حين تشتعل الحروب وتُغلق الطرق وتنهار المرافق الصحية، لا تتوقف الحياة عن طرق أبوابها، وتبقى امرأة حامل في انتظار لحظة ولادة لا تعرف إن كانت ستجد فيها طبيباً أو مستشفى أو حتى طريقاً آمناً، وفي قلب هذه الظروف القاسية، تقف القابلات في العالم العربي على الخط الفاصل بين الخوف والنجاة، يحملن أدوات بسيطة وخبرة قد تصنع الفارق بين حياة تُنقذ ومأساة لا يمكن تداركها.
وتواجه القابلات يومياً واقعاً تتقاطع فيه الحروب والنزوح والفقر ونقص الأدوية والتمويل، بينما تزداد احتياجات النساء الحوامل في المخيمات والمناطق المحاصرة والمجتمعات النائية، ومع تعطل المستشفيات وتراجع الخدمات، تتحول القابلة إلى نقطة الرعاية الأقرب، تتابع الحمل، وتساعد في الولادة، وتكتشف الخطر، وتسعى إلى نقل الأم عندما تصبح المضاعفات أكبر من إمكاناتها.
ولا تكمن أهمية القابلات في تقديم الرعاية الطبية وحدها، بل في الحفاظ على شعور المرأة بالأمان في أكثر لحظات حياتها هشاشة، ففي السودان وغزة واليمن وغيرها من مناطق الأزمات، أصبحت مهنة القبالة جزءاً من الاستجابة الإنسانية، حيث تواصل العاملات الصحيات الوصول إلى النساء حتى عندما تصبح المسافة إلى المستشفى محفوفة بالمخاطر، ويصبح استمرار الرعاية نفسه شكلاً من أشكال إنقاذ الحياة.
وسلط صندوق الأمم المتحدة للسكان الضوء على قصة القابلة السودانية سعيدة، لافتاً إلى أنها تختصر جانباً من معركة إنسانية تدور خلف خطوط الحرب، بعدما اضطرت إلى الفرار من منزلها عام 2024، ثم واصلت عملها في عيادة صحية متنقلة داخل مخيم الكرامة-3 للنازحين في الدمازين بولاية النيل الأزرق.
وأكد الصندوق أن سعيدة تساعد نساء يواجهن الولادة في ظروف النزوح وغياب الخدمات، بعدما أدت المعارك بين يناير ومايو 2026 إلى نزوح عشرات الآلاف في الولاية، معظمهم من النساء والأطفال.
أوضح صندوق الأمم المتحدة للسكان أن سعيدة واحدة من 15 قابلة جرى نشرهن وإعدادهن ضمن مبادرة لتدريب وتوظيف قابلات للعمل سريعاً في المجتمعات الأكثر احتياجاً، بينما تعمل قابلة أخرى، هي صفية، على تسجيل أسماء النساء الحوامل وأماكن وجودهن داخل مخيم الكرامة، وتذهب إليهن عندما يتعذر وصولهن إلى العيادة.
وتكشف هذه التجربة كيف تتحول القابلة في مناطق النزوح من مقدمة لخدمة صحية إلى حلقة وصل بين المرأة ونظام صحي يكاد يكون غائباً.
وظيفة تتجاوز الولادة
أوضحت منظمة الصحة العالمية أن القابلة ليست مجرد عاملة صحية تساعد المرأة أثناء الولادة، وإنما هي مقدمة رعاية تمتد مهمتها من فترة الحمل إلى الولادة وما بعدها، وتشمل المتابعة الصحية والتثقيف والدعم النفسي والرعاية الأساسية للأم والوليد والإحالة إلى خدمات متخصصة عند ظهور مضاعفات، وأكدت المنظمة في إرشاداتها الصادرة عام 2025 أن نماذج الرعاية التي تقودها القابلات يمكن أن تحسن النتائج الصحية وتجربة النساء، وتدعم رعاية أكثر احتراماً وتركز على احتياجات المرأة.
أضاف صندوق الأمم المتحدة للسكان أن القابلات المدربات يمكنهن تقديم نحو 90% من خدمات الصحة الجنسية والإنجابية وصحة الأم والوليد والمراهقين الأساسية، بما في ذلك البيئات الإنسانية، وأشارت مبادرة تعزيز القبالة التي أطلقها الصندوق وشركاؤه عام 2025 إلى أن توسيع نطاق الرعاية التي تقدمها القابلات يمكن أن يسهم في إنقاذ أكثر من 4.3 مليون حياة سنوياً بحلول عام 2035 إذا تحققت التغطية العالمية الشاملة.
أزمة ولادة في منطقة مضطربة
كشفت أحدث تقديرات الأمم المتحدة أن نحو 260 ألف امرأة توفين عام 2023 بسبب مضاعفات الحمل والولادة، أي أكثر من 700 وفاة يومياً، بمعدل وفاة واحدة تقريباً كل دقيقتين، وأكدت منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 90% من وفيات الأمهات وقعت في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، وأن توفير رعاية ماهرة قبل الولادة وأثناءها وبعدها يمكن أن ينقذ حياة النساء والمواليد.
