منصة راصدة تحليلية لقضايا حقوق الإنسان

شعوب العالم ترفض سياسات الانقسام وتتمسك بحقوق الإنسان

27 أغسطس 2026
صورة مركبة: أليكس ميلون لصالح صحيفة "الغارديان" / غيتي إيماجز
صورة مركبة: أليكس ميلون لصالح صحيفة "الغارديان" / غيتي إيماجز

غوردون براون*

يواجه رئيس الوزراء البريطاني الجديد، آندي بورنهام، بالفعل أحد أخطر قراراته، وعليه أن يصدر التعليمات التي يملك وحده صلاحية توجيهها إلى الجيش، محددًا استجابة المملكة المتحدة في سيناريو كارثي يتمثل في تعرضنا لهجوم بأسلحة نووية.
سيوقع، كما فعلت قبل عقدين، ورقة يخبر فيها القادة العسكريين ما إذا كان عليهم الرد أم لا، وإذا كان الرد مطلوبًا، فهل يكون من خلال استهداف التجمعات السكانية المدنية أم المواقع العسكرية، وتُدوّن هذه التعليمات في ما يسمى، على نحو مناسب، “رسالة الملاذ الأخير”.

يخشى الجمهور الأوروبي الآن، أكثر من أي وقت منذ أزمة الصواريخ الكوبية في ستينيات القرن الماضي، اندلاع حرب عالمية ثالثة، ومع اقتراب “ساعة القيامة” النووية، التي طورها علماء الذرة، أكثر فأكثر من منتصف الليل، ومع تفكير اليابان وكوريا الجنوبية والسعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر وبولندا وألمانيا في امتلاك أسلحة نووية أو استضافتها على أراضيها، ينحدر عالمنا من نظام قائم على القواعد إلى نظام قائم على القوة، حيث يُنظر إلى القوة باعتبارها حقًا، وتسود القوة الغاشمة.
تخلّى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أي تظاهر بدعم القانون الدولي، إذ قال: “لا أحد مستعد للعب وفق قواعد يضعها شخص واحد في مكان ما بعيدًا”، بينما حذر الرئيس الصيني شي جين بينغ من أن إعادة توحيد تايوان “لا يمكن أن توقفها أي قوة أو أي شخص”.
ومع تهديد دونالد ترامب الأخير بإبادة الشعب الإيراني -“ستموت حضارة بأكملها الليلة، ولن تعود إلى الوجود مرة أخرى”- وتهديده الإضافي حتى بقصف حليف هو عُمان، أثبت الرئيس الأمريكي مجددًا ازدراءه لكل ركيزة من ركائز النظام السابق الذي قادته الولايات المتحدة: حقوق الإنسان، والتعاون متعدد الأطراف، والمساعدات الإنسانية، وسيادة القانون نفسها.

لكن ما ينبغي أن يمنحنا قدرًا من الأمل هو أن المخاوف المتزايدة لدى الناس من الصراع تقابلها الآن مطالبة واضحة بأن يتحد العالم لمواجهة هذا الانهيار نحو الفوضى.
وكشف ذلك استطلاع شمل أكثر من 36 ألف شخص في 34 دولة، أجرته شركة “فوكال داتا” لصالح مؤسسة روكفلر، من أجل كتابي الجديد، والتي أعمل أمينًا فيها.

طرحنا سؤالًا بالغ الصعوبة: هل سيدعم الناس “التعاون الدولي”، حتى إذا كان ذلك يعني بعض التنازل عن “المصلحة الوطنية لبلدانهم”؟ وأظهر الـ55% الذين أجابوا بنعم، مقابل 20% فقط قالوا لا، رفضًا واضحًا لعقائد “أمريكا أولًا” و”روسيا أولًا” و”الصين أولًا” و”بلدي أولًا”، التي تنظر إلى الحياة باعتبارها مجرد صراع لا نهاية له بين “نحن” و”هم”.
وأظهرت أغلبيات واضحة في كل قارة معارضة لهؤلاء القادة القوميين الشعبويين، الذين يريدون رفع الجسر المتحرك وعزل بلادهم، وينظرون إلى الجغرافيا السياسية باعتبارها لعبة محصلتها صفر، لا يمكن لبلدهم أن يحقق فيها النجاح إلا إذا فشلت البلدان الأخرى.

مطالب عالمية بالتعاون

يريد أكثر من 70% من سكان العالم أن تحافظ حكوماتهم على حقوق الإنسان وسيادة القانون، وأن تتخذ إجراءات بشأن أزمة المناخ والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وأن تمول المساعدات الإنسانية.
وأظهر بحث لاحق أن مجموعة أكبر -80% من الناس حول العالم- تعتقد الآن بضرورة وجود نظام عالمي يضمن وجود سياسات لا تفضي إلى السلام والاستقرار فحسب، وإنما تعزز أيضًا كرامة الجميع، بما يتطلب اتخاذ إجراءات ضد الفقر والمرض والجوع والأمية.

