منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

رغم القوانين والحملات.. زواج القاصرات في بنغلاديش الأعلى بقارة آسيا

17 أبريل 2026
بنغلادش تسجل أعلى معدل لزواج القاصرات في قارة آسيا
بنغلادش تسجل أعلى معدل لزواج القاصرات في قارة آسيا

لا تزال بنغلاديش تسجل أعلى معدل لزواج القاصرات في قارة آسيا، في واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا على تقاطع حقوق الطفل وحقوق النساء والفقر والسياسات العامة، فبرغم وجود حد أدنى قانوني للزواج يبلغ 18 عامًا للإناث و21 عامًا للذكور.

ورغم الحملات الحكومية والدولية المتواصلة، ما زالت الظاهرة متجذرة على نطاق واسع، وتضغط على حياة ملايين الفتيات عبر حرمانهن من التعليم والصحة والاستقلال والاختيار الحر.

وتفيد منظمة الأمم المتحدة للأطفال “اليونيسف”، بأن بنغلاديش تضم اليوم 43.4 مليون فتاة وامرأة تزوجن قبل سن 18، منهن 23.4 مليون قبل سن 15، ما يضع البلاد ضمن أعلى عشر دول عالميًا من حيث انتشار الظاهرة.

كما يوضح ملف اليونيسف القطري لعام 2024 أن 51% من الشابات بين 20 و24 عامًا كُنّ قد تزوجن قبل بلوغ 18 عامًا، و17% قبل سن 15.

تراجع بطيء وغير كافٍ

ورغم هذا الثقل التاريخي، تُظهر البيانات الأحدث أن هناك تراجعًا بطيئًا لكنه غير كافٍ، فصندوق الأمم المتحدة للسكان قال في 2025 إن النسبة الحالية تبلغ 47% من الفتيات بين 18 و24 عامًا ممن تزوجن قبل بلوغ 18 عامًا.

لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن وتيرة التراجع لا تزال شديدة البطء؛ إذ إن الانخفاض السنوي لا يتجاوز نحو 2.1%، ما يعني أن القضاء على الظاهرة قد يستغرق 215 عامًا إذا استمر المسار الحالي.

كما أكد الصندوق، في حوار حكومي رفيع المستوى عُقد في دكا في أكتوبر 2025، أن الظاهرة لا تزال تمس واحدة من كل فتاتين تقريبًا في بنغلاديش.

هذا الفارق بين رقم 51% ورقم 47% يعكس اختلافات في مصادر القياس والفئات العمرية وتوقيت جمع البيانات، لكنه لا يغير جوهر الصورة: التراجع موجود، لكنه أبطأ بكثير من المطلوب.

تداخل عدة أسباب

تجمع المنظمات الدولية على أن زواج القاصرات في بنغلاديش ليس نتيجة سبب واحد، بل حصيلة تداخل الفقر، وعدم المساواة بين الجنسين، وضعف التعليم، والضغوط الاجتماعية، والخوف من العنف والتحرش، والهشاشة المناخية والكوارث.

وتقول اليونيسف إن البلاد لا تزال تواجه “فقرًا متجذرًا، وأعرافًا اجتماعية ضارة، وصدمات مناخية” تهدد التقدم المحرز.

وفي 2024، أثّر إعصار ريمال والفيضانات اللاحقة على 4.6 مليون شخص، وتسببت في خسائر قُدرت بنحو 600 مليون دولار، وهو ما رفع الاحتياجات الإنسانية وزاد من تعرض المراهقات خصوصًا لمخاطر الزواج المبكر والعنف القائم على النوع الاجتماعي بوصفهما استراتيجيات أسرية سلبية للتكيف مع الفقر والخوف وانعدام الأمان.

ويضيف صندوق الأمم المتحدة للسكان أن العبء يقع بصورة أكبر على الفتيات غير المتعلمات، وسكان الريف، والأسر الأفقر، كما يربط الصندوق الظاهرة بالحمل المبكر والعنف الزوجي، مشيرًا إلى أن زواج القاصرات يقود كثيرًا إلى حمل المراهقات، الذي يمثل أحد الأسباب الرئيسية لوفاة الفتيات الأكبر سنًا في سن المراهقة بسبب مضاعفات الحمل والولادة.

ويشير أيضًا إلى أن 62% من الفتيات المتزوجات في سن المراهقة أفدن بتعرضهن لعنف من الشريك في 2024، بما يكشف أن الزواج المبكر ليس فقط انتزاعًا للطفولة، بل مدخلًا إلى أنماط أخرى من الانتهاك داخل الحياة الزوجية نفسها.

