في الذكرى العشرين لاعتماد اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، تؤكد الأمم المتحدة أن العالم حقق تقدماً قانونياً ومؤسسياً مهماً، لكن الفجوة بين النصوص والواقع ما تزال واسعة، خصوصاً في التعليم والعمل والحماية والمشاركة السياسية والوصول إلى الخدمات أثناء الأزمات.
بعد عقدين على اعتماد اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، يعود السؤال الحقوقي الأكثر إلحاحاً إلى الواجهة: هل نجح العالم في تحويل الاعتراف القانوني إلى حياة أكثر عدلاً وإنصافاً لملايين الأشخاص ذوي الإعاقة؟
الإجابة الأممية تبدو مزدوجة؛ فهناك تقدم واضح في التصديق على الاتفاقية وتوسيع القوانين الوطنية وتعزيز حضور حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في الخطاب الدولي، لكن هذا التقدم ما يزال بطيئاً وغير كافٍ، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتنفيذ الفعلي داخل المدارس، وأسواق العمل، وأنظمة العدالة، والخدمات الصحية، ومراكز القرار.
وجاء هذا النقاش في افتتاح الدورة التاسعة عشرة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة المنعقدة في مقر الأمم المتحدة بنيويورك من 9 إلى 11 يونيو 2026، تحت شعار: “اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بعد 20 عاماً: الاحتفاء بالإنجازات وتعزيزها، وصياغة المرحلة الآتية من التنفيذ في عالم متغير”.
تحول حقوقي
أكد الأمين العام للأمم المتحدة أن اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أحدثت تحولاً جوهرياً في النظرة إلى الإعاقة، إذ نقلت العالم من التعامل معها باعتبارها قضية طبية أو خيرية، إلى الاعتراف بها بوصفها قضية حقوق إنسان كاملة.
هذا التحول لم يكن رمزياً فقط، بل أعاد تعريف علاقة الأشخاص ذوي الإعاقة بالدولة والمجتمع. فلم يعد المطلوب توفير الرعاية وحدها، بل ضمان الاستقلالية، والمشاركة، وإزالة الحواجز، وتمكين الأفراد من اتخاذ قراراتهم بأنفسهم.
وانعكس هذا التحول على الأطر الدولية اللاحقة، ومنها أهداف التنمية المستدامة التي جعلت إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة جزءاً من قياس التنمية العادلة والشاملة.
إنجازات قانونية
أشاد الأمين العام بما تحقق منذ اعتماد الاتفاقية عام 2006، إذ صادقت عليها 192 دولة ومنظمة إقليمية واحدة، وبات لدى أكثر من 90% من الدول قوانين تكفل حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.
ويحظر نحو 80% من الدول التمييز ضد الأشخاص ذوي الإعاقة في التوظيف، في حين أقر نحو 75% من الدول قوانين تضمن دمج الطلاب ذوي الإعاقة في التعليم.
هذه الأرقام تعكس انتقالاً مهماً من مرحلة الاعتراف الدولي إلى مرحلة بناء الأطر القانونية الوطنية، فقد أصبح الحق في التعليم والعمل وعدم التمييز أكثر حضوراً في التشريعات والسياسات العامة.
لكن وجود القوانين لا يعني بالضرورة وصول الحقوق إلى أصحابها، فالتحدي الأكبر لم يعد في صياغة النصوص، بل في ضمان تنفيذها، وتمويلها، ومراقبة أثرها، ومحاسبة الجهات التي تفشل في تطبيقها.
فجوة التنفيذ
رغم التقدم القانوني، حذر الأمين العام من أن مؤشرات أهداف التنمية المستدامة الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة ليست على المسار الصحيح تقريباً في جميع المجالات.
وتعني هذه الفجوة أن ملايين الأشخاص ذوي الإعاقة ما زالوا يواجهون صعوبات في الوصول إلى التعليم الدامج، والعمل اللائق، والرعاية الصحية، والخدمات العامة، والتكنولوجيا، والعدالة.
وتتسع الفجوة أكثر في الدول المتأثرة بالنزاعات والكوارث وتغير المناخ وارتفاع تكاليف المعيشة، ففي هذه الأزمات، يكون الأشخاص ذوو الإعاقة غالباً من بين الأكثر تعرضاً لفقدان العمل، والخدمات، والحماية، وحتى الحياة.
ولهذا يصبح قياس التقدم الحقيقي مرتبطاً ليس فقط بعدد الدول التي صدقت على الاتفاقية، بل بمدى قدرة الأشخاص ذوي الإعاقة على العيش باستقلالية وكرامة داخل مجتمعاتهم.
الاعتراف بالأشخاص ذوي الإعاقة
استحضرت مييون كيم، رئيسة لجنة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، اللحظة التاريخية لاعتماد الاتفاقية، معتبرة أنها أعادت تعريف الكرامة الإنسانية من خلال الاعتراف بالأشخاص ذوي الإعاقة بوصفهم أصحاب حقوق وقادة وصناع قرار.
وشددت كيم على أن المشاركة والتشاور والانخراط الفعال للأشخاص ذوي الإعاقة في صنع القرار العام لم تعد مسألة اختيارية، بل مبدأ أساسي في تنفيذ الاتفاقية.
وأكدت أن إقصاء الأشخاص ذوي الإعاقة من الحياة العامة، سواء عبر الإيداع في المؤسسات أو الفصل أو العزل، لم يعد ممارسة مقبولة حقوقياً.
وتعكس هذه الرسالة جوهر الشعار التاريخي لحركة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة: “لا شيء يخصنا بدوننا”. فكل سياسة أو قانون أو برنامج لا يشارك الأشخاص ذوو الإعاقة في صياغته يظل ناقصاً، حتى لو رفع شعار الإدماج.
