منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

الحق في الصحة تحت وطأة النزاعات.. المستشفيات ضحية أخرى للحروب

12 يونيو 2026
منظمة الصحة العالمية
منظمة الصحة العالمية

لا يُقاس أثر الحروب بعدد الضحايا الذين يسقطون تحت القصف أو على خطوط المواجهة فقط، بل أيضاً بما تتركه من فراغ في الأماكن التي يفترض أن تحمي الحياة، فعندما تتعطل المستشفيات أو تُستنزف قدراتها أو تصبح هي نفسها جزءاً من ساحة الصراع، يتحول العلاج من خدمة أساسية إلى مورد نادر، ويجد ملايين المدنيين أنفسهم أمام معركة يومية من أجل الحصول على الرعاية الصحية.

وتُظهر تجارب أوكرانيا وقطاع غزة كيف يمكن للنزاعات الممتدة أن تضرب الأنظمة الصحية في صميمها، رغم اختلاف السياقات العسكرية والسياسية.

وفي الحالتين، تكشف الأرقام عن واقع مشترك يتمثل في تضرر المرافق الطبية وتعطل الخدمات الأساسية وتزايد صعوبات الوصول إلى العلاج، بما يضع الحق في الصحة أمام اختبار حقيقي في أوقات النزاع.

الحرب تُرهق النظام الصحي

أدت الحرب في أوكرانيا إلى ضغوط غير مسبوقة على القطاع الصحي، ما أثار مخاوف متزايدة بشأن قدرة المدنيين على التمتع بحقهم في الصحة والحصول على الرعاية الطبية الأساسية.

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تم التحقق من أكثر من 3000 هجوم على مرافق وخدمات الرعاية الصحية منذ بدء الغزو واسع النطاق عام 2022، شملت مستشفيات وعيادات وسيارات إسعاف ومستودعات أدوية. كما وثقت المنظمة 2881 هجوماً حتى نهاية عام 2025.

وأدى ذلك إلى تعطيل الخدمات الطبية وتعريض المرضى والعاملين الصحيين للخطر، في حين أفاد 59 بالمئة من سكان المناطق القريبة من خطوط المواجهة بأن حالتهم الصحية سيئة أو سيئة جداً، مقارنة بـ47 بالمئة في المناطق الأخرى.

ولا تقتصر تداعيات النزاع على تضرر البنية التحتية الصحية، بل تمتد إلى الصحة النفسية والاحتياجات الإنسانية المتزايدة للسكان، خاصة الأطفال والنازحين وذوي الإعاقة وكبار السن.

وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن 72 بالمئة من الأوكرانيين الذين شملهم استطلاع حديث عانوا من القلق أو الاكتئاب خلال العام الماضي، في حين لم يطلب المساعدة سوى شخص واحد من كل خمسة، كما أفاد 80 بالمئة من السكان بوجود صعوبات في الحصول على الأدوية التي يحتاجونها.

مستشفيات في قلب الأزمة

في قطاع غزة، أفرزت الحرب المستمرة واحدة من أكثر الأزمات الصحية تعقيداً في العالم، وبحسب منظمة الصحة العالمية، تعرض ما لا يقل عن 94 بالمئة من مستشفيات القطاع لأضرار أو دمار بدرجات متفاوتة، في حين لم يبق سوى 19 مستشفى تعمل بشكل جزئي أو محدود من أصل 36 مستشفى كانت تقدم خدماتها قبل الحرب.

ووثقت المنظمة ما يقرب من 700 هجوم على مرافق الرعاية الصحية منذ أكتوبر 2023، الأمر الذي أدى إلى تعطيل خدمات حيوية تشمل جراحات القلب والأعصاب وعلاج السرطان.

وتواجه المستشفيات العاملة ضغوطاً هائلة، إذ لا يتوفر سوى نحو ألفي سرير لخدمة أكثر من مليوني شخص، في وقت تعاني فيه المرافق الصحية من نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود اللازم لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وأسهم النزوح الجماعي والاكتظاظ ونقص المياه النظيفة في زيادة مخاطر انتشار الأمراض المعدية، في حين تعمل الطواقم الطبية في ظروف استثنائية لتقديم الرعاية للجرحى والمرضى.