وأصبح الأهم من ذلك أننا نعرف الآن كيفية زيادة الدعم للتعاون، ففي كل بلد، يكون الأشخاص الناشطون في مجتمعاتهم، والذين تربطهم علاقات تتجاوز الانقسامات العرقية والدينية، أكثر احتمالًا بنسبة 50% لدعم التعاون الدولي، حتى عندما ينطوي ذلك على بعض التضحية بالمصلحة الوطنية. والرسالة واضحة: إذا أردنا إعادة بناء الدعم للتعاون عبر الحدود، فعلينا أن نبدأ بإعادة بناء المجتمعات في الداخل.

لكن حتى إذا كان هناك توافق ناشئ بشأن ما ينبغي فعله، يبقى السؤال: من يستطيع جمع الناس معًا الآن، ونحن ننتقل من عالم أحادي القطب، كانت فيه الولايات المتحدة تضع جدول الأعمال وتستطيع فرض إرادتها، إلى عالم أكثر تعددًا للأقطاب، تتنافس فيه مراكز عديدة لصنع القرار، ليس أقلها الصين الصاعدة؟

وجدنا أن القوى الثلاث الكبرى المالكة للأسلحة النووية -الولايات المتحدة والصين وروسيا- أصبحت أقل شعبية من أي وقت مضى. وبدلًا منها، يتطلع الجمهور العالمي إلى دول أخرى، وعلى رأسها كندا وأستراليا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة وفرنسا والبرازيل وكوريا الجنوبية، بهذا الترتيب، باعتبارها قوى محتملة لتوحيد العالم.
وتبين أيضًا أن هذه هي الدول التي يبدي مواطنوها أكبر قدر من الحماس للتعاون وتولي دور قيادي، وهو الدور الذي دعا إليه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب.

لكن هل يستطيع تحالف جديد من الدول أن يتجاوز الولايات المتحدة والصين في القضايا الكبرى، مثل نزع السلاح النووي أو تنظيم الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني؟ من غير المرجح ذلك، في ظل القوة القسرية التي تتمتع بها الدولتان من خلال التهديدات العسكرية والتعريفات الجمركية وحظر التجارة والعقوبات، فضلًا عن القوة الفريدة للولايات المتحدة في تحويل الدولار إلى سلاح.
ومع ذلك، فقد حان الوقت الآن لمناقشة كيفية الانتقال من عالم تهيمن فيه التكنولوجيا على الدولة، كما هي الحال في الولايات المتحدة، أو تهيمن فيه الدولة على التكنولوجيا، كما هي الحال في الصين.

وتعمل بقية دول العالم بالفعل على إنشاء نظام جديد للفصل في النزاعات التجارية، وتجريم الجرائم ضد الإنسانية، وقد يشكل الاتحاد الأوروبي واتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ، التي تقودها دول آسيوية، أكبر تحالف تجاري شهده العالم على الإطلاق.

وقد يتساءل المرء: كم عدد الكتائب التي تمتلكها القوى الأصغر، مقتبسًا السؤال الذي يُقال إن ستالين طرحه على بابا سابق؟ لكن في مواجهة القوة القادرة على الإكراه، يمكننا أن نضع الشرعية التي يمنحها معظم أصحاب الرأي المنصف لحقوق الإنسان الدولية والقانون الإنساني الدولي.

وتسيطر دول أخرى غير روسيا والصين والولايات المتحدة وحلفائها على 75% من الأصوات في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتمتلك أغلبيات كبيرة في منظمة التجارة العالمية ومنظمة الصحة العالمية، فضلًا عن 12 صوتًا من أصل 15 صوتًا، واثنين من أصل خمسة أصوات تتمتع بحق النقض، في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
ولذلك لا يوجد سبب يمنعنا من إحراز تقدم في الاتفاق على مبادئ التعاون وإصلاح هذه المؤسسات، بما يحقق نتائج في مواجهة أزمة المناخ والمساعدات الإنسانية وصنع السلام والحرب العالمية على الفقر.

وعندما يتم تعيين أمين عام جديد للأمم المتحدة لبدء عمله في العام الجديد، سأحث الدول ذات التوجهات المتشابهة على الاتفاق معه أو معها على برنامج عمل لعام 2027.

نحو نظام دولي جديد

يفضل الجمهور الأمريكي أيضًا التعاون عبر الحدود على العمل منفردًا، ويريد الأمريكيون أن تقود الولايات المتحدة بالإقناع، وليس بالإكراه، ويمكن إقناعهم بأن الولايات المتحدة التي كانت تتصرف بصورة متعددة الأطراف في عالم أحادي القطب يجب أن تتوقف عن التصرف بصورة أحادية في عالم يتحول إلى تعدد الأقطاب.

لكن في الوقت الحالي، سيعتمد التقدم على تحرك منسق تقوده المملكة المتحدة والقوى المؤيدة للتعاون، وتظهر رسالتنا من استطلاع الرأي العالمي أن مواطنينا يتطلعون فعلًا بأمل إلى عالم أفضل، وأن عالمًا مضطربًا يتطلع إلينا، وهذه قضية تهم رئيس الوزراء البريطاني الجديد، وتهم الجميع.

 

*غوردون براون هو المبعوث الخاص للأمم المتحدة للتعليم العالمي، وشغل منصب رئيس الوزراء البريطاني من عام 2007 حتى عام 2010.

نقلا عن الغارديان  

ترجمة: زينب مكي