رغم التسارع غير المسبوق في نشر الطاقة المتجددة خلال العقد الأخير، لا يزال 655 مليون شخص حول العالم يعيشون دون أي وصول إلى الكهرباء، في واحدة من أكثر المفارقات وضوحاً في مسار التحول الطاقي العالمي.
ويأتي هذا الرقم في وقت تتوسع فيه قدرات الطاقة الشمسية والرياح وتحقق مستويات قياسية في الإنتاج، إلا أن هذا النمو لم ينعكس على المجتمعات الأكثر فقراً وهشاشة، وفق تقرير متابعة الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة والوكالة الدولية للطاقة المتجددة والبنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية وشعبة الإحصاء في الأمم المتحدة.
فجوة كهرباء عالمية تتسع رغم التقدم التقني
تؤكد بيانات التقرير الأممي المشترك أن 655 مليون إنسان لا يحصلون على الكهرباء حتى عام 2025، بينما يعتمد نحو ملياري شخص على وقود ملوث في الطهي مثل الخشب والفحم والكيروسين.
وتضع هذه الأرقام قضية الطاقة خارج إطارها التقني التقليدي لتتحول إلى ملف يرتبط مباشرة بالصحة العامة والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية.
ويشير التقرير إلى أن التقدم العالمي في توصيل الكهرباء تباطأ خلال السنوات الأخيرة، رغم انخفاض تكاليف تقنيات الطاقة النظيفة والمتجددة، ما يكشف فجوة بين القدرة التكنولوجية والقدرة السياسية والمالية على إيصال هذه التقنيات إلى المجتمعات الفقيرة.
إفريقيا جنوب الصحراء مركز الأزمة العالمية
تتركز أزمة نقص الكهرباء بشكل حاد في إفريقيا خاصة جنوب الصحراء، حيث يعيش أكثر من 560 مليون شخص دون كهرباء، فيما يفتقر نحو 970 مليون شخص إلى وسائل الطهي النظيف.
وتظهر البيانات الأممية أن هذه المنطقة تمثل البؤرة الرئيسية لفقر الطاقة عالمياً، مع بطء شديد في توسيع الشبكات الكهربائية مقارنة بالنمو السكاني السريع.
وتوضح الوكالة الدولية للطاقة أن تحقيق الوصول الشامل إلى الكهرباء في هذه المنطقة يتطلب مضاعفة معدلات التوصيل ثلاث مرات على الأقل قبل عام 2030، وهو هدف يبدو صعباً في ظل التحديات التمويلية والبنيوية الحالية.
الطاقة المتجددة تنمو دون أن تصل إلى الجميع
رغم هذه الفجوة، يسجل العالم توسعاً غير مسبوق في الطاقة المتجددة، إذ أصبحت تشكل أكثر من 30 بالمئة من إنتاج الكهرباء العالمي، وبلغت القدرة العالمية للطاقة المتجددة 544 واط للفرد، وهو مستوى يعكس طفرة تقنية في إنتاج الطاقة النظيفة.
لكن التقرير الأممي يوضح أن هذا التوسع يتركز في الاقتصادات المتقدمة والدول ذات البنية التحتية القوية، بينما تبقى الدول الأقل نمواً خارج نطاق الاستفادة الفعلية من التحول الطاقي، بسبب ضعف الشبكات وارتفاع تكلفة الاستثمار وصعوبة التمويل.
أزمة الطهي الملوث كامتداد لفقر الكهرباء
يرتبط غياب الكهرباء مباشرة بأزمة أوسع تتعلق بوسائل الطهي، حيث يعتمد مليارا إنسان على وقود ملوث يسبب تلوث الهواء داخل المنازل، وهو ما تصفه منظمة الصحة العالمية بأنه أحد أخطر أسباب الأمراض التنفسية والوفيات المبكرة.
ويؤكد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس أن تلوث الهواء المنزلي الناتج عن وقود الطهي يسبب ملايين الوفيات سنوياً، ويضع النساء والفتيات في دائرة الخطر بسبب اعتمادهن على جمع الوقود التقليدي لمسافات طويلة، ما يعمق فجوة عدم المساواة بين الجنسين ويحد من فرص التعليم والعمل.
