منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

من المصانع للمزارع.. العمالة المهاجرة تتحول إلى ملف حقوقي ضاغط في كوريا الجنوبية

06 يونيو 2026
جانب من العمالة الأجنبية في كوريا الجنوبية
جانب من العمالة الأجنبية في كوريا الجنوبية

لم يكن قرار وزارة العدل الكورية الجنوبية إنشاء فريق خاص لحماية العمال الأجانب مجرد إجراء إداري عابر، بل جاء بعد تصاعد غير مسبوق في التقارير الحقوقية وحوادث العنف والانتهاكات التي تعرض لها عمال مهاجرون في المصانع والمزارع وورش العمل، في وقت أصبحت فيه كوريا الجنوبية تعتمد بصورة متزايدة على العمالة الأجنبية لمواجهة أزمة الشيخوخة السكانية ونقص اليد العاملة.

وأعلنت وزارة العدل الكورية الجنوبية مطلع يونيو 2026 تشكيل فريق متخصص داخل دائرة الهجرة لمنع انتهاكات حقوق الإنسان ضد العمال الأجانب، وتقديم الدعم القانوني والاستشارات والتحقيق في الانتهاكات الميدانية، إضافة إلى إنشاء نظام استجابة سريعة للحوادث الخطيرة، وذكرت وكالة يونهاب الكورية أن القرار جاء بعد حوادث اعتداء أثارت غضبا واسعا، بينها استخدام مسدس هوائي ضد عامل مهاجر، واعتداءات موثقة داخل مصنع نسيج في مدينة إنتشون غرب سيئول.

وتعكس هذه التطورات تحولا عميقا داخل المجتمع الكوري الجنوبي، الذي بات يواجه معادلة معقدة تجمع بين الحاجة الاقتصادية المتزايدة إلى العمالة الأجنبية من جهة، وتصاعد الضغوط الحقوقية المتعلقة بحماية هؤلاء العمال من الاستغلال والعنف والتمييز من جهة أخرى.

اعتماد متزايد على العمالة الأجنبية

تشير البيانات الرسمية إلى أن كوريا الجنوبية تسجل أكبر حضور للعمالة الأجنبية في تاريخها الحديث، ووفقا لصحيفة كوريا جونغ أنغ ديلي الكورية، تجاوز عدد العمال الأجانب في البلاد 1.1 مليون عامل خلال عام 2025، بينما بلغ إجمالي المقيمين الأجانب ممن تزيد أعمارهم على 15 عاما نحو 1.69 مليون شخص، بزيادة 8.4 بالمئة مقارنة بالعام السابق، وتشير البيانات إلى أن العمالة الأجنبية أصبحت تمثل عنصرا أساسيا في قطاعات التصنيع والزراعة والبناء والخدمات.

ويعمل نحو 44.9 بالمئة من العمال الأجانب في قطاعي التصنيع والتعدين، بينما يعمل 20.4 بالمئة في التجارة والفنادق والخدمات الغذائية، إضافة إلى آلاف العمال في المزارع والصيد البحري والمصانع الصغيرة والمتوسطة التي تعاني من عزوف العمال الكوريين عن الوظائف الشاقة منخفضة الأجور.

وتقول وزارة العمل الكورية إن البلاد تخطط سنويا لاستقدام عشرات الآلاف من العمال ضمن نظام تصاريح العمل المعروف باسم “إي-9″، الذي يسمح للشركات باستقدام عمالة منخفضة المهارة من الخارج، وذكرت صحيفة سيئول الكورية أن الحكومة كانت تستهدف إدخال 130 ألف عامل أجنبي جديد خلال عام 2025 ضمن نظام “إي-9″، في محاولة لتعويض النقص الحاد في العمالة.

لكن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد ترافق مع تصاعد انتقادات حقوقية تتعلق بظروف العمل والمعيشة والانتهاكات التي يتعرض لها العمال المهاجرون.

حوادث عنف صادمة

خلال العامين الأخيرين، شهدت كوريا الجنوبية سلسلة من الحوادث التي سلطت الضوء على هشاشة أوضاع العمال الأجانب.