أشار صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن المنطقة العربية تواجه أزمة مضاعفة؛ فالأزمات المسلحة والنزوح والفقر وانهيار المرافق الصحية والكوارث المناخية تعرقل وصول النساء إلى الرعاية في الوقت الذي تصبح فيه الحاجة إليها أكثر إلحاحاً.
وقدر الصندوق في عام 2025 عدد النساء الحوامل اللواتي يحتجن إلى دعم إنساني في المنطقة بنحو 2.2 مليون امرأة، بينما تواجه المنطقة نقصاً يقارب 130 ألف قابلة، ولا يتجاوز المعدل نحو 1.9 قابلة لكل 10 آلاف نسمة، مقابل 4.4 عالمياً.
حروب تغلق أبواب الرعاية
قال صندوق الأمم المتحدة للسكان إن النقص لا يتعلق بعدد القابلات فقط، بل يمتد إلى ظروف عملهن، من ضعف الأجور ونقص الإمدادات والبنية التحتية إلى المخاطر الأمنية التي تواجههن أثناء أداء عملهن، وفي مايو 2025، حذر الصندوق من أن خفض التمويل أجبره على دعم 47% فقط من أصل 3521 قابلة كان يستهدف دعمهن في ثماني دول تعاني أزمات، بينها السودان واليمن وفلسطين.
أظهر الوضع في السودان حجم الخطر بصورة أكثر وضوحاً، إذ ذكر صندوق الأمم المتحدة للسكان في تقريره السنوي لعام 2024 أن 70% إلى 80% من المرافق الصحية في المناطق المتضررة من النزاع كانت إما غير متاحة أو غير عاملة، وفي المقابل، نشر الصندوق 95 قابلة في المناطق الريفية والنائية خلال عام 2024، ووزع 167 حقيبة ولادة نظيفة لتلبية احتياجات نحو 33,400 امرأة حامل، فيما واصلت القابلات تقديم المتابعة قبل الولادة وبعدها والإحالة والدعم النفسي والتوعية الصحية.
غزة.. الولادة وسط الأنقاض
أوضح صندوق الأمم المتحدة للسكان أن انهيار المنظومة الصحية في غزة جعل الولادة نفسها مواجهة يومية مع الخطر، إذ قدر الصندوق في ديسمبر 2025 وجود نحو 55 ألف امرأة حامل، في وقت لم يكن يعمل فيه بصورة جزئية سوى 18 مستشفى من أصل 36 مستشفى، بينما يولد نحو 150 طفلاً يومياً.
وأكد الصندوق أن القابلات يواصلن العمل داخل وحدات الولادة المرهقة رغم النزوح ونقص الموارد وتعرض العاملات الصحيات أنفسهن لظروف قاسية.
حذر الصندوق في يوليو 2025 من أن نقص الغذاء وانهيار الخدمات الصحية والضغط النفسي الشديد في غزة أمور تدفع إلى نتائج كارثية للحمل والولادة، مشيراً إلى بيانات وزارة الصحة في غزة بشأن الأشهر الستة الأولى من عام 2025.
وأكد الصندوق أن حماية خدمات صحة الأم والوليد في مثل هذه الظروف لا تتعلق بتقديم خدمة طبية عادية، وإنما بالحفاظ على واحدة من أكثر حلقات الرعاية الصحية هشاشة أثناء الحرب.
اليمن.. القابلة أمام نقص التمويل
أوضح صندوق الأمم المتحدة للسكان أن اليمن يمثل نموذجاً آخر لضغط الحرب والفقر ونقص التمويل على خدمات الأمومة، مشيراً إلى أن امرأة تموت كل ساعتين أثناء الحمل والولادة لأسباب يمكن الوقاية منها، فيما أدى نقص التمويل في 2025 إلى تمكين الصندوق من دعم نحو نصف العدد المستهدف من القابلات، أي 700 قابلة من أصل 1492.
وأوضح الصندوق أن استمرار القيود التمويلية يهدد الخدمات الأساسية في بلد تعاني فيه النساء والفتيات أصلاً من النزوح وانعدام الأمن الغذائي وتراجع الخدمات الصحية.
كشف تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان عن اليمن أن الصندوق طلب 70 مليون دولار لدعم خدمات النساء والفتيات ضمن الاستجابة الإنسانية لعام 2025، لكنه تلقى 25.5 مليون دولار فقط حتى نهاية العام، بعجز بلغ 44.5 مليون دولار.
وقال الصندوق إن هذا النقص أدى إلى تقليص ما يقرب من 40% من الخدمات المدعومة، وترك قرابة مليوني امرأة وفتاة دون خدمات أساسية في الصحة الجنسية والإنجابية والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
عجز قديم يتفاقم
أظهرت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان أن أزمة نقص القابلات في العالم العربي ليست وليدة الحروب الحالية، فقد قدر تقرير القوى العاملة في القبالة بالمنطقة عام 2022 وجود عجز بنحو 128 ألف قابلة، مع تسجيل فجوات كبيرة في مصر والعراق والجزائر والسودان والصومال والمغرب واليمن، كما أشار التقرير إلى أن ضعف الاستثمار والتدريب وفرص العمل وظروف الخدمة يمثل جزءاً من المشكلة البنيوية التي تحد من قدرة الأنظمة الصحية على الاستفادة الكاملة من القابلات.