فجوة التمويل تعرقل الوصول إلى الكهرباء
تكشف بيانات التقرير أن التمويل الدولي للطاقة النظيفة في الدول النامية لا يزال غير كافٍ، رغم وصوله إلى 24.6 مليار دولار، وهو مبلغ لا يتناسب مع حجم الاحتياجات العالمية، كما انخفض التمويل الموجه إلى أقل البلدان نمواً إلى 3.7 مليار دولار في عام 2024، بتراجع نسبته 11 بالمئة مقارنة بالعام السابق.
ويشير البنك الدولي إلى أن تكلفة توصيل الكهرباء لا تتعلق فقط بالبنية التحتية، بل أيضاً بقدرة الأسر على تحمل رسوم الاشتراك والتوصيل والأجهزة الأساسية، وهو ما يجعل الفقر الاقتصادي عائقاً مباشراً أمام الحصول على الطاقة.
الطاقة اللامركزية كحل جزئي للأزمة
تطرح التقارير الدولية حلولاً تعتمد على أنظمة الطاقة اللامركزية مثل الشبكات الشمسية الصغيرة والأنظمة المستقلة خارج الشبكة، والتي أثبتت فاعليتها في إيصال الكهرباء إلى مئات الملايين من الأشخاص في المناطق النائية.
كما تتوسع حلول الطهي النظيف مثل الكهرباء والإيثانول الحيوي والغاز الحيوي، لكنها لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالتكلفة الأولية وضعف الدعم الحكومي في الدول الفقيرة.
العدالة الطاقية كقضية تنمية وحقوق إنسان
تتعامل الأمم المتحدة مع الوصول إلى الطاقة النظيفة والمتجددة باعتباره جزءاً أساسياً من أهداف التنمية المستدامة، لكنه يرتبط أيضاً بحقوق الإنسان الأساسية مثل الحق في الصحة والتعليم والمستوى المعيشي اللائق.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن غياب الكهرباء لا يعني فقط حرماناً من خدمة أساسية، بل يخلق حلقة متكاملة من الفقر تشمل ضعف التعليم، وتراجع الخدمات الصحية، وانخفاض الإنتاجية الاقتصادية.
اختلال في مسار التحول العالمي للطاقة
رغم التقدم التكنولوجي في الطاقة المتجددة، يكشف التقرير عن اختلال بنيوي في النظام العالمي للطاقة، حيث يتقدم التحول الأخضر في الدول الغنية بينما تتسع فجوة الحرمان في الدول الفقيرة.
وتوضح الوكالة الدولية للطاقة المتجددة أن الدول التي تمتلك بنية تحتية قوية للطاقة المتجددة هي نفسها الأكثر قدرة على الصمود في أزمات الطاقة العالمية، بينما تبقى الدول الأضعف عالقة في دائرة نقص التمويل وضعف الشبكات.
شهد العالم خلال العقدين الأخيرين تحولاً كبيراً في قطاع الطاقة مع انخفاض تكلفة إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة وتوسع الاستثمارات في الطاقة الشمسية والرياح. ومع ذلك، لم يواكب هذا التحول إعادة توزيع عادلة للموارد أو استثمارات كافية في البنية التحتية للدول الفقيرة.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الوصول إلى الكهرباء يرتبط بشكل مباشر بمستويات التنمية الاقتصادية والاستقرار السياسي، وأن الفجوة الحالية ليست تقنية فقط بل هي نتيجة تراكمات طويلة في التمويل الدولي، ونماذج التنمية غير المتكافئة، وضعف القدرة المؤسسية في عدد من الدول النامية.
ويخلص التقرير إلى أن إنهاء فقر الطاقة عالمياً لن يتحقق عبر زيادة الإنتاج فقط، بل عبر إعادة صياغة نظام التمويل الدولي للطاقة، وضمان وصول التكنولوجيا إلى الفئات الأكثر فقراً، وتحويل الطاقة من سلعة اقتصادية إلى حق تنموي عالمي قابل للتحقيق.

