أدت الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية إلى تغييرات واسعة في أنماط الطهي في آسيا وإفريقيا، بعدما تسببت في نقص غاز البترول المسال (LPG) ودفع ملايين الأشخاص إلى تقليص وجباتهم أو العودة إلى الحطب والفحم، مع تنشيط الأسواق السوداء وارتفاع الأسعار بشكل حاد.
وكشفت منصة “غريست” البيئية أن البيانات أظهرت أن الهند التي كانت قد توسعت في دعم غاز الطهي منذ نحو عقد لتحسين أوضاع الأسر الفقيرة، أصبحت اليوم أكثر عرضة للأزمة باعتبارها ثاني أكبر مستورد لغاز البترول المسال في العالم، حيث تعتمد على الواردات لتغطية نحو 60% من احتياجاتها، يأتي 90% منها من الشرق الأوسط.
روت التقارير حالة سائق في نويدا يدعى سوبهاش كابور، فقد واجه انقطاعاً مفاجئاً في الإمدادات بعد أن كانت الأسطوانة تكلف نحو 900 روبية وتكفي 40 يوماً، قبل أن تتغير المعادلة بالكامل مع إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإمدادات.
وسجلت منطقة دلهي ارتفاعاً في أسعار الغاز بنسبة وصلت إلى 600%، في حين اضطر بعض السكان إلى الوقوف في طوابير لأيام للحصول على أسطوانات محدودة، في ظل اتهامات ببيع الحصص في السوق السوداء.
وأفادت صحيفة “ستريتس تايمز” السنغافورية أن الوضع لم يقتصر على الهند، بل امتد إلى كولكاتا ومانيلا، حيث بات أصحاب الأكشاك الصغيرة يعتمدون على أسطوانات محدودة أو الفحم الأرخص رغم كلفته الصحية.
العودة إلى الوقود الملوث
أكدت صحيفة “الغارديان” أن سكان أحياء فقيرة في دلهي اضطروا للعودة إلى الحطب بعد أن أصبحت أسطوانات الغاز نادرة وباهظة الثمن، إذ بدأت امرأة تُدعى أفشانا خاتون في جمع الحطب من الغابات الحضرية لطهي الطعام لأطفالها، بعد أن فقدت القدرة على شراء الغاز الذي كانت تعتمد عليه يومياً.
وسجلت التقارير أن استهلاك الهند من غاز البترول المسال انخفض بمقدار 2.2 مليون طن في أبريل وحده، ما دفع العديد من الأسر إلى استخدام وقود بدائي ينتج دخاناً كثيفاً يسبب أمراضاً تنفسية مزمنة وسرطان الرئة وأمراض القلب.
حذرت أستاذة علوم البيئة والأرصاد الجوية في جامعة الفلبين، ميلين جي كايتانو، من أن صحة الأسر أصبحت على المحك، مع ازدياد تلوث الهواء داخل المنازل نتيجة الاعتماد على الفحم، مشيرة إلى أن هذه الممارسات “شديدة التلوث” وتنتشر في المناطق الساحلية والفقيرة.
وأكدت التقارير أن عائلات في مانيلا قلصت وجباتها اليومية إلى كوب قهوة فقط في بعض الحالات، في حين أصبحت مواقد الفحم بديلاً اضطرارياً رغم أخطارها الصحية، في ظل ارتفاع أسعار الغاز إلى ثلاثة أضعاف في بعض المناطق.
أوضحت بيانات منظمة الصحة العالمية أن تلوث الهواء داخل المنازل المرتبط بوسائل الطهي التقليدية يؤدي إلى ملايين الوفيات المبكرة سنوياً، مع كون النساء والأطفال الأكثر تعرضاً للخطر بسبب بقائهم في أماكن الطهي لفترات طويلة.
أفادت التقارير أن بعض الحكومات لجأت إلى إجراءات مؤقتة مثل تعليق ضرائب أو تخفيف قيود استخدام الفحم، لكن ذلك لم يوقف التدهور في أنماط الطهي الصحية.