أكد الصندوق في أحدث بياناته الإقليمية أن الاستثمار في القبالة لا يتعلق فقط بسد فجوة في أعداد العاملين، بل بإعادة بناء قدرة الرعاية الصحية الأولية على الوصول إلى النساء في المناطق النائية ومخيمات النزوح والمجتمعات المتضررة من الصراع.
وأطلق الصندوق مع منظمة الصحة العالمية واليونيسف والاتحاد الدولي للقابلات وشركاء آخرين مبادرة “تعزيز القبالة” لتطوير التعليم والقيادة ونشر القابلات في أكثر من 125 دولة.
الحق في الرعاية
أكدت لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز ضد المرأة، في توصيتها العامة رقم 24 بشأن المادة 12 من اتفاقية سيداو، أن الدول مطالبة بضمان خدمات مناسبة للنساء خلال الحمل والولادة وفترة ما بعد الولادة، وأن على الدول توفير خدمات الولادة الآمنة والرعاية التوليدية الطارئة وتخصيص أقصى قدر من الموارد المتاحة لهذه الخدمات، ويضع هذا الالتزام رعاية الأمومة في إطار الحق في الصحة وليس باعتبارها خدمة اختيارية تتأثر بتوافر التمويل.
أوضحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن القانون الدولي الإنساني يمنح النساء الحوامل حماية واحتراماً خاصين أثناء النزاعات المسلحة، بينما تنص اتفاقية جنيف الرابعة على حماية المستشفيات المدنية المخصصة لرعاية الجرحى والمرضى وحالات الولادة وعدم جواز استهدافها.
كما تشمل قواعد القانون الدولي الإنساني تسهيل إجلاء حالات الولادة من المناطق المحاصرة أو المحاصرة عسكرياً وتوفير الرعاية الطبية المناسبة للنساء الحوامل.
حماية القابلة جزء من حماية الأم
أشارت منظمة الصحة العالمية إلى أن القابلات يعملن في كثير من البيئات بأعباء مرتفعة وموارد محدودة، فيما تواجه المنطقة العربية نقصاً تاريخياً في القوى العاملة الصحية.
وعرض المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط شهادات لقابلات يعملن في سوريا وليبيا، مؤكداً أن نقص العاملين الصحيين يضغط بصورة مباشرة على خدمات الأمومة وحديثي الولادة، خصوصاً في البيئات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الهشة.
أكد صندوق الأمم المتحدة للسكان أن تقليص التمويل الإنساني ينعكس مباشرة على قدرة القابلات على الوصول إلى النساء، بعدما أشار في أغسطس 2025 إلى أن نحو 2.7 مليون امرأة وفتاة في المنطقة العربية فقدن أو أصبحن مهددات بفقدان خدمات صحية وحمائية منقذة للحياة نتيجة تخفيضات التمويل.
ويعني ذلك أن حماية خدمات القبالة ترتبط بتمويل المرافق الصحية، وتوفير الأدوية والنقل والاتصالات، وتأمين العاملات، وضمان استمرار الإحالة إلى المستشفيات عند حدوث المضاعفات.
استجابة تبدأ من الاستثمار
أطلقت منظمة الصحة العالمية في يونيو 2025 إرشادات جديدة لتوسيع نماذج الرعاية التي تقودها القابلات، معتبرة أن هذه النماذج يمكن أن تحسن النتائج الصحية وتستخدم الموارد بصورة أكثر كفاءة.
وأكدت المنظمة أن النماذج المدعومة بالأدلة يمكن أن تقلل الوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما قدرت الدراسات التي استندت إليها المنظمة أن الوصول الشامل إلى القابلات الماهرات يمكن أن يمنع أكثر من 60% من وفيات الأمهات والمواليد، بما يعادل إنقاذ 4.3 مليون حياة سنوياً بحلول 2035.
أوضح صندوق الأمم المتحدة للسكان أن الاستجابة للأزمات العربية تحتاج إلى إدماج القبالة في خطط الطوارئ منذ البداية، وليس التعامل معها كخدمة ثانوية بعد انهيار المستشفيات.
ويشمل ذلك تدريب القابلات وتنظيم المهنة وتوفير الرواتب والمعدات وحماية أماكن العمل وتوفير سيارات الإسعاف والاتصالات ومسارات الإحالة، إلى جانب إدراجهن في خطط الاستجابة للنزوح والكوارث والأوبئة، ويؤكد الصندوق أن هذه الإجراءات يمكن أن تجعل الرعاية أقرب إلى النساء عندما تتعطل الطرق والمرافق وتصبح المسافة بين المرأة ومقدم الخدمة مسألة حياة أو موت.