وفي مايو 2026، أعلنت وزارة العدل الكورية أنها رصدت 84 انتهاكا لحقوق العمال الموسميين الأجانب داخل 61 موقع عمل في ثماني مدن ومقاطعات، بعد عمليات تفتيش ميدانية شملت ظروف العمل والسكن، وذكرت وكالة يونهاب أن أبرز الانتهاكات تمثلت في تأخر دفع الأجور، والعنف اللفظي، وسوء ظروف الإقامة، واستخدام مساكن غير صالحة للسكن مثل الحاويات المعدنية، إضافة إلى غياب إجراءات السلامة والوقاية من الحرائق.

كما أثارت حادثة عامل سريلانكي في مدينة ناجو صدمة واسعة داخل كوريا الجنوبية وخارجها، بعدما انتشر مقطع فيديو يظهر ربط العامل بحمولة ورفعه بواسطة رافعة شوكية داخل مصنع للطوب، وذكرت صحيفة كوريا جونغ أنغ ديلي أن الحادثة أعادت الجدل حول هشاشة نظام حماية العمال المهاجرين وصعوبة انتقالهم إلى وظائف أخرى في حال تعرضهم للاستغلال أو العنف.

وفي حادثة أخرى، فتحت السلطات تحقيقا بعد تعرض عامل بنغلادشي للضرب داخل مصنع نسيج في مدينة إنتشون، بينما أعلنت الحكومة توفير دعم قانوني ومأوى للضحايا.

وتقول منظمات دعم العمال المهاجرين إن كثيرا من العمال يترددون في الإبلاغ عن الانتهاكات بسبب الخوف من فقدان وظائفهم أو ترحيلهم أو إلغاء تصاريح إقامتهم.

نظام “إي-9” تحت الانتقاد

يمثل نظام تصاريح العمل “إي-9” أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في قضية العمالة الأجنبية داخل كوريا الجنوبية، ويسمح النظام للشركات الكورية التي تعاني من نقص العمالة باستقدام عمال منخفضي المهارات من دول آسيوية وإفريقية، لكنه يفرض في المقابل قيودا على قدرة العامل على تغيير جهة العمل.

وتقول منظمات حقوقية إن هذا النظام يمنح أصحاب العمل نفوذا واسعا على العمال الأجانب، ويجعلهم أكثر عرضة للاستغلال.

وذكرت صحيفة كوريا جونغ أنغ ديلي أن الدعوات تتزايد لإصلاح قواعد تغيير الوظائف، بعدما كشفت حوادث العنف الأخيرة أن بعض العمال يواصلون العمل في بيئات مسيئة خوفا من فقدان إقامتهم القانونية.

كما أظهرت تقارير صادرة عن شبكات حقوق العمال المهاجرين في كوريا أن كثيرا من العمال يتجنبون تقديم شكاوى رسمية بسبب خشيتهم من الترحيل أو صعوبة العثور على وظائف جديدة خلال المهلة القانونية المحددة.

وفي سبتمبر 2025، رحّبت اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في كوريا الجنوبية بتعديل قانوني يعفي العمال المهاجرين الذين يتعرضون لسرقة الأجور من خطر الإبلاغ عنهم لسلطات الهجرة، معتبرة أن الخطوة تمثل استجابة لتوصيات الأمم المتحدة المتعلقة بحماية العمال الأجانب.

انتهاكات واسعة في مواقع العمل

كشفت تحقيقات حكومية حديثة عن حجم أوسع من الانتهاكات داخل أماكن العمل التي توظف عمالاً أجانب.

ووفقا لصحيفة كوريا تايمز، أظهرت عمليات تفتيش أجرتها وزارة العمل الكورية خلال عام 2025 وجود 846 مخالفة داخل 182 موقع عمل من أصل 196 موقعاً خضع للتفتيش، أي أن 93 بالمئة من المواقع التي تمت مراجعتها سجلت انتهاكات تتعلق بالأجور أو ساعات العمل أو السلامة المهنية أو التمييز ضد العمال الأجانب.

وشملت الانتهاكات العمل لساعات طويلة، وغياب معدات السلامة، والتأخر في دفع الأجور، وسوء المعاملة اللفظية والجسدية، إضافة إلى ظروف إقامة وصفت بأنها “غير إنسانية” في بعض المواقع الزراعية والصناعية.

كما تواجه العاملات المهاجرات تحديات إضافية تتعلق بالتحرش والاستغلال وضعف الوصول إلى الحماية القانونية، خصوصاً في القطاعات الزراعية والخدمية والأعمال المنزلية.

