منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

في تحليل أجرته صحيفة “الغارديان”

تجاهل المعتقلين والنشطاء.. الصين تستفيد من تراجع الخطاب الحقوقي الأمريكي

16 مايو 2026

كشف الغياب شبه الكامل لقضايا حقوق الإنسان من الحوار الأمريكي الصيني الحالي عن تحول لافت في مقاربة واشنطن تجاه بكين، وسط مخاوف متزايدة من أن يؤدي هذا التحول إلى إضعاف الضغوط الدولية المتعلقة بالحريات المدنية والانتهاكات التي يتعرض لها النشطاء والأقليات الدينية والعرقية داخل الصين.

ونقل تحليل أجرته صحيفة “الغارديان” البريطانية، عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قبيل مغادرته إلى بكين، رده على سؤال بشأن ما إذا كان سيثير قضية الناشط المؤيد للديمقراطية المسجون في هونغ كونغ، جيمي لاي، مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، إذ قال: “سأثيرها”.

وأضاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: “الأمر أشبه بسؤالي: لو سجن كومي، هل ستطلق سراحه؟ قد يكون هذا سؤالاً صعباً بالنسبة لي”، في إشارة إلى المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي الذي ظل هدفاً متكرراً لهجمات ترامب السياسية.

عكست تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حالة من الاستهتار بحقوق الإنسان، في ظل السياسات التي انتهجتها إدارته منذ عودته إلى السلطة، والتي شملت هجمات واسعة على الحريات المدنية، بدءاً من مداهمات الهجرة، مروراً بالهجمات على الرعاية الصحية القائمة على النوع الاجتماعي، ووصولاً إلى خفض تمويل منظمات الحقوق المدنية.

وأبرز التحليل أن الغياب شبه التام لملف حقوق الإنسان عن المحادثات الأمريكية الصينية الحالية يمثل خروجاً واضحاً عن نهج الإدارات الأمريكية السابقة، ويعكس في الوقت ذاته تحول الولايات المتحدة في عهد ترامب، وتزايد ثقة الصين على الساحة الدولية.

وقال المحامي الحقوقي المشطوب من نقابة المحامين، رن كوانيو، إن الحزب الشيوعي الصيني يبدو الآن “محصناً ضد ما يسمى بالإدانات والمجتمع الدولي”.

واستحضرت التحليلات نماذج من تعامل الرؤساء الأمريكيين السابقين مع ملف حقوق الإنسان في الصين، موضحة أن الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش أصر خلال زيارته لبكين عام 2008 على حضور قداس الأحد للضغط من أجل الحرية الدينية.

وحث الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، خلال زيارته الرسمية إلى الصين عام 2009، الرئيس الصيني آنذاك هو جين تاو على إعادة فتح المحادثات مع الزعيم الروحي المنفي للتبت الدالاي لاما.

وأشارت التحليلات إلى أن بوش وأوباما وجهت إليهما اتهامات بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات لحقوق الإنسان على خلفية “الحرب الأمريكية على الإرهاب”، إلا أن دعمهما العلني للنشطاء والأقليات في الصين حظي بترحيب من المجتمع المدني الصيني الناشئ آنذاك.

تراجع الضغوط

استعادت “الغارديان” واحدة من أبرز حالات التدخل الأمريكي في ملف حقوق الإنسان داخل الصين عام 2012، عندما ساعدت إدارة أوباما في إجلاء المحامي الحقوقي الكفيف تشين غوانغتشنغ بعد هروبه من الإقامة الجبرية.

ولفتت إلى أن تشين دعا لاحقاً الناخبين الأمريكيين إلى انتخاب ترامب، معتبراً أنه “سيقف في وجه الطغيان”.

وأكد المدير التنفيذي لمركز القانون الآسيوي في جامعة جورجتاون بواشنطن، توماس كيلوغ، أن إثارة قضايا النشطاء الصينيين من قبل المسؤولين الأمريكيين كانت تحدث تأثيراً مباشراً في أوضاعهم.

وقال كيلوغ: “أخبرني عدد من النشطاء الصينيين مباشرة أن طرح قضيتهم قد أحدث فرقاً”، وأوضح أن هذا التأثير كان يظهر أحياناً في تحسين ظروف الاحتجاز داخل السجون أو تخفيف المضايقات خارجها.

وربط تحليل “الغارديان” بين تراجع الولايات المتحدة عن دورها التقليدي بوصفها مدافعاً عالمياً عن حقوق الإنسان وبين التدهور المستمر في أوضاع الحريات داخل الصين منذ وصول الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى السلطة عام 2012.

