واجه برنامج الوجبات المجانية في إندونيسيا الذي أُطلق لمكافحة سوء التغذية والتقزم بين الأطفال أزمة متصاعدة أعادت إلى الواجهة أسئلة تتعلق بحق الأطفال في الغذاء الآمن وفعالية برامج الحماية الاجتماعية، بعدما تزامنت مزاعم فساد واسعة النطاق مع آلاف حالات التسمم الغذائي بين المستفيدين.
اعتقل المحققون الإندونيسيون مسؤولين كباراً في الهيئة الحكومية المشرفة على برنامج الوجبات المجانية البالغة قيمته 15 مليار دولار، في خطوة زادت الضغوط على المشروع الذي يمثل السياسة الاجتماعية الأبرز للرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو، وفقاً لما أوردته صحيفة “فايننشيال تايمز”.
اتهمت النيابة العامة الرئيس السابق للوكالة الوطنية للتغذية، دادان هيندايانا، واثنين من نوابه بالفساد، بعد يوم واحد من إقالتهم من مناصبهم.
أكد الرئيس برابوو سوبيانتو أنه لا يريد أن تُسرق أموال الشعب، مشدداً على أن أي تجاوزات لن تلقى استثناءات، ومعلناً ثقته في قدرة البرنامج على الاستمرار وتحقيق أهدافه.
أثار فتح التحقيقات الجنائية تساؤلات بشأن قدرة الدولة على إدارة برامج الرعاية الاجتماعية واسعة النطاق، في وقت تتراجع فيه ثقة المستثمرين ورجال الأعمال في الاقتصاد الإندونيسي، بحسب الصحيفة البريطانية.
أطلق الرئيس برابوو البرنامج في يناير 2025 بهدف معالجة سوء التغذية والتقزم المنتشرين على نطاق واسع بين الأطفال، وهما مشكلتان تؤثران بصورة مباشرة في النمو والصحة.
استهدف البرنامج، عند اكتمال تنفيذه، توفير وجبات يومية لنحو 82 مليون طالب وطالبة وامرأة حامل، في حين يصل حالياً إلى نحو 62 مليون شخص يومياً بعد الاستعانة بالجنود وأفراد الشرطة لإنشاء المطابخ وتوزيع الوجبات في مختلف أنحاء الأرخبيل.
أعطت الحكومة أولوية كبيرة للمشروع إلى درجة خفض مخصصات وزارتي التعليم والبنية التحتية للإسهام في تمويله.
سلامة الغذاء
شابت عملية تنفيذ البرنامج مشكلات متزايدة أثارت مخاوف تتعلق بسلامة الغذاء المقدم للأطفال وجودته الغذائية.
أفادت شبكة مراقبة التعليم في إندونيسيا (JPPI)، بأن عدد المستفيدين الذين تعرضوا للتسمم الغذائي بلغ 37270 شخصاً حتى مايو الماضي، وكان معظمهم من الأطفال.
وردت كذلك شكاوى بشأن تقديم أطعمة غير مطهية بصورة كافية ومشروبات مرتفعة المحتوى السكري للأطفال، الأمر الذي أثار انتقادات بشأن مدى التزام البرنامج بالمعايير الغذائية المطلوبة.
اعتبرت مؤسسة ورئيسة مركز مبادرات التنمية الاستراتيجية في إندونيسيا، ديا ساتياني سامينارسيه، أن البرنامج نُفذ بسرعة كبيرة وعلى نطاق واسع دون تخطيط وإشراف مناسبين.
شددت ديا ساتياني سامينارسيه على أن ما تحتاجه إندونيسيا لا يقتصر على تغيير القيادات، بل يشمل إعادة النظر في طريقة تصميم البرنامج وتنفيذه وتفعيله، معتبرة أن ذلك يمثل المدخل الأساسي لمعالجة المشكلات الحالية.
خفضت الحكومة الميزانية السنوية للبرنامج إلى 15 مليار دولار بعد أن كانت الخطة الأصلية تقضي بتخصيص 28 مليار دولار، بسبب الضغوط الواقعة على المالية العامة جراء ارتفاع أسعار النفط.
زاد هذا الخفض من المخاوف بشأن قدرة الجهات المنفذة على توفير غذاء عالي الجودة، خاصة مع تحديد سقف للوجبة الواحدة يبلغ 10 آلاف روبية، أي نحو 0.55 دولار.
حذرت ديا ساتياني سامينارسيه من أن تكرار حوادث التسمم الغذائي قد يؤدي إلى تراجع المعايير المطلوبة، بحيث يصبح التركيز على كون الطعام غير سام فقط، بدلاً من أن يكون غذاءً صحياً ومغذياً يحقق الاحتياجات الغذائية للأطفال.
كشف أحد المعلمين في مدرسة حكومية بالعاصمة جاكرتا، لـ” فايننشيال تايمز”، أن الأطفال لا يفضلون بعض الوجبات المجانية بسبب محدودية التنوع، وأن جزءاً من الطعام يبقى دون استهلاك.
أوضح المعلم أن المدرسة تضطر أحياناً إلى توزيع الطعام المتبقي على سكان الحي، في حين يتحمل المعلمون أعباءً إضافية مرتبطة بالتعامل مع الوجبات غير المستهلكة.