تجربتان مختلفتان ونتيجة واحدة

ورغم اختلاف طبيعة النزاعين في أوكرانيا وغزة، فإن التجربتين تكشفان حقيقة مشتركة مفادها أن انهيار الخدمات الصحية لا يبقى محصوراً داخل جدران المستشفيات، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله.

وعندما تتعطل برامج التطعيم أو تنقطع الأدوية أو تتراجع خدمات الرعاية الأولية، تتسع دائرة التأثير لتشمل الأمراض المزمنة والصحة النفسية وصحة الأطفال والنساء وكبار السن.

وبذلك يصبح تضرر القطاع الصحي أحد أكثر الآثار طويلة الأمد للنزاعات المسلحة، حتى بعد تراجع العمليات العسكرية.

أزمة صحية مركبة

أكدت منظمة الصحة العالمية، في تصريح خاص لمنصة «صفر»، أن النزاعات المسلحة تقوض بصورة كبيرة جاهزية الأنظمة الصحية وقدرتها على الاستجابة لفاشيات الأمراض، نتيجة ما تسببه من تدمير للبنية التحتية الصحية وتعطيل للخدمات الأساسية وإضعاف سلاسل الإمداد والتمويل.

وأوضحت المنظمة أن النزوح الجماعي وتضرر شبكات المياه والطاقة والصرف الصحي يرفعان من احتمالات انتشار الأمراض المعدية في الوقت الذي تتراجع فيه قدرة الأنظمة الصحية على الاستجابة السريعة والفعالة.

وأضافت أن العديد من الأنظمة الصحية في إقليم شرق المتوسط تعمل تحت ضغوط هائلة بسبب النزاعات الممتدة، حيث تعرضت مستشفيات ومراكز رعاية صحية أولية لأضرار جسيمة أو أُجبرت على الإغلاق، في حين أثرت الانقطاعات المتكررة في إمدادات الأدوية واللقاحات والمستلزمات الطبية على برامج التطعيم والترصد الوبائي والاستجابة للطوارئ.

الحق في الصحة

تكفل المواثيق الدولية، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية.

ويفرض القانون الدولي الإنساني حماية المرافق الصحية والعاملين في القطاع الطبي والمرضى والبنية التحتية المدنية الحيوية أثناء النزاعات المسلحة.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الهجمات على المنشآت الصحية أو القيود المفروضة على الوصول إلى العلاج أو عرقلة المساعدات الإنسانية قد تؤدي إلى انتهاكات خطيرة لهذه الالتزامات، خاصة عندما تحرم الفئات الأكثر هشاشة من الخدمات الأساسية.

وتشمل هذه الفئات النازحين والنساء والأطفال وكبار السن والأشخاص الذين يعانون أمراضاً مزمنة، وهم الأكثر تضرراً من انهيار الأنظمة الصحية أثناء النزاعات.

ماذا يبقى بعد تعطل المستشفى؟

تكشف التجارب الحديثة أن المستشفيات ليست مجرد مبانٍ تقدم العلاج، بل تمثل إحدى ركائز الحماية الإنسانية أثناء الأزمات.

وعندما تتعطل هذه المنظومة، تتجاوز الخسارة حدود القطاع الصحي لتطول الأمن الإنساني والاستقرار الاجتماعي ومستقبل المجتمعات المتأثرة بالنزاع.

ومن هنا، لا تقتصر حماية الرعاية الصحية على الالتزام القانوني فحسب، بل تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على الكرامة الإنسانية والحق في الحياة.

وكلما تراجعت قدرة المدنيين على الوصول إلى العلاج، اتسعت كلفة الحرب لتشمل ضحايا لا تُسجل أسماؤهم دائماً في إحصاءات المعارك، لكنهم يدفعون ثمنها يومياً في المستشفيات المدمرة أو على أبوابها.