تعمل الخدمات الأساسية كسلسلة لا كجزر منفصلة، فمحطة المياه تحتاج إلى الطاقة كي تضخ والمستشفى يحتاج إليها كي يعالج، وشبكات الاتصال تعتمد عليها لطلب النجدة وتنسيق الإغاثة، في حين تحتاجها المدارس ومراكز الإيواء لتواصل عملها.
وفي ميانمار أضاف تضرر البنية التحتية وانقطاع الكهرباء المتكرر إلى النزاع أزمة أخرى لا تظهر آثارها في شبكة الطاقة وحدها، بل تنتقل منها إلى الخدمات التي يعتمد عليها ملايين المدنيين، لتصبح استمرارية الكهرباء مسألة ترتبط مباشرة بحماية الصحة والمياه والتعليم والحياة اليومية للسكان.
وتشير أحدث التحديثات الإنسانية الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في يوليو 2026 إلى أن نحو 3.8 مليون شخص نزحوا داخل ميانمار، نتيجة استمرار النزاع المسلح والكوارث الطبيعية كما يقدر عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدات إنسانية بأكثر من 16 مليون شخص، في ظل استمرار القيود الأمنية وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، ما يعوق إيصال المساعدات وإعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية، ومنها الكهرباء والمياه.
وتؤكد تقارير الأمم المتحدة أن السكان في مناطق النزاع يواجهون انقطاعات متكررة للكهرباء، إلى جانب تعطل خدمات الاتصالات والمياه ومرافق عامة أخرى، الأمر الذي يزيد المخاطر الصحية والإنسانية ويحد من قدرة المستشفيات وفرق الإغاثة على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
سلسلة من الحرمان
تكمن خطورة انهيار شبكة الطاقة في الأثر المتسلسل الذي يحدثه؛ فانقطاع التيار عن مستشفى لا يعني غياب الإنارة فقط، بل قد يهدد تشغيل أجهزة العناية المركزة وغرف العمليات وحفظ الأدوية واللقاحات، وإذا طال محطات المياه، تتراجع القدرة على الضخ والمعالجة والصرف الصحي، أما تعطل الاتصالات، فيصعب طلب الإسعاف والوصول إلى المعلومات وتنسيق الاستجابة الإنسانية.
ويمتد الأثر إلى التعليم والعمل وحفظ الغذاء وتشغيل مراكز الإيواء، ما يجعل السكان الأكثر اعتماداً على هذه الخدمات، وبينهم المرضى والأطفال وكبار السن والنازحون، أكثر عرضة للضرر، لذا لا تتعامل منظومة حقوق الإنسان مع الوصول إلى الطاقة بمعزل عن الحقوق الأخرى.
وترتبط الكهرباء عملياً بالقدرة على التمتع بالحق في الصحة والمياه والتعليم والغذاء والسكن اللائق، في حين يؤدي انهيارها لفترات طويلة إلى تقويض مجموعة من هذه الحقوق في الوقت نفسه.
خدمات ترتبط بالحق في الحياة
يرى الباحث السياسي وخبير العلاقات الدولية اللبناني محمد عبد الله أن الكهرباء أصبحت ركيزة أساسية لضمان استمرار خدمات ترتبط بالحق في الحياة والصحة والتعليم والوصول إلى المياه والاتصالات، ولذلك يتجاوز التعطيل طويل الأمد لشبكات الطاقة حدود الأزمة الخدمية إلى آثار حقوقية تمس حياة السكان مباشرة.
ويقول عبد الله في حديثه لـ”صفر” إن استخدام الخدمات الأساسية أداة للضغط في الصراعات المسلحة يؤدي إلى شلل المستشفيات، وتعطل شبكات المياه والصرف الصحي، وتراجع الأمن الغذائي والنشاط الاقتصادي، ما يضاعف معاناة المدنيين ويزيد اعتمادهم على المساعدات الإنسانية، خصوصاً في النزاعات الممتدة مثل ميانمار.
ويضيف عبد الله أن التعامل مع الأزمة ينبغي ألا يتوقف عند إصلاح الشبكات المتضررة، بل يشمل حماية البنية التحتية المدنية، وضمان وصول فرق الصيانة والإغاثة إلى المناطق المتضررة، وتعزيز التزام أطراف النزاع بالقانون الدولي الإنساني، ودعم آليات المساءلة عن الانتهاكات التي تمس الخدمات الأساسي، داعياً إلى توسيع برامج الطاقة الطارئة للمستشفيات ومحطات المياه ومراكز الإيواء، باعتبار استمرار هذه المرافق في العمل عنصراً حاسماً في حماية المدنيين والحد من تفاقم الأزمة الإنسانية.
الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
ومن جانبه، يؤكد أستاذ القانون الدولي الدكتور صلاح الرقاد، أن الكهرباء أصبحت من المقومات الأساسية التي تقوم عليها منظومة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولذلك فإن استهداف شبكات الطاقة أو تعطيلها على نطاق واسع خلال النزاعات المسلحة يجب أن يقاس بما يترتب عليه من آثار في المدنيين، لا بحجم الضرر المادي الذي يصيب المنشأة وحدها.
ويوضح الرقاد في حديثه لـ”صفر” أن انقطاع الكهرباء ينعكس على قدرة المستشفيات على تقديم الرعاية الصحية، وعلى استمرار المياه والصرف الصحي والتعليم والاتصالات، وهو ما قد يفضي إلى المساس بعدد من الحقوق الأساسية المكفولة بموجب القانون الدولي.
ويشير الرقاد إلى أن القانون الدولي الإنساني يفرض على أطراف النزاع حماية الأعيان المدنية واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق الضرر بالمدنيين، وأن أي هجوم على منشآت الطاقة يخضع لمبادئ التمييز والتناسب والضرورة العسكرية، بحيث لا تكون الخسائر المتوقعة بين المدنيين مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المتوقعة.
ولا تتحدد الحماية القانونية لمنشأة الطاقة باسمها أو وظيفتها التقنية وحدهما، بل بطبيعتها واستخدامها في النزاع، فإذا كانت منشأة مدنية، تتمتع بالحماية المقررة للأعيان المدنية، ولا تفقد هذه الحماية إلا وفق الشروط التي يحددها القانون الدولي الإنساني، وحتى عند وجود هدف عسكري، تبقى قواعد التناسب والاحتياطات في الهجوم واجبة التطبيق، وهو أمر تزداد أهميته عندما يعتمد مستشفى أو محطة مياه أو تجمع سكاني واسع على المنشأة نفسها.
أزمة الطاقة في ميانمار
تكشف أزمة الطاقة في ميانمار هشاشة العلاقة بين الحرب والحياة اليومية؛ إذ أنه يمكن أن يقع الضرر في محطة أو شبكة، ثم يظهر أثره في سرير مريض، أو صنبور مياه، أو مركز إيواء، أو وسيلة اتصال يحتاج إليها شخص لطلب النجدة.
وهذه المسافة بين مكان الضرر ومن يدفع ثمنه هي ما يجعل حماية البنية التحتية المدنية جزءاً أساسياً من حماية السكان.
لذلك، لا يكفي أن تعود الكهرباء بعد إصلاح الأسلاك والمحطات، فالمعيار الأهم هو قدرة الخدمات التي تعتمد عليها على الاستمرار أثناء النزاع، وقدرة المدنيين على الوصول إليها بأمان؛ ففي الحروب قد تنطفئ الكهرباء في مكان واحد، لكن ما ينطفئ معها من حقوق يمتد إلى أماكن أبعد بكثير من الإنارة.