دعا المنسق الوطني لمنظمة JPPI، عبيد متراجي، إلى إعادة تقييم شاملة للبرنامج وتعزيز الرقابة عليه، مؤكداً ضرورة توجيه الوجبات المجانية إلى المناطق التي ترتفع فيها معدلات الفقر والتقزم.
توسع تحقيقات الفساد
كشفت شبكة الأخبار الآسيوية “آسيا نيوز” تفاصيل أوسع بشأن التحقيقات الجارية، موضحة أن مكتب المدعي العام وجه تهم فساد إلى الرئيس السابق للوكالة الوطنية للتغذية دادان هيندايانا ونائبيه السابقين لودويك بوسونغ وسوني سونجايا.
أعلن مدير التحقيقات في الجرائم الاستثنائية، شريف سليمان نهدي، أن المحققين احتجزوا المسؤولين الثلاثة بعد العثور على أدلة اعتبروها كافية للمضي في القضية.
أوضح نهدي أن التحقيقات أظهرت موافقة الوكالة على اعتماد مؤسسات مرتبطة بمسؤولين داخلها بوصفهم شركاء في البرنامج، عبر إجراءات تحقق اعتُبرت متلاعباً بها رغم عدم استيفاء تلك الجهات لشروط الأهلية.
وأشار إلى أن المؤسسات المعتمدة حصلت على حوافز بمليارات الروبيات يومياً، مضيفاً أن المسؤولين السابقين يُشتبه أيضاً في تدخلهم بعمليات الشراء وصياغة خطط العمل بما لا يعكس الاحتياجات التشغيلية الفعلية للبرنامج.
شملت المشتريات محل الشبهات أكثر من 20 ألف دراجة نارية كهربائية بقيمة تقارب تريليون روبية، إضافة إلى 32 ألف زوج من الأحذية و31 ألف جهاز لوحي و5400 جهاز تلفزيون بقياس 75 بوصة، وهي مشتريات اعتبرها المحققون غير ضرورية وتم شراؤها بأسعار مبالغ فيها، بحسب “آسيا نيوز”.
وأكد نهدي أن هذه الممارسات تسببت في خسائر مالية للدولة وهدر في الكفاءة وأثرت في تنفيذ البرنامج، في حين لا تزال قيمة الخسائر النهائية قيد التقدير.
نفذ المحققون عمليات تفتيش في عدة مواقع، منها مقر الوكالة الوطنية للتغذية في جاكرتا، وصادروا وثائق وأجهزة إلكترونية اعتُبرت ذات صلة بالقضية.
أوضح وزير الدولة، براسيتيو هادي، أن قرار إقالة المسؤولين الثلاثة جاء بعد تقييم لأداء الوكالة كشف مشكلات تتعلق بالانضباط في تطبيق الحوكمة والحفاظ على معايير جودة الغذاء.
الشفافية والمساءلة
قدمت هيئة مراقبة مكافحة الفساد في إندونيسيا (ICW) شكوى إلى لجنة مكافحة الفساد بشأن مزاعم تتعلق بالتلاعب في تكاليف البرنامج الذي خُصص له 268 تريليون روبية من ميزانية الدولة لهذا العام، بحسب ما أوردته آسيا نيوز.
رصدت الهيئة، خلال متابعة تنفيذ البرنامج بين نوفمبر 2025 ويناير، مزاعم تتعلق برفع أسعار مكونات غذائية مثل الدجاج والخضراوات بما يتراوح بين ألفي و5 آلاف روبية للكيلوغرام الواحد.
أشارت الهيئة إلى أن هذه الممارسات أفضت إلى تكاليف إضافية تصل إلى نحو 27 مليون روبية شهرياً لكل مطبخ.
طالبت هيئة مراقبة مكافحة الفساد بتوسيع التحقيقات لتشمل جميع المخالفات المحتملة المرتبطة بتعيين الشركاء وشراء السلع والخدمات، وعدم الاكتفاء بالقيادات السابقة للوكالة.
دعت الهيئة كذلك إلى الكشف عن العقود والوثائق والمعلومات المتعلقة بتنفيذ البرنامج، مؤكدة أهمية الشفافية في الرقابة العامة ومنع تكرار التجاوزات.
تعهدت رئيسة الوكالة الوطنية للتغذية، نانيك سودارياتي ديانغ، باتخاذ إجراءات عاجلة تشمل وقف إنشاء مطابخ جديدة مؤقتاً وإعطاء الأولوية لتوفير الوجبات في المناطق النائية.
أكدت نانيك سودارياتي ديانغ أن التركيز الحالي ينصب على جعل البرنامج أكثر فعالية ودقة في الاستهداف وتحقيق أكبر فائدة للمجتمع.
أعربت تيكا، وهي والدة طفل يبلغ من العمر 12 عاماً يتلقى وجبات مجانية في مدرسة حكومية قرب جاكرتا، عن ترحيبها بالبرنامج مع استمرار قلقها من مزاعم الفساد وحوادث التسمم الغذائي، وفق “فايننشيال تايمز”.
قالت تيكا إنها طلبت من طفلها شم الطعام وتذوق جزء صغير منه قبل تناول الوجبة كاملة للتأكد من عدم فساده، مضيفة أن البرنامج مفيد بالفعل لبعض الأطفال، لكنها تشعر بالحزن عندما ترى أخباراً تتحدث عن مسؤولين أو مشغلين للمطابخ لا يستحقون ثقة الناس.