أنظمة الغذاء والطاقة
قالت مديرة أولى للبحوث والسياسات في مجلس قيادة الأمن الغذائي، تشيلسي مارشو، إن أزمة غاز الطهي كشفت الترابط العميق بين أنظمة الطاقة والغذاء، موضحة أن أي خلل في أحدهما ينعكس سريعاً على الأمن الغذائي العالمي، مع ارتفاع تكاليف الإنتاج والتعبئة والشحن والأسمدة في الوقت نفسه.
وأوضح الخبير الاقتصادي في جامعة شمال كولومبيا البريطانية، داويت جوتا، أن المجتمعات الريفية الفقيرة تواجه خطر العودة إلى الحطب والفحم لعدم امتلاكها بدائل، مشيراً إلى أن الوصول إلى الطاقة النظيفة لا يزال غير متاح على نطاق واسع في المناطق الهشة.
حذرت مارشو من أن بعض الأسر قد تضطر إلى تخطي وجبات أو التحول إلى أطعمة غير مغذية وسريعة التحضير، ما يخلق آثاراً غذائية واقتصادية طويلة المدى.
أكد الخبير الاقتصادي الزراعي في جامعة كورنيل، كريس باريت، أن استمرار إغلاق مضيق هرمز قد يؤدي إلى تفاقم نقص الغذاء في إفريقيا، خصوصاً في دول تعاني أصلاً من انعدام الأمن الغذائي مثل السنغال وزيمبابوي وموزمبيق.
أشار باريت إلى أن دولاً مثل نيجيريا وغانا وتنزانيا بدأت بالتحول إلى الإنتاج المحلي لغاز البترول المسال، لكنها لا تزال تعاني من ارتفاع أسعار الغذاء ونقص الأسمدة، ما يجعل القارة بأكملها عرضة لموجة تضخم غذائي متسارعة.
ارتفاع أسعار السلع عالمياً
أوضحت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن أسعار السلع الغذائية العالمية ارتفعت للشهر الثاني على التوالي في مارس، مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالصراع.
نقلت التقارير عن خبير اقتصادي في جامعة ولاية أوهايو، سونغكي لي، أن الضغوط الاقتصادية قد تعرقل التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة، خاصة تلك المتعلقة بالتحول بعيداً عن الوقود التقليدي في الطهي.
حذرت التحليلات من أن استمرار الاضطرابات في الخليج العربي قد ينعكس حتى على الدول البعيدة، ومنها الولايات المتحدة، نتيجة الترابط في سلاسل الإمداد العالمية.
وأفادت التقارير أن بعض القادة السياسيين بدؤوا الدعوة إلى تسريع التحول نحو الطاقة المتجددة، مع تصاعد المخاوف من الاعتماد على الوقود المستورد وسهولة تعطل سلاسل الإمداد.
أشار اقتصاديون إلى أن الأزمة قد تؤدي إلى تباطؤ مؤقت في مشاريع الطاقة النظيفة بسبب القيود المالية، لكنها قد تدفع لاحقاً إلى تسريع التحول إلى الطاقة الشمسية والبدائل المستدامة.
نقلت تصريحات نقلتها منصة “غريست”، عن مسؤولين وخبراء أن استمرار الأزمة لأكثر من 40 يوماً قد يضاعف آثارها في الإمدادات الغذائية وأسعار السلع حتى عام 2027، مع توسع نطاق التأثير ليشمل آسيا وإفريقيا وأجزاءً من الاقتصاد العالمي.
اختتمت التحليلات بأن أزمة غاز الطهي لم تعد مجرد مشكلة طاقة منزلية، بل تحولت إلى اختبار عالمي لترابط الغذاء والطاقة والصحة العامة، حيث تتقاطع آثار الحرب مع هشاشة أنظمة الإمداد العالمية بشكل غير مسبوق.