أزمة ديموغرافية تدفع نحو العمالة المهاجرة

ترتبط أزمة العمالة الأجنبية في كوريا الجنوبية بتحولات ديموغرافية عميقة تشهدها البلاد، فكوريا الجنوبية تسجل واحدا من أدنى معدلات الخصوبة في العالم، بينما يتسارع معدل الشيخوخة السكانية بصورة غير مسبوقة، ما تسبب في نقص حاد في العمالة داخل قطاعات الإنتاج والزراعة والبناء والرعاية الصحية.

وتقول تقارير حكومية إن الاقتصاد الكوري بات يعتمد بصورة متزايدة على العمال المهاجرين للحفاظ على استمرارية قطاعات حيوية، خاصة في المناطق الريفية والصناعية التي تعاني من نقص اليد العاملة المحلية.

لكن منظمات حقوق الإنسان ترى أن توسع الاعتماد على العمالة الأجنبية لم يترافق بالسرعة نفسها مع تطوير منظومة الحماية القانونية والاجتماعية للعمال المهاجرين.

مواقف المنظمات الدولية

أكدت منظمة العمل الدولية في تقاريرها المتعلقة بالعمال المهاجرين أن الدول مطالبة بضمان المساواة في ظروف العمل والأجور والحماية الاجتماعية ومنع جميع أشكال العمل القسري والاستغلال والتمييز ضد العمال الأجانب، كما شددت المنظمة على ضرورة تمكين العمال المهاجرين من الوصول إلى العدالة وتغيير وظائفهم دون تهديد بفقدان الإقامة القانونية.

وتنص الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم التابعة للأمم المتحدة على حق العمال الأجانب في الحماية من العنف وسوء المعاملة والاستغلال الاقتصادي، إضافة إلى ضمان ظروف عمل لائقة ورعاية صحية وسكن مناسب.

كما دعت لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري كوريا الجنوبية إلى اتخاذ خطوات إضافية لمكافحة التمييز ضد العمال الأجانب وتحسين ظروف العمل والمعيشة لهم، خاصة في القطاعات منخفضة الأجور.

تحديات الاندماج والعنصرية

لا تقتصر معاناة العمال الأجانب على بيئة العمل فقط، بل تمتد إلى تحديات اجتماعية وثقافية أوسع، وتشير دراسات اجتماعية كورية إلى أن كثيرا من العمال المهاجرين يواجهون صعوبات لغوية وثقافية تعرقل اندماجهم داخل المجتمع الكوري، بينما يتعرض بعضهم لخطابات تمييز أو معاملة دونية بسبب أصولهم الأجنبية.

كما تقول منظمات دعم المهاجرين إن العمال الأجانب غالبا ما يعيشون في عزلة اجتماعية داخل مساكن جماعية قرب المصانع أو المزارع، بعيدا عن الخدمات الصحية والنفسية والدعم القانوني الكافي.

مستقبل العمالة المهاجرة في كوريا

يرى خبراء في منظمة العمل الدولية وهيومن رايتس ووتش واللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في كوريا الجنوبية أن البلاد تواجه تحديا في التوفيق بين حاجتها المتزايدة للعمالة الأجنبية وبين ضمان حماية حقوقهم في بيئة العمل، فمع تجاوز عدد العمال الأجانب مليون عامل للمرة الأولى في تاريخ البلاد، لم يعد ملف العمالة المهاجرة قضية هامشية أو مؤقتة، بل تحول إلى جزء أساسي من مستقبل الاقتصاد والمجتمع الكوري.

وبينما تؤكد الحكومة أن الفريق الجديد لحماية العمال الأجانب يمثل بداية مرحلة جديدة من الرقابة والحماية، ترى منظمات حقوق الإنسان أن نجاح هذه الجهود سيعتمد على قدرة السلطات على إصلاح القوانين المثيرة للجدل، وتعزيز الرقابة على أماكن العمل، وضمان معاملة العمال الأجانب باعتبارهم أصحاب حقوق كاملة، وليس مجرد قوة عمل مؤقتة تسد النقص في سوق العمل.

Picture of عاطف عبد المولى
عاطف عبد المولى
صحفي متخصص في الشئون العربية والدولية