وأوضحت أن شي جين بينغ قاد حملة قمع واسعة ضد المجتمع المدني، وعاقب ناشطات نسويات، وضيق الخناق على حرية التعبير الديني والعرقي، وجعل قمع المعارضة أولوية قصوى.

وأشارت إلى أن السلطات الصينية أنشأت خلال حكم شي شبكة من معسكرات إعادة التأهيل في إقليم شينجيانغ شمال غربي البلاد، حيث سجن ما يصل إلى مليون شخص من الإيغور والأقليات التركية الأخرى بذريعة مكافحة التطرف.

وأكدت الأمم المتحدة أن سياسات الصين في شينجيانغ قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، رغم نفي بكين القاطع لهذه الاتهامات.

ووصفت المديرة التنفيذية المشاركة لمنظمة “المدافعون عن حقوق الإنسان في الصين”، صوفي ريتشاردسون، المرحلة الحالية بأنها “أوقات عصيبة للغاية بالنسبة للمدافعين عن حقوق الإنسان”.

وقالت: “لا أعتقد أن أي حكومة ديمقراطية استطاعت مواكبة هذا النهج في تدخلاتها مع بكين”.

ثقة صينية

أشار التحليل إلى أن ولاية ترامب الأولى شهدت نهجاً أكثر عدائية تجاه الصين، في ظل وجود شخصيات متشددة داخل إدارته مثل وزير الخارجية السابق مايك بومبيو ونائب مستشار الأمن القومي السابق مات بوتينجر.

وأضاف أن الإدارة الأمريكية آنذاك فرضت عقوبات على مسؤولين صينيين متهمين بالتورط في انتهاكات حقوق الإنسان في شينجيانغ وهونغ كونغ.

ولفت إلى أن الصين فرضت بدورها عقوبات على وزير الخارجية الأمريكي الحالي ماركو روبيو بسبب انتقاداته الحادة لسجل بكين الحقوقي عندما كان عضواً في مجلس الشيوخ، رغم السماح له بمرافقة ترامب إلى بكين خلال الزيارة الأخيرة.

وأكدت أن هذه الشخصيات المتشددة جرى تهميشها لاحقاً، في وقت أبدى فيه ترامب إعجاباً متكرراً بالرئيس الصيني شي جين بينغ.

ونقلت صحيفة الغارديان عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قوله للرئيس الصيني: “أنت قائد عظيم.. أحياناً لا يروق للناس قولي هذا، لكنني أقوله على أي حال؛ لأنه الحقيقة.. إنه لشرف لي أن أكون صديقك”.

تنامي قوة الصين

وربط التحليل هذا التحول بتنامي قوة الصين الاقتصادية والعسكرية خلال العقود الماضية، الأمر الذي جعل بكين أكثر مناعة تجاه الانتقادات الغربية التي اعتبرتها طويلاً “وعظاً ونفاقاً”.

واستعرضت الغارديان تقريراً أصدره مجلس الدولة الصيني عام 2021 بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة، وجاء في مقدمته اقتباس لعبارة “لا أستطيع التنفس”، وهي الكلمات الأخيرة لجورج فلويد، المواطن الأمريكي من أصل إفريقي الذي أدى مقتله على يد شرطي إلى اندلاع احتجاجات واسعة لحركة “حياة السود مهمة”.

وقال كوانيو إن الدعاية الصينية أقنعت كثيرين داخل البلاد بأن الانتقادات الأمريكية تصدر عن “قوى أجنبية معادية” وليس عن اهتمام حقيقي بحقوق الإنسان.

وأضاف: “لم يعد الكثيرون يكترثون لما يقوله الأمريكيون”.

وكشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن ملف حقوق الإنسان طرح خلال القمة الأخيرة مع الرئيس الصيني، رغم غيابه عن البيان الرسمي الصادر بعد المحادثات، وقال لقناة فوكس نيوز إنه ناقش مع شي جين بينغ قضية جيمي لاي وعدداً من القساوسة المحتجزين في الصين.

وأضاف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الرئيس الصيني “يدرس بجدية” إطلاق سراح رجال الدين المحتجزين الذين استهدف كثير منهم خلال حملة قمع حديثة ضد المسيحيين.

ورحبت غريس جين دريكسل، ابنة أحد القساوسة المحتجزين، بهذه التصريحات، قائلة: “إنها استجابة عظيمة لدعائنا، ونحن ممتنون للغاية لكل من وقف إلى جانبنا في أحلك الظروف”.

واختتم تحليل الغارديان بالإشارة إلى أن ترامب وصف قضية قطب الإعلام السابق جيمي لاي، البالغ من العمر 78 عاماً ويحظى بدعم واسع من الحزبين في الولايات المتحدة، بأنها “صعبة”.