قانون موجود ومشكلة مستمرة

قانونيًا، تبدو الصورة واضحة على الورق. فقانون تقييد زواج الأطفال لعام 2017 يعرّف “القاصر” في سياق الزواج بأنه من لم يكمل 21 عامًا إذا كان ذكرًا و18 عامًا إذا كانت أنثى، وينص على إنشاء لجان لمنع زواج الأطفال على المستويات الوطنية والمحلية، إلى جانب صلاحيات لجهات تنفيذية مختلفة لمنع الزواج المبكر والتدخل عند الاشتباه به، وهذا يعني أن بنغلاديش لا تفتقر إلى حد أدنى قانوني أو إلى أدوات مؤسساتية من حيث المبدأ.

لكن المنظمات الحقوقية والوكالات الأممية تقول إن المعضلة الأساسية ليست فقط في وجود القانون، بل في الثغرات والاستثناءات وضعف التنفيذ، فصندوق الأمم المتحدة للسكان أشار صراحة في أكتوبر 2025 إلى الحاجة إلى إصلاح قانون تقييد زواج الأطفال لسد الثغرات القانونية، كما دعت الحكومة في الحوار نفسه إلى رقمنة تسجيل الزواج للحد من التلاعب بالأعمار.

وهذه الإشارات تعكس اعترافًا رسميًا ضمنيًا بأن القانون الحالي، رغم أهميته، لا يكفي وحده لمنع الممارسة على الأرض. كما أن منظمات حقوقية محلية ودولية انتقدت منذ سنوات بند “الظروف الخاصة” الذي يسمح باستثناءات، معتبرة أنه يفتح الباب أمام إساءة الاستخدام وتقنين بعض الزيجات المبكرة بدل ردعها.

التزام معلن وتسارع مطلوب

الحكومة البنغلاديشية لا تنكر خطورة المشكلة، بل تؤكد رسميًا أنها لا تزال تحديًا وطنيًا كبيرًا، ففي الحوار الحكومي الرفيع في أكتوبر 2025، قالت الأمانة العامة لوزارة شؤون المرأة والطفل إن الحكومة “حازمة في التزامها بإنهاء هذه الممارسة من خلال عمل منسق ومتعدد الجوانب”.

بينما اتفقت الوزارات المعنية على حزمة إجراءات تشمل الإصلاح القانوني، وتعزيز أنظمة التسجيل، ودمج الوقاية من الزواج المبكر في التخطيط الوطني، ومتابعة التنفيذ على مستوى الأقاليم والمقاطعات.

كما تستند الدولة إلى خطة العمل الوطنية لإنهاء زواج الأطفال 2018-2030، التي تهدف إلى خفض الظاهرة تدريجيًا وصولًا إلى القضاء عليها بحلول 2041.

وتقول اليونيسف إن البرنامج العالمي المشترك مع صندوق الأمم المتحدة للسكان يساند الحكومة في إصلاح الإطار القانوني، وتطوير نظم الرصد والمتابعة، وتوسيع التنفيذ في المناطق الأكثر تضررًا، بما في ذلك دعم وزارة شؤون المرأة والطفل ووزارة العدل في مراجعة قانون الزواج وتسجيله.

وبذلك، فإن الخط الرسمي في بنغلاديش لا يفتقر إلى الإقرار بالمشكلة أو إلى الخطط، لكن السؤال يبقى في السرعة والصرامة والموارد والتنفيذ المحلي، لا في الإعلانات وحدها.

الطفولة ليست مجالًا للمساومة

المنظور الحقوقي الدولي أكثر حدة في توصيف الظاهرة، فاليونيسف تعتبر زواج الأطفال انتهاكًا أساسيًا لحقوق الطفل والإنسان، لأنه يحرم الفتيات من التعليم والصحة والاختيار والمشاركة، ويعرضهن للحمل المبكر والعنف والفقر طويل الأمد.

كما تؤكد أن الفتاة “التي تبقى في المدرسة” قد تظل مهددة إذا لم تتوافر لها حماية قانونية قوية وفرص ومهارات ودعم مجتمعي.

أما هيومن رايتس ووتش فترى أن استمرار زواج الأطفال في بنغلاديش، رغم الحد الأدنى القانوني للسن، يعكس فجوة عميقة بين النص والواقع، وأن أي استثناءات أو تساهل قانوني ينسف وعود الدولة بحماية الفتيات.

وترى المنظمات الحقوقية أن المعالجة الجدية تتطلب سد الثغرات القانونية، وتوسيع التعليم الثانوي، ودعم الأسر اقتصاديًا، ومواجهة الأعراف الاجتماعية، ومنع تزوير الأعمار والزيجات غير المسجلة.