم تراجع معدلات زواج الأطفال خلال العقود الأخيرة، فإن التقرير يحذر من أن وتيرة الانخفاض الحالية غير كافية لتحقيق الهدف العالمي بالقضاء على هذه الظاهرة بحلول عام 2030.

وتشير التقديرات إلى أنه إذا استمرت المعدلات الحالية على حالها، فقد يحتاج العالم إلى نحو 300 عام إضافية للقضاء الكامل على زواج الأطفال.

وفي سياق متصل، يلفت التقرير إلى أن الزواج القسري لا يزال يمثل أزمة عالمية واسعة النطاق، إذ يعيش نحو 22 مليون شخص حالياً في أوضاع زواج قسري، بزيادة ملحوظة مقارنة بعام 2016، في حين تشكل النساء والفتيات أكثر من ثلثي الضحايا.

ويرى التقرير أن زواج الأطفال والزواج المبكر والزواج القسري تمثل جميعها انتهاكات جسيمة لحقوق الفتيات والنساء، وتقوض قدرتهن على التمتع الكامل بحقوقهن الأساسية، ومنها الحق في التعليم والصحة والحماية والمشاركة المجتمعية والاستقلال الاقتصادي.

ويسلط الضوء على التداعيات الصحية الخطيرة لهذه الممارسات، موضحاً أن الحمل المبكر والولادة في سن صغيرة يرتبطان بارتفاع معدلات المضاعفات الصحية والوفيات بين الأمهات المراهقات، فضلاً عن زيادة المخاطر الصحية التي يتعرض لها الأطفال المولودون لأمهات صغيرات السن.

ويؤكد التقرير أن الفتيات المتزوجات مبكراً غالباً ما يُحرمن من استكمال تعليمهن، ما يحد من فرصهن الاقتصادية ويكرس دوائر الفقر وعدم المساواة. كما يضعف الزواج المبكر قدرة الفتيات على اتخاذ قرارات تتعلق بحياتهن الجنسية والإنجابية، ويزيد من تعرضهن للعنف والاستغلال والانتهاكات المختلفة.

ويشير التقرير إلى أن كثيراً من الفتيات والنساء اللواتي خضعن لزواج مبكر أو قسري يعشن أوضاعاً تشبه العبودية أو الممارسات الشبيهة بها، ومنها الاستغلال الجنسي والعمل القسري والاتجار بالبشر، كما تتعرض بعض الفتيات للعنف المنزلي والحرمان من التعليم والرعاية الصحية وحرية الحركة واتخاذ القرار.

ويولي التقرير اهتماماً خاصاً بتأثير الأزمات الإنسانية والنزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية على انتشار الظاهرة، موضحاً أن معدلات زواج الأطفال والزواج القسري ترتفع بشكل ملحوظ خلال فترات النزوح والحروب وانهيار الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية.

وفي مثل هذه الظروف، تلجأ بعض الأسر إلى تزويج بناتها في سن مبكرة اعتقاداً بأن الزواج يوفر لهن الحماية أو يقلل الأعباء الاقتصادية الواقعة على الأسرة، إلا أن التقرير يشدد على أن هذه الممارسة غالباً ما تؤدي إلى تعريض الفتيات لمزيد من المخاطر والانتهاكات بدلاً من حمايتهن.

ويربط التقرير بين الأزمات الاقتصادية وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع معدلات زواج الأطفال، خاصة في المجتمعات الفقيرة والمتأثرة بالنزاعات، حيث قد يُنظر إلى الزواج باعتباره وسيلة للتخفيف من الضغوط المعيشية.

وانطلاقاً من ذلك، يدعو التقرير إلى اعتماد نهج شامل قائم على حقوق الإنسان لمواجهة الظاهرة، من خلال معالجة الأسباب الجذرية المرتبطة بالفقر وعدم المساواة بين الجنسين والتمييز الاجتماعي والأعراف الثقافية السلبية التي تكرس زواج الأطفال.

ويشدد على ضرورة تمكين الفتيات والنساء وتعزيز مشاركتهن في صنع القرار، وضمان حصولهن على التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية وفرص التمكين الاقتصادي، باعتبارها عوامل أساسية للوقاية من الزواج المبكر والقسري.

ومن بين أبرز التوصيات التي تضمنها التقرير، وضع أطر قانونية وطنية تتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وتجريم الزواج القسري بشكل واضح، وتحديد سن الزواج القانونية عند 18 عاماً لكلا الجنسين دون استثناءات.

ودعا إلى إلغاء جميع القوانين أو الممارسات التي تسمح بزواج الأطفال أو تبرره أو تتسامح معه، وتعزيز آليات تسجيل المواليد وعقود الزواج لضمان الحماية القانونية للأطفال والفتيات.

وأكد التقرير أهمية توفير سبل الانتصاف والدعم للناجيات من الزواج القسري والمبكر، بما يشمل المساعدة القانونية والدعم النفسي والاجتماعي والخدمات الصحية وإمكانية الوصول إلى العدالة.

وفي الجانب المؤسسي، أوصى التقرير بتطوير استراتيجيات وطنية متعددة القطاعات تشمل وزارات العدل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، مع تعزيز التنسيق بين المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والوكالات الدولية.

وشدد على أهمية تدريب القضاة وأفراد إنفاذ القانون والعاملين في القطاعات الصحية والاجتماعية والتعليمية على التعرف إلى حالات الزواج القسري والمبكر والاستجابة لها بما يراعي حقوق الضحايا واحتياجاتهم.

واستعرض التقرير عدداً من التجارب الدولية التي شهدت إصلاحات تشريعية مهمة خلال السنوات الأخيرة، من بينها كولومبيا وسيراليون وأستراليا وهولندا والفلبين وأوزبكستان، حيث جرى رفع سن الزواج القانونية أو تشديد العقوبات على الزواج القسري أو اعتماد استراتيجيات وطنية لمكافحة الظاهرة.

وفي ختام التقرير، أكدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن القضاء على زواج الأطفال والزواج المبكر والزواج القسري يتطلب التزاماً سياسياً طويل الأمد واستثمارات كافية في التعليم والحماية الاجتماعية وتمكين الفتيات، مشددة على أن هذه الممارسات ليست مجرد قضايا اجتماعية أو ثقافية، بل انتهاكات خطِرة لحقوق الإنسان تستوجب تحركاً عاجلاً ومنسقاً على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.