الأهلية القانونية
ركزت المقررة الخاصة المعنية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، الدكتورة هبة هجرس، على أحد أكثر التحولات الحقوقية أهمية: الاعتراف بالأهلية القانونية للأشخاص ذوي الإعاقة.
وخلال السنوات الماضية، بدأت دول عدة في الانتقال من أنظمة اتخاذ القرار بالنيابة عن الأشخاص ذوي الإعاقة إلى أطر تدعمهم في اتخاذ قراراتهم بأنفسهم.
هذا التحول يمس جوهر الاستقلالية والكرامة؛ لأن من لا يملك حق اتخاذ القرار بشأن حياته لا يستطيع أن يشارك فعلياً في التعليم والعمل والصحة والأسرة والسياسة.
وحذرت هجرس من أن غياب الأهلية القانونية يجعل المشاركة الحقيقية مستحيلة، وأن الإصلاحات القانونية قد تبقى مجرد نصوص نظرية إذا لم تقترن بآليات دعم وتمكين ومشاركة فعلية.
العنف والحماية
من أكثر الأرقام إثارة للقلق ما أشار إليه الأمين العام بشأن تعرض ثلث الأطفال ذوي الإعاقة للإهمال أو العنف العاطفي أو الجسدي أو الجنسي.
هذا الرقم يكشف أن الأطفال ذوي الإعاقة لا يواجهون فقط حواجز الوصول إلى التعليم والرعاية، بل يواجهون كذلك مخاطر عليا من العنف والإساءة والاستغلال.
ودعا الأمين العام إلى تطوير آليات فضلى للكشف عن الاستغلال والإبلاغ عنه، وضمان إتاحة أنظمة العدالة للجميع، ومنها توفير الترتيبات التيسيرية والدعم المناسب أثناء إجراءات الشكاوى والتحقيق والمحاكمة.
فالحماية لا تتحقق بمجرد وجود قوانين عامة، بل تحتاج إلى مؤسسات قادرة على استقبال البلاغات، وفهم احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، ومنع الإفلات من العقاب.
دعم ذوي الإعاقة
ربط الأمين العام بين الحقوق وأنظمة الدعم اليومية، داعياً إلى التوسع في خدمات التأهيل، والإسكان الميسر، والتكنولوجيا المساعدة، ووسائل النقل الملائمة.
فالاستقلالية لا تتحقق بالشعارات فقط. يحتاج الأشخاص ذوو الإعاقة إلى بيئة مادية ورقمية وخدمية تزيل الحواجز أمامهم، وتسمح لهم بالتنقل، والتعلم، والعمل، والمشاركة.
وأشار إلى أن أعباء الرعاية غير مدفوعة الأجر تقع بشكل غير متناسب على النساء والفتيات، ومنهن ذوات الإعاقة. وهذا يجعل قضية الإعاقة مرتبطة أيضاً بالمساواة بين الجنسين والعدالة الاجتماعية.
ومن دون أنظمة دعم عادلة وممولة، تتحول الأسرة إلى البديل الوحيد عن الدولة، وتتحمل النساء والفتيات غالباً العبء الأكبر.
المشاركة السياسية
أكد الأمين العام أن الأشخاص ذوي الإعاقة لا يزالون ممثلين تمثيلاً ناقصاً في الحياة السياسية، وأن كثيرين منهم يواجهون عقبات عند التصويت في الانتخابات.
وهذه العقبات لا تقتصر على عدم إتاحة مراكز الاقتراع، بل تشمل نقص المعلومات الميسرة، وغياب الترتيبات الداعمة، والتمييز، والنظرة النمطية التي تشكك في قدرة الأشخاص ذوي الإعاقة على المشاركة السياسية.
وتؤكد الاتفاقية أن المشاركة السياسية والمدنية حق أصيل، لا يمكن فصله عن باقي الحقوق، فمن لا يستطيع التصويت أو الترشح أو التعبير عن رأيه بحرية، يظل خارج دائرة التأثير في القرارات التي تحدد مستقبله.
أزمات يواجهها ذوو الإعاقة
حذر الأمين العام من أن الأشخاص ذوي الإعاقة يتأثرون بشكل غير متناسب بالأزمات العالمية، مثل النزاعات، والكوارث، وتغير المناخ، وارتفاع تكاليف المعيشة.
ففي الحروب والكوارث، قد يكون الأشخاص ذوو الإعاقة آخر من تصل إليهم المعلومات أو المساعدات، وأول من يفقدون الخدمات أو فرص العمل أو وسائل الدعم.
كما أن خطط الطوارئ غير الدامجة قد تؤدي إلى تركهم خلف الركب، سواء بسبب غياب وسائل نقل ملائمة، أو عدم إتاحة مراكز الإيواء، أو نقص الخدمات الصحية والتأهيلية.
ولهذا فإن إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في الاستجابة الإنسانية لم يعد مطلباً إضافياً، بل شرط أساسي لحماية الحق في الحياة والكرامة.
وتكشف الذكرى العشرون لاتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة أن العالم قطع شوطاً مهماً في الاعتراف، لكنه لم ينجز بعد معركة التنفيذ.
فالحقوق لا تتحقق بمجرد التصديق على الاتفاقيات، ولا تتحول إلى واقع بمجرد إدراجها في القوانين. إنها تحتاج إلى تمويل، ومؤسسات، ومشاركة، وبيانات، ومساءلة، وتغيير عميق في طريقة فهم الإعاقة داخل المجتمع.
